- د. عفيفي: الوضع الإستراتيجي جعله مطمعًا للدول الغربية
- الريدي: على الجامعة العربية التدخل للخروج من الأزمة
- د. إدريس: صالح سيعود للانتقام من شباب الميادين
تحقيق: مي جابر
خمسة أشهر هي عمر الثورة الشبابية السلمية باليمن، المطالبة بإسقاط النظام المستبد، الذي استمر ما يزيد عن ثلاثة وثلاثين عامًا، حتى أصبحت الثورة اليمنية مرشحة للدخول موسوعة جينيس العالمية للأرقام القياسية؛ حيث بدأت الاعتصامات الاحتجاجية يوم 11 فبراير الماضي، التي انطلقت بدعوات مجموعة من الطلاب الذين اعتصموا بالساحة الرئيسية أمام جامعة صنعاء؛ لتتسع دائرة المشاركين بها وتضم جميع العمار والشرائح بجميع المحافظات اليمنية.
وما من يوم يمر على أهالي اليمن السعيد إلا ويزداد معه الوضع تعقيدًا وغموضًا، فبعد سفر الرئيس اليمني الفاقد شرعيته علي عبد الله صالح إلى المملكة السعودية للعلاج يوم الجمعة الماضي، ازداد المشهد غموضًا؛ نتيجة لتضارب الأنباء بشأن خطورة إصابته واحتمالية عودته مرة أخرى للبلاد.
فيما تعالت الأصوات المطالبة بتشكيل مجلس انتقالي لحكم اليمن لمدة لا تتجاوز سنة يتم خلالها نقل السلطة، وبمنع رموز ما سمته "النظام السابق" من العضوية في هذا المجلس، ومن المشاركة في الانتخابات الرئاسية المقبلة، هذا إلى جانب محاكمة "صالح" ورجاله عن قضايا الفساد المتورطين بها، كما انتشرت حالة من القلق من اجتياح العنف الدولةَ الشقيقة، وخاصة مع سيطرة النزعة القبلية، التي قد تأتي على الأخضر واليابس، وهو ما يهدد اليمن بكارثة إنسانية؛ نظرًا للفقر الذي تعاني منه البلاد في الكثير من الموارد والاحتياجات الأساسية مثل المياه والوقود.
سقوط "الشاويش"
![]() |
|
د. وجيه عفيفي |
ويشير إلى أنه من الضروري دراسة الوضع الإستراتيجي في اليمن، ووضع العديد من النقاط تحت المجهر؛ لتحقيق مطالب الثورة، وتفتيت الصعاب أمامها، مؤكدًا أن اليمن قبل اشتعال ثورة الشباب بها كانت على وشك الانفصال إلى جزءين شمالي وجنوبي؛ نظرًا لما يشعر به الجنوبيون من تهميش وفقر في التنمية؛ ما خلق نوعًا من عدم الاتساق والتناغم بين شطري الوطن.
ويتابع: "نتج من الإهمال المتعمد من الديكتاتور صالح للجنوب، وعدم وصول التنمية الحقيقية له، شعور الجنوبيين بحقد على أهالي الشمال، وهو ما ظهر خلال الحروب بينهما في السنوات الماضية".
عوائق أمام التغيير
ويرجع د. عفيفي العوائق التي تقف أمام تكوين نظام سياسي كبير إلى الفساد الدستوري باليمن الذي يعقد من الانتقال السلمي للرئاسة؛ حيث من المتوقع أن تعيش اليمن فترة من فترات الفراغ السياسي، مبينًا أن الدستور اليمني ينص على تولي نائب الرئيس مهامه إذا لم تمكنه الظروف من قيادة البلاد، ولا يخفى على الجميع أن النائب يُعدُّ من رموز النظام الفاسد الذي أسهم في انسداد شرايين الحياة السياسية باليمن.
ويستطرد قائلاً: "كما أن البنية القبلية التي يتكون منها المجتمع اليمني تمثل تحديًا كبيرًا أمام نجاح عملية الانتقال السلمي للسلطة؛ بسبب النعرات الطائفية والقبلية، والتي تمثل المعيار الحقيقي في عملية اتخاذ القرار، هذا إلى جانب الانقسام الذي يعاني منه الجيش؛ حيث كاد يؤثر في نتائج الثورة؛ من خلال تصديه للمظاهرات وإطلاق الرصاص على المتظاهرين".
ويؤكد أن وضع اليمن الإستراتيجي والحيوي يجعلها مطمعًا للكثير من الدول؛ حيث تسيطر على مضيق باب المندب الذي يمثل بوابة البحر الأحمر من ناحية الجنوب؛ ولذلك قامت بريطانية بإرسال بعثة عسكرية بالقرب من الشواطئ اليمنية استعدادًا للتدخل في شئون الداخلية إذا دعت مصلحتها إلى ذلك، موضحًا أن الولايات المتحدة وبريطانيا تسعيان لتنصيب عميلٍ جديدٍ كبديل لـ(عبد الله صالح)؛ وذلك لاستكمال خطة تفكيك المنطقة العربية والسيطرة عليها.
ويطالب د. عفيفي الشعب اليمني بالتكاتف، وأن يتفهموا أنه هناك العديد من العملاء بينهم، مشددًا على أن إرادة الشعب وحدها هي التي تستطيع تحقيق الحرية، وقتل بقية الفساد وذيول النظام المستبد.
ويشير إلى أنه على شيوخ القبائل وضع تحرير اليمن من جميع العناصر الفاسدة على رأس أولوياتهم، ونبذ النعرات الطائفية مؤقتًا؛ للخروج من هذا الأزمة، مضيفًا أن الحرب الأهلية تمثل خطرًا كبيرًا على مستقبل اليمن السعيد؛ ولذلك يجب وأدها، وإلا ستتحول البلاد إلى أرض محروقة.
