د. رجب أبو مليح

 

كنت خارج مصر أثناء ثورتها المباركة الميمونة، فلم يقدر الله لنا أن نشارك مشاركة مادية ملموسة في هذا الخير الذي نسأل الله أن يتمه على مصر والأمة العربية والإسلامية، وليس من رأى كمن سمع.

 

نعم شاركنا بقلوبنا ودعواتنا، ولعل الله يكتب لنا الأجر بالنية، كما حدث لِمَن لم يحضر غزوة تبوك بسبب عذر مقبول، روى البخاري بسنده عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- رجع من غزوة تبوك، فدنا من المدينة، فقال: "إن بالمدينة أقوامًا، ما سرتم مسيرًا، ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم"، قالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينة؟ قال: "وهم بالمدينة، حبسهم العذر".

 

وقديمًا قال الشاعر العربي عندما رأى وفود الحجيج تقطع الأرض إلى بيت الله الحرم، ولم يستطع السير معهم فقال:

           يا ذاهبين إلى البيت الحرام فقد *** سرتم شخوصًا وسرنا نحن أرواحا 

          فقد أقمنا على عذر وقد رحتم *** ومن أقـــام على عذر كمن راحا.

 

رأينا الفرحة في قلوب وعيون المصريين وغير المصريين، أما المصريون ففرحتهم مبررة، فقد حبسوا أنفاسهم وجلسوا أمام القنوات الفضائية ومواقع الإنترنت طوال ثمانية عشر يومًا كانت في مقام ثمانية عشر حولاً، ولما سألت غير المصريين- ومعظمهم من غير العرب- عن سر فرحتهم واهتمامهم، قالوا: إننا ننظر إلى مصر نظرةً خاصة، فهي بمثابة قلب العالمين العربي والإسلامي، وهي القاطرة التي إن سارت سار معها العالمان العربي والإسلامي وإن توقفت توقف.

 

أقول هذا للمصريين بكلِّ طوائفهم مسلمين ومسيحيين، إسلاميين وغير إسلاميين من طوائف الشعب المصري، فنحن بحاجة لوضع ميثاق شرف للمخلصين من أبناء هذا الوطن الحبيب يكون بمثابة الدستور الملزم للجميع، وسنذكر ملامح عامة لهذا الميثاق يمكن لغيرنا أن يبني عليها، ويطورها بأية وسيلة من الوسائل، سواء عن طريق ندوة تجمع كلَّ الطوائف التي تريد إنقاذ هذا البلد أو مؤتمر أو غير ذلك من الوسائل.

 

أولاً: نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه:

هذه قاعدة ذهبية، يعرفها العامة والخاصة، ولا أحسب أن أحدًا يرفضها من الناحية النظرية؛ لكن القليل منا من يطبقها ولا يفعلها بشكل عملي.

 

ولا أظن أحدًا من المخلصين والحريصين على مصلحة هذا الوطن يشك أو يشكك في أن مصلحة مصر كل مصر من المتفق عليه، أو المجمع عليه، وإنما الاختلاف في الوسائل، فليترك كل منا الفريق الآخر يفعل ما يراه مناسبًا لمصلحة مصر ما دام لا يؤدي إلى ضرر حالي أو مستقبلي، وأمور السياسة عارية عن اليقين، فلم التنابز وإلقاء التهم والتخوين الذي لا يصب إلا في مصلحة أعدائنا؟!.

 

ما زالت هذا المقولة بعيدة إلى حدٍّ ما عن تصرفاتنا العملية، ونحن إذ نردد (أن الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية)، نرى أن الاختلاف في الرأي يفسد كل قضايا الود، ويؤدي إلى الخصومات، ويضيع علينا فرصة تاريخية في الإصلاح والنهوض بهذا الوطن.

