في ظل الأحداث العظيمة التي تموج بها منطقتنا العربية عامة والمصرية خاصة ووقوفنا على حافة فترة جديدة تشهد مخاضًا لمولود جديد، وهو دولة العدل والحق (أسأل الله أن تكون كذلك)، وسياسات جديدة تتشكل في العالم بأسرة؛ أجدني أتوقف أمام قول الله عز وجل في سورة آل عمران ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ (137)﴾.
ولذا أجد أنه لزامًا علينا النظر في الأحداث المشابهة في التاريخ لنتعلم، ونأخذ منها العبر والدروس، فمن يعطي ظهره للتاريخ ينكب على وجهه في المستقبل فلا يدري أي وجهة يسير ولا أي طريق يسلك.
ومع إقرار الجميع واتفاقهم أن ثورة مصر البيضاء وأخواتها من ثورات الشعوب العربية السابقة واللاحقة هي نقطة يتشكل عندها تاريخ جديد للعالم بأسره، فقد عدت إلى أحد أهم الفترات التي تشكل فيها تاريخ البشرية، وهي فترة صدر الإسلام إبان غزوة بدر الكبرى، لأخذ الدروس والعبر التي تمكننا من السير في طريق صحيح نحو تأسيس مستقبلنا على أساس متين، ولا نرتد فيه على أدبارنا فننقلب خاسرين.
غزوة بدر كما سماها الله عز وجل في كتابه بيوم الفرقان كما ورد في سورة الأنفال:
﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (41)﴾.
جعلها الله عز وجل يومًا فارقًا بين الحق والباطل على مدار التاريخ بأكمله، والسؤال هنا كيف أراد الله لهذا اليوم أن يكون فرقانًا بدلاً من كونه مجرد معركة حربية انتصر فيها المسلمون على معسكر الشرك؟
العبرة هنا ليست فيما تم أثناء المعركة من القضاء على رؤوس الكفر أو علو شوكة المسلمين كنتيجة للنصر وفقط؛ ولكن العبرة فيما أراده الله من المسلمين بعد النصر حتى يحولوه من مجرد يوم للنصر العسكري إلى يوم للفرقان.
وتأمل آيات سورة آل عمران التي تعقب على النصر لتعي ما أقصد:
﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُنزَلِينَ (124) بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125) وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126) لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ (127) لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذَّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (128) وَلِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (129) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130) وَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (131) وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (132) وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (136) قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ (137) هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ (138)﴾.
تفتتح الآيات بتذكير من الله عز وجل أن النصر مجرد فضل من الله عز وجل وليس بجهدنا فقط، وهذا يجب أن يرسخ في الأذهان أولاً وقبل كل شيء ثم يعقب الله عز وجل بأمر هام، وهو فاتقوا الله لعلكم تشكرون، فتمام الشكر لن يتحقق إلا بالتقوى وحتى يعرف المؤمنون كيف نصرهم الله أتى التفصيل بعد ذلك من الآية 124حتى 127.
أراد الله عز وجل بعد ذلك أن يعلمنا كيف يكون الشكر فتم ذلك بعدة خطوات:
رد الأمر كله لله كما في الآية 128.
اليقين بأن الله عز وجل هو المالك والمتصرف في شئون السموات والأرض.
تحقيق التقوى وهذا لن يتحقق إلا بإتباع منهج الله وما أمر به كما في الآيات من 130 حتى 135.
ثم أوضح الله عاقبة الشكر الصادق كما في الآية 136
وتختتم الآيات بالتذكير بأن هذا بيان للناس كافة، وليس للمؤمنين فقط فقد جاء القرآن هداية للبشرية كافة فمن أراد أن يتبع سبيل الرشاد فليتعلم منه وليتدبر معانيه.
مما سبق عرضه يتبين أن غزوة بدر لم تصبح فاصلة في التاريخ إلا بما استتبعها من تغيرات في بنية المجتمع وإتباع لمنهج الهداية الذي أجمله الله في الآيات بما يشمله من آليات للمراقبة الذاتية، تبدأ من الفرد وتنتهي إليه وهذا هو معنى التقوى ببساطة.
ومن الآيات يتبين أننا ما زلنا في طور الفورة التي نسقط فيها رموز الفساد ورؤوسه، ولن تتحول فورتنا لتصبح ثورة إلا عندما يبدأ كل منا في تغيير نفسه (وفقًا للمنهج الرباني) بالفعل لا بالقول، ويصبح شعارنا المعتاد "أصلح نفسك وادع غيرك" واقعًا ملموسًا ومنهجًا لصناعة الثورة الحقيقية.
فالحذر الحذر إخواني من التسليم أو الاعتقاد بأن الثورة اكتملت، فما زال الطريق طويلاً، والإصلاح ما زال مطلوبًا، وأما التفصيل في الواجبات المطلوبة من الفرد فله حديث آخر.
وأختم بقول الله عز وجل في سورة الرعد: ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: من الآية 11)، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
--------
* معيد بهندسة أسيوط- قسم ميكانيكا