العقل نعمة والليبراليون دائمًا ما يتهمون الإسلاميين بأنهم مغيبو العقل، ومسلوبو الإرادة، ويهيمون في الغيبيات، بينما هم أصحاب العقل والمنطق، ورغم أني ليبرالي- بمفهوم أني أؤمن بالحرية المسئولة، التي تحفظ حقوق الخالق والمخلوقين بلا تعدٍّ على أحد، وبتداول السلطة، وحق الشعب في أن يكون مصدر السلطات- إلا أني ما زلت أتعجب على كل خطوة يخطوها أصحابنا من الليبراليين الذين يقاتلون في المعركة التي تطالب بالانقلاب على نتيجة الاستفتاء وإرادة الأغلبية، باعتبارها ليست عنوان الحقيقة، وأن رأي النخبة أرشد من الرأي العام الذين تمَّ خداعهم بالشعارات الدينية فقالوا "نعم" رغم أنها "لا"!!!
وكذلك من قال منهم أن الشعب يجهل أولوياته، وأن الأغلبية ليست دائمًا على حقٍّ!!! ورغم أن معركتهم بدأت متأخرةً بعد الاستفتاء بحوالي شهر ولست أدري لماذا؟!! فربما كانوا يجهزون لمعركتهم بدراسة الشارع والاستفتاء والإعلان الدستوري كي يوحون إلى تضارب النصوص ثم يجدوا مخرجًا لافتكاساتهم!.
ورغم أني نصحتهم مخلصًا بأن ينشغلوا بالشارع والتواصل مع الناس وهو أفيد لهم وأكثر إنجازًا إلا أنهم رفضوا في البداية، وقد ظننت هذا عجزًا منهم إلا أنهم بارك الله فيهم قد أخذوا بالنصيحة وبدءوا في النزول للناس فعلاً، لكن ليس استعدادًا للانتخابات بل لجمع توقيعات لحوالي 15 مليون مصري- يعني أكثر ممن قالوا نعم الـ 14 مليون- لتعديل الدستور قبل الانتخابات، وهنا أتعجب إذا كانوا قرروا النزول لجمع التوقيعات، فلما لا يخوضون إذن الانتخابات طالما معهم أكثر من عدد المصوتين بنعم!.
عندما يحوز فصيل على 15 مليونًا "ده يقعد ويحط رجل على رجل"، ويضمن أغلبية كاسحة في الانتخابات القادمة، ويعمل اللي هو عايزه في الدستور!! وما مبرر الخوف إذًا من قوة الإخوان واستحوازهم على المجلس القادم، وتفردهم بوضع الدستور؟ لم الخوف وقد حشدوا من قبل الملايين في التحرير دون الإخوان، والآن يجمعون توقيع 15 مليون مصري؟!!.
يبدو أن هناك أمرًا الغلابة مثلي يجهلونه؟ لقد افتعل هؤلاء الزملاء موقفًا قدروا حدوثه مستقبلاً ثم بنوا عليه بعد ذلك حملتهم الظالمة ضد الإخوان وإرادة الشعب المصري، هذا الموقف الذي تصوروه هو أن مَن يحوذ الأغلبية سيتحكم في اختيار الهيئة التأسيسية لوضع الدستور بعيدًا عن الشعب وعنهم، فيتفردوا بصناعة دستور على مزاجهم- ده باعتبارهم والشعب المصري شاربين حاجة صفرا- وتجاهلوا أن الإخوان وأي فصيل محترم يعي أن الدستور لا بد له من التوافق، وأن اختيار هيئته سيخضع لمعايير موضوعية لتمثيل كل الشعب المصري، وبدلاً من مناقشة تلك المعايير وإقرارها في حوار مجتمعي راقٍ يُلزم أي برلمان قادم هاجوا وماجوا وسبوا وتحرشوا وحرضوا وفزعوا وخوفوا الشعب، وشغلوهم في كلام فاضٍ قائم على كذبة لن تتحقق بأي صورة ممكنة!.
وبدأ الحديث حول مبادئ فوق دستورية، يا مثبت العقل والدين!! والسؤال لماذا تنشغل مصر في هذا الوقت الحرج بقيل وقال في موضوع تمَّ حسمه، ولا يمكن الالتفات عنه!؟ هل أحد يملك جوابًا صريحًا وواضحًا لهذا السلوك العجيب؟! أقول إن هناك خطرًا فادحًا ربما يتحقق لو تمَّ القفز على الاستفتاء، فهناك مَن يتربص بمصر- وحديثي للشباب المتحمس المحب لمصر- وهناك كارهون للثورة وخائفون من أهم منجزاتها وهي عودة حق الشعب في اختيار قياداته التي لم تبدأ بعد وبدايتها في الانتخابات القادمة؛ لتكون آلية للتعيين والمحاسبة والعزل بشكل سلمي حضاري، وهم لا يرغبون في ذلك فتطول مدة الاستحقاق الشعبي ويكثر الهرج والمرج، وتفتر العزيمة، وتبقى الثورة بلا إنجاز قوي؛ حيث لن يتحقق وقتها الحصول على التغيير المطلوب، ولا الحرية ولا العدالة الاجتماعية، فمفتاح مصر هو الإصلاح السياسي، ولعل من القوى المتربصة بمصر- كما يراها رئيس تحرير وكالة أنباء أمريكا إن أرابيك- واشنطن، وهي المطلع على تفاصيل ما يدور هناك، وإن أول هذه القوى هي المنظمات الصهيونية واللوبي الصهيوني، وثانيها منظمات ونشطاء نصارى المهجر من المصريين، وثالثها قوى المحافظين من اليمين الأمريكي، وحركة التي بارتي، ومتشددي الحزب الجمهوري.
