لما نزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ظلَّ ما يقرب من ثلاث عشرة سنة يدعو المشركين إلى التوحيد الخالص، ويقرب من آمن به من خالقهم عزَّ وجل، رافعًا شعار المرحلة المكية (كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ) (النساء: من الآية 77)، وتعرض رسول الله وصحبه الكرام لأقسى أنواع التضييق والتعذيب والاضطهاد؛ ما ألجأهم في معظم الأحيان إلى تأدية الصلاة، وهي عماد الدين في البيوت بعيدًا عن أعين الناس.

 

وبعد هذه المدة الطويلة أذن الله عزَّ وجلَّ لرسوله بالهجرة إلى يثرب والتي سُميت بعد ذلك بالمدينة المنورة، وكان أول ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة ما يلي:

1-  المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار.

2 - وضع دستور الدولة الوليدة ليحدد العلاقات بين المسلمين وغيرهم كاليهود مثلاً.

3- بناء المسجد.

 

والذي يعنينا هنا هو بناء المسجد، فرسولنا صلى الله عليه وسلم يُدرك الدور العظيم للمسجد في الإسلام، فهو منارة العلم ومشعل الهدى وملتقى الأصحاب ففيه تُؤدَى الصلوات، وفيه تُعقد المعاهدات، وفيه تتم مجالس الصلح، ومنه تنطلق الجيوش الفاتحة التي تنشر العدل والهدى في ربوع العالمين، وببركته تتم فيه الزيجات ويأوي إليه كل محتاج.

 

والمسجد في الإسلام بهذا الدور كان محفزًا لكل خير رادًّا لكل شر؛ ولذا ظلَّت أبوابه مفتوحةً لا تُغلق على مدار الأيام والأزمان.

 

ومع التراجع الرهيب للدول الإسلامية في عصرنا الحديث تم تهميش دور المسجد وتحول إلى مجرد مكان تُؤدَى فيه الصلاة فقط لدقائق معدودة ثم سرعان ما توصد أبوابه، ولولا الملامة لأغلق تمامًا حتى أمام المصلين، واستسلم المسلمون لهذا الدور الباهت للمساجد في ظلِّ الأنظمة الدكتاتورية، وأصبحت كل علاقتهم مع حبيبهم المسجد مجرَّد زيارات خاطفة يؤدون خلالها ركعات سريعة.

 

ولكن حكمة الله- عز وجل- أبت إلا أن يعود للمسجد بريقه، ولهذا المكان الطاهر دوره الرائد والمعجز، فارتبط المسجد بثورات الربيع العربية التي شاهدناها، ونشهدها خلال هذا العام (2011م )، فكنا ننتظر على أحرِّ من الجمر يوم الجمعة، فهو اليوم الذي يتم فيه حشد الملايين من المتظاهرين المصلين، والذي لولاه ما استطاعت أية قوة في بلدان الثورات أن تحشد هذه الأعداد الهائلة.

 

والمشهد الرائع الذي عشناه أيام الثورة المجيدة أنه بمجرد أن يسلم الإمام في صلاة الجمعة ينطلق المتظاهرون من جميع المساجد ويتدفقون في الشوارع كالسيل الهادر؛ حتى يتجمعوا في الميادين في منظر عجيب ومؤثر فيقف المرء حائرًا من أين أتت هذه الجموع الغفيرة؟ ولكن سرعان ما تأتي الإجابة: إنها المساجد إنها المساجد.

 

بل إن فضل الله عز وجل كان علينا عظيمًا؛ بأن كافأنا بأغلى هدية وهي تنحي الرئيس السابق غير مأسوف عليه، وعظمة هذه الهدية أنها كانت في يوم جمعة؛ ليبقى فضل هذا اليوم ممتدًّا وماثلاً لنا على الدوام، وليضاف هذا الفضل للأفضال التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم والخاصة بيوم الجمعة؛ حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق الله آدم، وفيه قُبض، وفيه النفخة وفيه الصعقة، فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة عليَّ.. قالوا: وكيف تُعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟- أي بليت- فقال صلى الله عليه وسلم: إن الله جل وعلا حرَّم على الأرض أن تأكل أجسامنا"، وقال: "خير أيامكم يوم الجمعة"، وقال: "خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة"، وقال أيضًا: "اليوم الذي فيه خُلق آدم، وفيه أُدخل الجنة، وفيه أُخرج منها، وفيه تقوم الساعة".

 

وإذا كان هذا هو حال المسجد، وذاك أثر الجمعة فحريٌّ بنا أن ُنولي مساجدنا ما تستحقه من الاهتمام والرعاية، وهذا يتأتي بحسن تشييدها ودوام زيارتها وصدق عمارتها، فنعيدها كما كانت على عهد رسول الله رسول الله صلى الله عليه وسلم مناراتٍ للعلم ومشاعل للهدى، كما أنه من واجبنا أن نتمسَّك بدور المسجد الحقيقي، ولا نفرط فيه ليكون هذا الدور من أهم مكتسبات ثورتنا العظيمة.

 

فنعلم فيه الناس قيم الإسلام الأصيلة كالعدل والحرية والتكافل والمؤاخاة وحب الوطن والصدق والأمانة، كما نعلم رواده قول الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مهما كلَّفهم ذلك.

 

وإذا كان هذا هو حالنا مع المسجد طوال أيام الأسبوع فإن يوم الجمعة يمثل لنا شأنًا خاصًّا، فعلينا أن نتبع هدى نبينا في هذا اليوم حيث قال: "من اغتسل يوم الجمعة، ومسَّ من الطيب إن كان له، ولبس من أحسن ثيابه، ثم خرج وعليه السكينة حتى يأتي المسجد ثم يركع إن بدا له، ولم يؤذ أحدًا، ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يصلي، كانت كفارة لما بينهما"، وأن يبقى تجمع المسلمين في هذا اليوم المبارك تجمعًا يقض مضاجع الظالمين، وينهي أحلام المفسدين.

 

وأختم بذكرى طيبة لن أنساها ما حييت، وهي مساء يوم الخميس الموافق ( 10/2/2011م ) لما وقفت مصر كلها على قدمٍ وساق في انتظار كلمة الرئيس المخلوع، والتي أحدثت هزةً ومفاجأةً عنيفة بسبب ما ورد فيها من كلماتٍ عمَّقت الأسى والحزن والألم في نفوسنا جميعًا، وسقط الكثير مغشيًّا عليه، وبكى البعض، وكان يقف ابني بجواري، فقلت له بثقة مطلقة: غدًا لن يستمر هذا الرجل في حكم مصر، فتعجَّب ابني وقال لي: ما مصدر هذه الثقة؟ فقلت له: ألا تدري أن غدًا يوم الجمعة، فإنني أراهن على يوم الغد، فمصر ستخرج غدًا من جميع المساجد إلى الميادين في جميع المحافظات؛ لتطالب بعدم استمراره ولو لساعاتٍ.

 

ولما قرب نهار يوم الجمعة من الانتهاء غادرنا أنا وابني التحرير، وفي طريق عودتنا إلى الشرقية اتصلت بي زوجتي لتهنئني بتخليه، فانكبَّ عليَّ ابني يقبلني، فقلت له: لم أقل لك إنه يوم الجمعة.

 

بارك الله لنا في إسلامنا العظيم، وزادنا قربًا من مساجدنا العامرة، ونفعنا دومًا بيوم الجمعة.