ويناشد عفيفي القوات المسلحة مراعاة واجباتها المشرفة التي تتمثل في حماية الثورة وتنفيذ مطالب الشباب، بالإضافة إلى حماية الأمن القومي حتى انتهاء عملية الانتقال السلمي للسلطة، محملاً دول الجوار مسئولية تحقيق نوع من التوازن، والوقوف بجانب الشعب اليمني؛ حتى يتأتى له الخروج من هذه الأزمة وإنهاء صفحات الماضي الأليم.
طرف ثالث
السفير عبد الرءوف الريدي
ويصف السفير عبد الرءوف الريدي، رئيس مجلس العلاقات الخارجية والسفير المصري الأسبق بالولايات المتحدة الأمريكية، وضع اليمن الشقيقة بعد سفر عبد الله صالح لتلقي العلاج بالسعودية، بالغموض والتدهور، موضحًا أنه لا أحد يعلم مصير صالح بعد إصابته، وإمكانية عودته مرة أخرى للبلاد وممارسة مهام الحكم.

ويلفت النظر إلى أن الوضع باليمن يحتاج إلى تدخل طرف ثالث؛ ليكون وسيطًا بين النظام اليمني وشباب الميادين، للتوصل إلى حل يخرج البلاد من شبح الانزلاق إلى حرب أهلية، مشددًا على ضرورة أن يلبي هذا الحل مطالب الثوار الأساسية، وأولها تنحي عبد الله صالح عن الحكم؛ حيث لن يرضى الثوار عودته مرة أخرى بعد سقوط المئات منهم ما بين شهيد ومصاب.
ويؤكد ضرورة تدخل جامعة العربية؛ لاستعادة دورها المفقود في الحفاظ على وحدة الدول العربية، وما يبعث على الأمل في ذلك تولي وزير الخارجية المصري نبيل العربي منصب الأمين العام للجامعة، مضيفًا أن مجلس التعاون الخليجي قدم مبادرة للخروج من الأزمة يجب ألا تُهمل، وأن تؤخذ في الاعتبار عند الجلوس للتفكير من جديد.
ويطالب الريدي الشباب اليمني بتجنب حالة الغضب التي تتملكهم نتيجة الجرائم التي ارتكبها صالح في حق شعبه، وتغليب مصالح الوطن وإنجاح ثورتهم التي حققت قدرًا كبيرًا من الأهداف التي قامت من أجلها؛ حيث كسرت حاجز الصمت الذي رسخه النظام القمعي خلال العقود الطويلة الماضية، مضيفًا أن السعي لتحقيق المصلحة العامة يتطلب التفكير بهدوء في المرور من هذه المرحلة الانتقالية العصيبة.
الحل من الداخل
ويقول: "يجب أن يخرج الحل من داخل اليمن نفسها، فلا يكون إملاءً من أحد، ولا مانع من أن تتدخل الجامعة العربية أو دول الجوار أو مجلس التعاون الخليجي، ولكن في النهاية يجب أن يكون الحل نابعًا من جميع أطراف العملية السياسية اليمنية".
من جانب آخر يستبعد محاولة الولايات المتحدة وبريطانيا للتدخل العسكري باليمن، مرجعًا ذلك إلى تورط الدولتين في حروب لم تنتهِ بعد في كلٍّ من ليبيا والعراق وأفغانستان وباكستان؛ لكن هذا لا يعني أنهما لن تتدخلا في الشئون اليمنية من الناحية السياسية حتى تستطيعا السيطرة على هذه المنطقة الحساسة من الخليج العربي.
ويحذر من طول فترة الفراغ السياسي التي قد تصيب الحياة السياسية باليمن، مبينًا أن هذا الفراغ سيعمل على استقطاب أطراف خارجية لتملأه بما يناسب مصالحهم الخاصة، وهو ما سيجعلنا أمام صومال جديد تفتك به الحروب الأهلية والانشقاقات الداخلية.
ترتيب الأوراق
ويوضح الدكتور محمد السيد إدريس (رئيس وحدة دراسات الخليج بمركز الأهرام) أن مستقبل اليمن بعد هروب الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح يتوقف على عدة عوامل أهمها: فلول نظام "صالح" وقوى المعارضة اليمنية والشارع السياسي، فضلاً عن شباب الميادين الذين يرفضون عودة علي صالح إلى اليمن مرة أخرى، مؤكدًا أنه إذا عاد سيعمل على تصفية المعارضين والانتقام منهم؛ فتتحول الأوضاع في اليمن إلى دموية أكثر.
ويقول: إن صالح لا يرغب أن يتنحى عن الحكم بسهولة؛ خشية المساءلة والمحاكمة على جرائمه طوال فترة حكمه، وما يجعله يتشبث بموقفه هذا الحرس الجمهوري والحكومة الحالية ورجال صالح، بالإضافة إلى رجال القوات المسلحة المؤيدة له.
ويشدد على ضرورة دخول جميع أطراف العملية السياسية باليمن في مفاوضات؛ لترتيب أوراق السلطة، ولضمان استقرار البلاد خلال المرحلة الانتقالية والاستعداد للانتخابات الرئاسية، موضحًا أنه يجب العمل على إحياء المبادرة الخليجية التي نصَّت على تنحي الرئيس علي عبد الله صالح وتشكيل حكومة وحدة وطنية؛ حيث إنها السبيل لضبط الأوضاع في اليمن، وإنهاء الانقسام بين الشعب اليمني.
