حالةٌ من الارتباك تسود مصر بمثقفيها وإعلامها وأحزابها وقواها الوطنية وجماعاتها الإسلامية في ظلِّ مناخٍ تُسيطر عليه حكومة تحتاج وقت لتنفيذ المهام الموكولة لها وسلطة أعلى تختفي معظم الوقت فإذا ظهرت بدت باطشة حاسمة ولا تخجل من المراجعة أو الاعتذار والنفي والتحقيق!.

 

هل تصدير الحالة الإسلامية في الإعلام ممثلة في التيار السلفي والجهادي الذي لم يمارس عملاً سياسيًّا منذ بداياته، بل كان لا يؤمن به أصلاً! يمثل حالةً من تفزيع المجتمع المصري ليصب ذلك في خانة القوى السياسية القديمة والناشئة والأضعف في الشارع السياسي بحكم استسلامها لقوى القهر والتغييب الذي مارسه الحزب الوطني الفاسد أو بحكم حداثة النشأة بعد أحداث ثورة 25 يناير العظيمة؟

 

وهناك مثالان.. الأول: حديث الشيخ حسين يعقوب حول "غزوة الصناديق والبلد بلدنا" الذي طاف الدنيا ثم إذا به يقول "ده هزار ونتاج الفرحة!"، وهو ما لا يعرفه العمل العام والسياسي!
والثاني: وقعة تنفيذ الحد على مواطن مسيحي؛ لأنه يدير منزله للدعارة!

 

ومَن فوَّض هؤلاء عن المجتمع أو حتى عن الدين! تلك أفعال المراهقين وإن كبر سنهم وشابت لحاهم! لقد تخوفت وما زلتُ من أن كل ذلك مؤامرة للبدءِ في إقصاء الإسلاميين عن الساحة السياسية وقطف ثمار ثورة شارك فيها كل الشعب المصري، كلٌّ بنسبةِ وجوده في الشارع، لكنها ملك الشعب كله يجب أن يحصد ثمارها حرية وعدالة ومساواة وتكافؤ فرص وتمتع بخيرات مصر لا ينقص أحد عن أحد حبة خردل!.

 

إن استدراج مصر لحالةٍ من الجدل وإلقاء التهم وإشاعة شائعات تشوه وتنتقص من حقوق الآخرين دون ترك المجال لحوارٍ راقٍ صدعوا به أدمغتنا، وإيمان بحق الجميع في الحرية ما زالوا يلحوا عليه بلا أية مصداقية، والإصرار على إدارة صراعٍ وهمي حول "نعم" و"لا"، وقد أوضحنا مرارًا أنهما يؤديان لنفس الطريق والخلاف على التوقيتات! كل ذلك يؤدي إلى حالة من إشاعة الخوف في قلوب المصريين الذين بدءوا في المشاركة السياسة الجادة بعد طول غياب! فإذا ما اقترن ذلك بتكرار الحديث عن الثورة المضادة وتضخيم دورها ومؤامراتها فهذا يصيب شعبًا بأكمله بالدوار، فالكل يهاجم الكل! والكل يخاف من الكل! والكل يخشى المتربصين بالثورة.

 

فكيف تستمر هذه الروح الجبارة التي سرت في نفوس المصريين فاستردوا بها حقوقهم وأسقطوا بها أعتى الأنظمة التي لم يتوقع أحدٌ في الداخل والخارج أن يسقط بمثل هذه المظاهرات السلمية تأكيدًا أن الله هو الذي أسقط النظام، وأننا الآن بمثل هذا الأداء البائس نمنح الفرصة لكارهي الثورة والمتضررين منها بالوثوب عليها، وهو إن شاء الله ما لن يحدث ما بقي في عروق الأحرار قطرة دم، وفي صدورهم نفسٌ يتردد!

 

فلقد نلنا حريتنا بدماء الشهداء وإصابات المصابين وجهاد الأبطال، ولن نتنازل عنها مرة أخرى.. فانتبهوا أبناء مصر، ولا تمكنوا أحدًا من ثورتكم أو إخوانكم.. اللهم بلغت فاللهم فاشهد.

-----------

* g.hishmat@gmail.com