أبو البراء- السعودية:
أنا ولله الحمد لدي ولدان؛ الأول ذو 5 سنوات ونصف، والثاني ذو 3 سنوات ونصف، وزوجتي حامل في الابن الثالث بإذن الله، إلا أن مشكلتي تكمن في تعلق ابنيَّ الشديد بأمهما، وخصوصًا عند النوم، فهل يوجد علاقة بين هذا التعلق والحمل؟، بمعنى أن الأطفال يعرفون أن هناك مولودًا في الطريق إن شاء الله، ولكم جزيل الشكر.
يجيب على الاستشارة الدكتور رشاد لاشين الاستشاري الاجتماعي في (إخوان أون لاين):
الأخ الفاضل أبو البراء بارك الله في زوجتك وأولادك، وأعانكم على حسن التربية والإعداد لأبنائكم وأبناء الإسلام.
تربية طفل مستقل متميز في شخصيته من أهم الأهداف التي يجب أن نسعى إليها؛ حتى يحقق هذا الطفل النجاح لنفسه ولأمته، وازدياد تعلق الطفل بالأم له مراحل طبيعية يبدأ مع نهاية السنة الأولى ويستمر إلى نهاية السنة الثانية، ثم يبدأ بالعودة إلى الارتباط الطبيعي غير الزائد ويمارس الاستقلال، ويعتبر التعلق الشديد الزائد بعد عمر العامين غير طبيعي.
وقد وضحنا تفاصيل المراحل الطبيعية لتعلق وارتباط الطفل بأمه في مقال سابق على موقعنا (إخوان أون لاين) بعنوان: (مراحل تطور الارتباط والانفصال عند الأطفال)، وبينَّا أن استقلال الطفل أو تعلقه الشديد يرتبط بطريقة تربيتنا لأبنائنا على الاستقلال، فالرعاية الزائدة وحرص الأم على التصاق ابنها بها وإحاطتها له بسياجٍ من الاهتمام الشديد والمتابعة الدائمة، بحيث لا تتركه ولا تسمح له بمغادرتها ولا تدربه على العلاقات الاجتماعية ولا تسمح له باللعب مع أقرانه أو الذهاب لأقاربه أو الخروج مع والده؛ يربي الطفل على دوام الالتصاق.
لذلك يجب أن تسعى الأم لفك الالتصاق، وتدريب الابن على ممارسة الاستقلال بذاته فتتركه يلعب مع أقرانه وتتابعه عن بعدٍ أو ترسله مع بعض أقاربه لفتراتٍ بسيطةٍ يمكن زيادتها تدريجيًّا، وكذلك تربيه على الاستقلال في كل شيء في الطعام وارتداء الملابس وقضاء الحاجة وكل الشئون، وكذلك يجب أن نهتم بدور الأب في التربية على الاستقلال بأن يصطحب الأولاد معه أثناء خروجه وزياراته ورحلاته؛ ما يساعد على فك الارتباك الشديد بالأم.
أما مسألة الارتباط الشديد عند النوم: فهذا أمر يحتاج إلى تدريب وهو أيضًا يرتبط بالمرحلة العمرية، وإن كان هناك تفاوت بين آراء المختصين في الوقت الذي يجب أن ينام فيه الطفل مستقلاًّ عن سرير والدته، فمنهم مَن يرى أن ذلك يجب أن يبدأ منذ البداية فينصحون بأن ينام الطفل حديث الولادة في سرير مستقل، ومنهم مَن يرى أن يبدأ ذلك بعد عمر الستة أشهر، ومنهم مَن ينصح بالبداية بعد سنة، ومنهم مَن ينصح بالبداية في عمر السنتين، وأنا أميل للرأي الأخير بأن يكون الفطام من حضن الأم مع الفطام من الرضاعة عند عمر السنتين.
والأمر يحتاج إلى تدرج وتأهيل بأن تذهب الأم مع طفلها إلى سريره وتحكي له قصة ما قبل النوم، وتجلس معه بعض الوقت، ولا بأسَ بأن يصطحب بعض ألعابه معه وأن يكون هناك حب وحزم في نفس الوقت، فإذا قررنا استقلال الطفل في حجرته الخاصة فلا نتراجع؛ حتى لو قام بالاحتجاج والبكاء ومارس ضغوطه فنعامله برفق ولين، ولكن بثبات واستقرار واستمرار في بقائه في حجرته، ولو قام من النوم وذهب إلى سرير والدته نحمله برفق ونذهب به إلى حجرته، ومع الاستمرار والثبات يتأقلم ويتكيف ويتقبل كما الأمر بالنسبة للرضاعة:
والنفس كالطفل إن تتركه شبَّ على حُبِّ الرضاع وإن تفطمه ينفطم
أما الضعف النفسي للأم وخوفها الشديد على طفلها؛ فيربي طفلاً لصيقًا بأمه؛ ضعيف الشخصية اعتماديًّا في سلوكه أو كما يُسميه البعض (ابن أمه).
فالأمر مرتبط بقدرتنا على تدريب الطفل على الاستقلال في سلوكه عمومًا، وفي نومه خصوصًا، وليس بقدوم المولود الجديد، وأما بالنسبة لتهيئة الطفل لاستقبال المولود الجديد فيحتاج إلى تدريبات عديدة، وقد قمنا بتوضيحها في مقالٍ سابقٍ على الموقع بعنوان (كيف نهيئ الطفل لاستقبال المولود الجديد).
ونحن في عصر استقلال الشعوب، هيا نحرر أبناءنا من الالتصاق والاعتمادية، ونربيهم على الاستقلال وقوة الشخصية؛ حتى يقودوا نهضة الأمة، ويعيدون مجدها من جديد، وفقكم الله تعالى لكل خير وبارك فيكم وفي أبنائكم، اللهم آمين.