كتب كثير من المفكرين والكتاب الأفاضل عن استحالة اختيار لجنة تأسيسية لوضع دستور جديد بغير الآلية التي وافق عليها 77% من الشعب، والتي يفوض فيها ممثليه المنتخبين في مجلس الشعب القادم لاختيارهم، وبعد وضع مسودة الدستور سيُستفتى عليه عامة الشعب لإقراره أو رفضه.

 

وقد بنوا هذا الرأي على الرفض القاطع لأن تأتي اللجنة التأسيسية بالتعيين، أو استحالة إجماع وتوافق القوى السياسية عليها، وهي التي لا يوجد دليل على وزن معظمها الحقيقي في الشارع، أو استحالة استفتاء الناس جميعًا على 100 فرد سواء كان هذا الاستفتاء عامًا أو في كلِّ محافظة، وبخاصة بعدما رأيناه من بطلان 40% من الأصوات في انتخابات الوفد التي حضرها فقط 1200 عضو، أو عدم وجود نقابات منتخبة تمثل منتسبيها تمثيلاً حقيقيًا ليختاروا هم اللجنة.

 

وردوا على المتعللين بإشكالية إجراء أربعة انتخابات عامة برلمانية ورئاسية في فترة زمنية قصيرة بأن هذا لن يحدث إذا نُص في الدستور على استكمال المُنتخَبين لفترتهم القانونية.

 

وبعد كل هذا يأتي فريق ممن يزعمون الثقافة والديمقراطية والليبرالية ويطالبون بالدستور أولاً، وسأفترض حسن النية والوطنية في بعضهم، ولن أتهمهم بمحاولة الالتفاف على إرادة أغلبية الشعب والتعالي عليه واحتقاره، أو حب الظهور من منطلق خالف تعرف، أو العمل لمصلحتهم الشخصية، أو تلقي المال الأمريكي الأوروبي المخصص لدعم "الديمقراطية"، أو الخضوع للمال الطائفي ومال الفلول الممول للإعلام الخاص، أو بالعمل لحساب فلول الأجهزة الأمنية التي جندتهم في العهد البائد.

 

ولكنني أتحدى جميع المطالبين بالدستور أولاً أن يتركوا الكلام النظري جانبًا، وأن يجتمعوا في غرفهم المكيفة بالفنادق والمؤسسات الفخمة، ويتفقوا على أسماء 100 عضو للجنة التأسيسية لوضع دستور جديد، ثم يخطفوا أرجلهم ويحركوا أنفسهم قليلاً في جولة على جميع القوى السياسية إسلامية ويسارية وقومية وليبرالية ووطنية وشبابية، ويحاولوا الحصول على إجماعها على هذه الشخصيات، فإن فعلوا ذلك- وأظنه من تاسع المستحيلات- فقد أسدوا للوطن خدمة جليلة سيخلدهم بها التاريخ.

 

وإن لم يستطيعوا الاتفاق على أسماء المائة عضو لأسباب لن يُعدموها، فإنني أتحدى فكرهم التنويري وعبقريتهم الفذة كذلك أن يكتبوا لنا طريقة عملية ممكنة التحقق لاختيارهم، ولا نريد كلامًا إنشائيًّا نظريًّا بل عليهم أن يذكروا التفاصيل المملة في كلِّ شيء، فإن لم يفعلوا ولن يفعلوا، فعليهم أن يبتلعوا ألسنتهم، ويكفوا عن العويل ليل نهار مطالبين بالدستور أولاً.

 

إن هذه الديكتاتورية الجديدة والنخبة التي لم ينتخبها الشعب لتتحدث باسم ثورته أو نيابة عنه، تتقطع قلوبها وتمتلئ حقدًا وغيظًا كلما رأت الانتخابات تقترب؛ لأن الشعب المصري الذكي سيعلن عن ممثليه الحقيقيين، ويلفظ الأدعياء الزاعقين المتاجرين بالشعارات الرنانة، ومن أجل ذلك يحاولون بشتى السبل منع أو تأجيل كلمة الشعب الفاصلة.

 

في البداية طالبوا بمجلس رئاسي يتصدر زعماؤهم من خلاله المشهد السياسي، فلما خاب مسعاهم طالبوا بتأجيل الانتخابات لمدد طالت أو قصرت، فلما بدأت كفة الأحزاب والقوى السياسية تميل للتوافق، واحترام إرادة الشعب وحقه في الاختيار، رأينا بعضهم يركز جهوده ويحشد جنوده للمطالبة بالدستور أولاً.

 

إن الشعب المصري العظيم لن تنطلي عليه حيل المراهقين سياسيًّا، والذين يحاولون تخويفه بالانفلات الأمني، فقد نزل في طوابير طويلة للاستفتاء المشرف يوم 19 مارس وقال كلمته، ووجب على الجميع أن يحترمها، وإن شاء الله تعالى سينزل هذا الشعب البطل في سبتمبر المقبل ليعلن عن نفسه، ويختار ممثليه الحقيقيين أيًّا كانوا، ويركل كل من احتقره أو أساء إليه.