ويقف في صف التصويت والانتخابات في موعدها الذي قرره المجلس العسكري المصري عدد لا بأس به من اليسار الأمريكي، ومن الليبراليين الحقيقيين، علاوةً على بعض أعضاء الحزب الديمقراطي.
أشرس هذه القوى هي منظمات اللوبي الصهيوني الإسرائيلي التي تحب أن ترى المجلس العسكري المصري في تراجع ورضوخ، وتحب هذه المنظمات أن تراه لا يثبت على موقف، فالمجلس العسكري هو من قادة الجيش أي من القوات المسلحة التي أذاقت الكيان الصهيوني المر في حرب 1973م، وتصرفات أعضائه تفهم هنا عسكريًّا بقدر ما تراقب سياسيًّا.
ومنظمات اللوبي الصهيوني تحب أن ترى هزيمة المجلس العسكري داخليًّا في هذه المسألة السياسة من القوى التي قد تقترب- ربما دون قصد على الإطلاق- من خدمة مصالح الكيان الصهيوني في مصر، وهذه القوى التي تقترب من خدمة الكيان الصهيوني هي بالتأكيد ليست القوى الإسلامية، ولا القوى الوطنية التي تعارض سياسات الكيان الصهيوني في المنطقة، ولا القوى الليبرالية المصرية الأصيلة التي تنشد الحرية والعدالة والمساواة في مصر.
فلقد هال الكيان الصهيوني وحلفاؤه في واشنطن الالتحام غير المسبوق بين الشعب والجيش في مصر في أعقاب الثورة، وعرف الكيان الصهيوني والحركات الصهيونية أن الجيش المصري ليس فيه طبع الخيانة للوطن، فاتخذت هنا في واشنطن سبيل محاولة إنهاك قادة المجلس العسكري المصري عن طريق إجباره على التراجع في قرارات سابقة اتخذها، وسخَّرَت عددًا من كتاب اللوبي الإسرائيلي وحلفائه في بعض مراكز الأبحاث والصحافة لانتقاد الجيش المصري بشدة، والتقاط أخطائه بملقاط؛ لمحاولة زعزة الثقة الدولية فيه.
ولعل ما كتبه الدكتور يحيى الجمل في (المصري اليوم) يوم 20 يونيو 2011م وهو الذي يثير جدلاً بتصريحاته الأخيرة، يكون أساسًا للعمل في الفترة القادمة بعد حواراته مع تجمعات مختلفة مفادها كما ذكر في مقالته "التوافق على مجموعة من المبادئ الدستورية الحاكمة هي جوهر النظام الديمقراطي، والتي تحافظ على الطابع المدني للدولة، ومع ذلك تؤكد أن سيادة الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي للتشريع، وأن الإسلام هو دين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية، وأن مصر جزء من الأمة العربية، وأن الامتداد الإفريقي هو امتداد جوهري، وأن المواطنين المصريين- مهما اختلفت أديانهم وأجناسهم- متساوون في الحقوق والواجبات، وأن غير المسلمين من حقهم أن يلجئوا إلى شرائعهم فيما يتعلق بأحوالهم الشخصية، وأنه لا تمييز بين المواطنين، ويبدو أنه قد حدث اتفاق على هذه الحزمة من المبادئ الدستورية.
كما ذكر أيضًا في مقاله وسيلتين للتقريب تمَّ التوصل إليهما، وهما: "أولاً محاولة التنسيق بين القوى والأحزاب المتآلفة أو بالأقل المتفقة على التنسيق في الانتخابات القادمة، بحيث لا يُقصى فريق فريقًا آخر، وبحيث يأتي مجلس نيابي يمثل أطياف الشعب وأحزابه وحركاته تمثيلاً واسعًا يعكس- في الوقت نفسه- الأوزان النسبية لتلك القوى، ويسمح بالمنافسة الشريفة، ويرفض المنافسة التي تقوم على العصبية والمال.
كذلك الاتفاق على تشكيل حكومة وحدة وطنية تمثل فيها القوى السياسية- بأوزان مختلفة- لكي تستطيع حكومة الوحدة الوطنية هذه أن تحمل الأعباء الجسام التي تفرضها المرحلة القادمة: مرحلة إعادة البناء" انتهى.
لماذا لا يتم حسم الأمر والتوقف عن تهييج الشباب، وخلط الأمور، اتقوا الله في الشعب المصري!؟