قال الأستاذ الكبير توفيق الحكيم إن بعضَ الناس يفهمون الحقيقة وهي طائرة، بينما هو لا يقدر أحيانًا على فهمها وهي ماثلة أمام عينيه، ومن دواعي الشرف والسعادة أن أنضم إلى قائمة على رأسها توفيق الحكيم، بل وأضيف في حالتي أن الحقيقة أحيانًا تضرب رأسي بعنف ومع هذا لا أقدر على الفهم!

 

أطرح اليوم أمرًا على مَن يعنيهم الأمر، وفي المقدمة المجلس العسكري والنائب العام المصري، لعل أحدًا يتفضل ويبسط لي الأمر حتى أفهم وقد قدمتُ إليهم عذري، وليس بالبعيد في وطنٍ يجاوز أهله 85 مليونًا أن يكون بينهم ملايين مثلي ممن يحتاجون الرفق واللين والبساطة في طرح الحقيقة حتى يتسنى لي ولأمثالي من طلابها الفهم، وبعدها أقدم الشكر والعرفان طائعًا مختارًا.

 

وأنا قبل كل شيء مع مَن لا يفهمون من ضمن الموطنين ولسنا ضيوفًا ولا متطفلين على أحدٍ، خاصةً أن الثورة غيَّرت المفاهيم إلى وضعها الصحيح، بحيث صار حكام الشعب خدامه وليسوا سادته.

 

عندي بعض الأسئلة التي استغلقت على فهمي وفق التعبير الأثير لدى رجال القانون الذين أنتمي إليهم:-

أولاً: ما الذي جعل المخلوع مبارك وأسرته يطمئنون كل هذا الاطمئنان ويقيمون منتجعين بشرم الشيخ، ولم يفكروا في الهرب بمنطق العقل وحتى بمنطق الغريزة ونحن نعرف أن القطة كلما خطفت هربت، رغم أنها تخطف سمكةً على الأغلب وليس بمقدورها أن تخطف وطنًا بأكمله ولا أن تُعذِّبَ أهله وتقتل ملايين منهم بالجوع والتشرد ونقص الدواء لتحيل المليارات إلى حيث ترقد في أمان؟ هل هناك مَن وَعَدَ بالحماية؟ وهل مَن وَعَدَ مصري أم من خارج مصر؟ وإن كان مَن وَعَدَ مصريًّا فهل يملك أحدٌ أن يتنازل عن دم غيره وعن مال كل المصريين وحقهم الطبيعي في القصاص عدلاً لا ظلمًا ولا عدوانًا؟ وإذا كان مَن وَعَدَ من خارج مصر فهل تقبل كرامتنا الوطنية ونحن- عدا فترة حكم المخلوع- دولة مستقلة ذات سيادة؟

 

السؤال الثاني: هل هناك صحة لما يتردد عن ضغوطٍ مُورست وتهديدات ذات طابع مالي من بعض حكام المنطقة مؤداها سحب استثمارات إذا قُدِّم مبارك إلى العدالة؟ وإذا كان هذا صحيحًا فهل هناك مَن ينصت لمثل هذا الهُراء؟ أليس من الأكرم لنا أن نعيش بإمكانياتنا والرءوس مرفوعة والقرار حر مهما كانت التضحيات، ومصر غنية بالرجال والمال لولا النهب المنظم للثروة ونزيف العقول والأيدي فرارًا من حكم الذئاب؟

 

وهل صحيح أن هناك تهديداتٍ بالتخلص من العمالة المصرية لدى المهددين حال محاكمة "كنز إسرائيل الإستراتيجي؟!"، علمًا بأن العمالة هي سواعد وعقول مصرية جرى استدعاؤها لا عطفًا ولا منةً بل لمصلحة مَن استدعوا ووفق حساباتهم ثم إن تلك العمالة لها وطن لو تخلَّص من اللصوص وزبانيتهم لصار جنة الله في أرضه؟

 