 

ثانيًا: المصلحة العامة تقدم على المصلحة الخاصة:

وهذه قاعدة فقهية مهمة، ما أحوجنا إليها في هذا الوقت الذي يحاول كل منا استرداد حقه!، ولا مانع من المطالبة بالحقوق، ولكن علينا أن ننسى ذواتنا ولو لفترة من الوقت، فإن البلد قد نهب على مدار ما يربو عن نصف قرن من الزمان، وهناك فئات عريضة من الشعب لا تجد القوت ولا ضروريات الحياة، فضلاً عن حاجياتها أو تحسينياتها، فعلينا أن نطالب بحقوق هذه الفئة التي تمثل قطاعًا عريضًا من الشعب المصري، قبل أن نطالب بحقوق الطبقة المتوسطة، أو فوق المتوسطة.

 

إن الزمن جزء من العلاج، والتدرج من سنن الله في الكون، ولا يمكن لحكومة من الحكومات مهما كانت أن تبني في شهر أو عدة أشهر ما هدم في سنوات، فعلينا بالصبر، وأقصد به الصبر الواعي الإيجابي لا الصبر السلبي الذي جعلنا نسكت على الطغاة طوال هذه السنوات حتى صار حالنا إلى ما نحن عليه الآن.

 

 ثالثًا: علينا أن نرجع ونراجع فقه الأولويات:

وهذا فقه رائع، وفهم جيد، أبدع فيه علماؤنا القدامى والمعاصرون، وعلى رأسهم فضيلة الشيخ العلامة أستاذنا الدكتور يوسف القرضاوي، ونحن في حاجة لترتيب الأولويات حسب أهميتها، وقد ذكر شيخنا القواعد والضوابط التي تضبط المصالح فقال: (وفي الموازنة بين المصالح:

تُقدَّم المصلحة المُتيقنة على المصلحة المظنونة أو الموهومة.

وتُقدَّم المصلحة الكبيرة على المصلحة الصغيرة.

وتُقدَّم مصلحة الجماعة على مصلحة الفرد.

وتُقدَّم مصلحة الكثرة على مصلحة القِلَّة.

وتُقدَّم المصلحة الدائمة على المصلحة العارِضة أو المُنقطِعة.

وتُقدَّم المصلحة الجوهرية والأساسية على المصلحة الشكلية والهامشية.

وتُقدَّم المصلحة المستقبلية القوية على المصلحة الآنية الضعيفة).

 

ثم ذكر الضوابط التي تضبط المفاسد إذا تعددت فقال:

(والمفاسد أو المضار متفاوتة في أحجامها وفي آثارها وأخطارها.

ومن هنا قرَّر الفقهاء جملة قواعد ضابطة لأهمِّ أحكامها، منها:

(لا ضَرر ولا ضِرار.

الضررُ يُزال بقدر الإمكان.

الضرر لا يُزال بضرر مثله أو أكبر منه.

يُرتكَب أخفُّ الضرريْنِ وأهونُ الشريْنِ.

يُتحمَّل الضرر الأدْنَى لدفع الضرر الأعلى.

يُتحمَّل الضررُ الخاصُّ لِدَفْع الضررِ العامِّ)

 

ثم ذكر الضوابط التي تحكم المصالح والمفاسد إذا اجتمعت فقال:

(ومن القواعد المُهِمَّة هنا:

أنَّ دَرْءَ المفسدة مُقَدَّم على جلْب المصلحة.

يُكمل هذه قاعدة أخرى مُهمة، وهي:

أنَّ المفسدة الصغيرة تُغتَفَرُ من أجل المصلحة الكبيرة.

وتُغتَفَر المفسدة العارضة من أجل المصلحة الدائمة.

ولا تُترَك مصلحة مُحَقَّقة من أجل مفسدة مُتَوَهَّمة)

 

فعلى المخلصين من أمتنا الذين يخافون على مصلحة هذا البلد أن يتقنوا ويحسنوا ترتيب أولوياتهم في هذه الفترة؛ حيث تتزاحم المصالح، ومن أصرَّ على عمل كل شيء فلن يعمل شيئًا، وربما انشغل بصغائر الأمور، وانصرف عن عظائمها، وربما ضخم وكبر ما حقه التصغير، وصغر ما حقه التقديم، وقدم ما حقه التأخير وأخر ما حقه التقديم.