السؤال الثالث ونحتاج إجابة قاطعة بلا مراوغة: هل هناك ضغوط أمريكية وصهيونية لحماية الكنز من المحاكمة، خاصةً وقد أعلن كيري أن ثروة مبارك في أمريكا واحد وثلاثون مليارًا ثم صدر تصحيح عجيب إذْ قيل إنه قصد القذافي لا مبارك، وهو قولٌ لا يصدقه صبي مميز ويُمثل استخفافًا كاملاً بعقول المصريين؟ ونحن نعلم حالة الحسرة والكمد التي يعاني منها الصهاينة لطيران المخلوع من فوقِ الكرسي، ونذكر قول الأمريكان أن الرجل كان يُقدِّم ما يُطلب منه ويتنفل لهم بالمزيد، وهي نوافل من دمنا ومالنا وكرامتنا الوطنية وعلى حساب مستقبل الوطن، حتى إن مسئولاً أمريكيًّا صرَّح أنهم كانوا يخجلون من كرمه المبالغ فيه في الاستجابةِ لما يطلب، والمقابل المرجو أن يبقى جاثمًا على الصدور ثم يورث ولده رقابنا!

 

والسؤال الأخير وبصراحة ووضوح: هل هناك نية لتقديم مبارك ليد العدالة مع أسرته لِيُدان مَن يُدان ويُبرَّأ مَن يُبرَّأ أم أن الرهان على كسب الوقت حتى يخمد الناس وينسون الأمر؟!

 

إن الشواهد متضاربة المغزى والمعنى، فمثلاً صدر قرار المنع من السفر وهو قرارٌ يتوافق مع رغبة العائلة في البقاءِ في المنتجع الجميل، ومبارك نفسه أعلن الرغبة في البقاء فلا جديد إذن ولا جدوى لمجرد قرار المنع من السفر فهو- كأي مقدمة- لا يُفهم وحده بل في السياق الذي يليه، وقد تلاحقت شواهد مثيرة للارتباك كإحالة العادلي إلى محكمة الجنايات بتهمة قتل الأبرياء رغم ما تواتر وما هو بديهي أن قرار القتل لا يُتصور دون أمرٍ رئاسي، وربما جاز لي التطوع بفتوى قانونية أُقرع بها مسامع البعض ومؤداها أن الرئيس إن علم بنية رجال الشرطة إطلاق النار والتزم الصمت فهو مسئولٌ جنائيًّا قطعًا، ولكن حسب نيته فإن قصد قتل الناس فهو مسئولٌ عن قتل عمدي وإن لم يقصد فهو مسئولٌ عن قتل خطأ، وهي معلومات متاحة ميسورة لكل رجال القانون، فهل أمر مبارك بالقتل؟ هل علم وصمت؟ ولماذا لم يُحقق معه من الأصل ثم يُقال للذين استشهد بعض أهلهم ونحن كلنا أهلهم في الحقيقة أن دور مبارك كان كذا وكذا؟ لماذا لم يسأل؟ وهل يقبل الضمير العام في مصر أن تجري ملاحقة الفروع مع ترك الأصل؟

 

إنني- بالقطع واليقين- لا أحمل مشاعر شخصية لمبارك وأسرته إلا كما يحمل كل المصريين تجاهه، ولستُ معنيًّا بإدانته ولا براءته، وإنما أطالب على نحوٍ جازم- ولن أكفَّ بإذن الله- بالتحقيق مع مبارك وأسرته ومساءلة مَن يثبت بحقِّه ارتكاب أي جريمة كبُرت أو صغرت، ولا أطالب ولا أقبل أن يحاكم إلا أمام القضاء الطبيعي وبكل الضماناتِ التي تُتاح لكل المتهمين، نعم لا تعنيني الإدانة ولا البراءة، ولكن يعنيني ألا يستخف مخلوقٌ بعقلي وعقول أهلي، وأهم من ذلك لا أقبل إطلاقًا أن يذهب دم الشهداء وهو دم كل المصريين دون مساءلة، ولا أن تضيع الثروات في الخارج دون حساب.. لا بد من التحقيق وإذا كان هناك مَن يُراهن على النسيان وخداع الناس فهو إنما يخدع نفسه ولا يخدع سواها.

 

لقد قلت وقال غيري مرارًا لمبارك إن السيل آتٍ فلم يسمع، وأنا أقول لليوم لمَن بيده أمر مساءلة مبارك لا تراهنوا رهانًا خاسرًا ولو كان هناك مَن يُهدد مصر بشيء فدونه ما يقدر عليه، وإلا فالإفراج الفوري واجبٌ عن الجميع، ولتكن غابة لا دولة؛ لأنه يستحيل قبول تطبيق القانون على أحدٍ دون غيره كائنًا مَن كان!