 

رابعًا: علينا أن نطور في مفهوم الثورات:

فالثورة التي قامت كانت مشروعة، ومشكورة، ومأجور مَن قام بها وأسهم فيها بجهد كبير أو صغير؛ لكن الثورة لا يمكن أن تكون غاية وهدفًا، ولكنها تظل وسيلة مشروعة، ثم تعود الأمور إلى طبيعتها؛ حيث الاستقرار والعمل والإبداع في مفهوم الثورة، فنحن نحتاج إلى مجموعة ثورات في الفترة القادمة مختلفة عن الثورات التي نسمعها الآن، وكثرتها تذهب عبرتها فنحتاج إلى ثورات فيما يلي:

 

1- نحتاج إلى ثورة من كل مواطن صالح مصلح يحب وطنه على الكسل والبطالة المقنَّعة، والساعات التي تهدر دون عمل.

 

2- نحتاج إلى ثورة على الرشوة والمرتشين، وكل من تسول له نفسه أكل الحرام وإفساد هذا البلد في جميع المجالات.

 

3- نحتاج إلى ثورة على عدم النظام واحترام حقوق الآخرين، سواء في الطريق أو في الحصول على الخدمات من المصالح الحكومية وغير الحكومية.

 

4- نحتاج إلى ثورة في مجال القضاء على الأمية سواء أكانت أمية القراءة والكتابة أم الأمية الفكرية، وهذا يحتاج إلى جهد كبير؛ حيث نصيبنا من الأمية نصيب الأسد وسط البلاد المتقدمة.

 

5- نحتاج إلى ثورة في مجال العلم والتكنولوجيا، ومصر الآن تفتح أحضانها الدافئة لكل العلماء الذين هجروها وأعطوا ثمرة عقولهم وفكرهم وعلمهم للآخرين؛ حيث لم يكن في الإمكان أفضل مما كان؛ لكن لا عذر لأحد الآن فواجب الوقت والضمير والوطن يفرض على الجميع الرجوع والإسهام في بناء هذا الوطن العزيز.

 

6- نحتاج إلى ثورة من أجل نظافة هذا البلد وزراعته، ومحو كل آثار الفوضى والقذارة التي خلفها العصر البائد.

 

7- نحتاج إلى ثورة في مجال الزراعة، لتعود مصر هبة النيل، وهو من أجلّ النعم التي أنعم الله بها علينا، حتى لا نمد أيدينا لغيرنا لنتسول لقمة العيش، واليد العليا خير من اليد السفلى، فعار على أمة عندها ثروة بشرية هائلة، وعندها كميات هائلة من المياه، وعندها رقعة أرضية واسعة أن تستورد القمح حتى الآن.

 

8-  نحتاج إلى ثورة في مجال الصناعة، فملايين العاطلين الذي يقضون الساعات على المقاهي والملاهي، عليهم أن يستوعبوا التوجيه النبوي الذي يقول فيه النبي- صلى الله عليه وسلم- فيما رواه البخاري عن المقدام رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما أكل أحد طعامًا قط، خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده".

 

9- نحتاج إلى ثورة بل ثورات على الفساد بكل صوره وأشكاله، الفردية والجماعية حتى يعود لنا وطننا العزيز في كامل قوته، وساعتها سيأخذ كل صاحب حقٍّ حقه.

 

10- نحتاج إلى ثورة أو ثورات في مجال الأخلاق، التي هدمها النظام البائد، حتى غاب عن شعبنا كثير من القيم والأخلاق الفاضلة، وحلَّت مكانها الأخلاق السئية، ونحن نحتاج إلى تضافر الجهود لبناء هذه الأخلاق مرة أخرى، حتى تكون عونًا لنا في عملية البناء والتعمير، مستحضرين حديث النبي الذي رواه بسنده عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".

 

11- نحتاج إلى ثورات كثيرة حتى نبني دولة المؤسسات التي تستطيع أن تحاسب الرئيس والمرءوس والحاكم والمحكوم، والكبير والصغير، وساعتها ستعود لمصر ريادتها وقوتها: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ (الإسراء: من الآية 51) ﴿يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5)﴾ (الروم).

-----------------------

* الأستاذ المساعد بجامعة الإنسانية الإسلامية- ماليزيا- وكيل الجامعة لشئون الدراسات العليا والبحث العلمي