الهتاف في تاريخ الثورات له أثره البالغ في إذكائها وتنمية روح الثبات على المبادئ التي من أجلها قامت الثورة، وما أحسن الشعار الذي تناقلته الشعوب العربية في ثوراتها بدءًا من تونس مرورًا بمصر إلى ليبيا واليمن (الشعب يريد إسقاط النظام)، كان هذا الهتاف ينزل على مسامعنا له طرب من نوع خاص، وله حس موسيقي تنعم الآذان عند سماعه كأجمل مقطوعة موسيقية تسمعها أذن متشوقة للحرية ومتعطشة لنسيمها، واستمرت الهتافات على هذا النحو من الحس الراقي والمشاعر الفياضة إلى أن ظهرت في الأيام الأخيرة هتافات من نوعٍ آخر يشوبها الفعل لا الكلام تختلف في مضمونها عن الهتافات السابقة التي بها سقط النظام تُرى ما هذه الهتافات الجديدة؟ ومَن الهاتفون بها وترى ما هي دوافعهم؟؟؟

 

الهتاف الجديد الذي بدأ يظهر هو (البعض يريد إعادة النظام) هتاف بدأ يلوح في الأفق المصري لا يخرج من الأفواه ولا تردده الألسنة كسابقه بل تردده الأفعال دونما قصد من البعض، وبقصدٍ من آخرين، وأما من الهاتفون بهذا الهتاف الكريه إنهم قطعًا من لهم مصلحة في عودة الفاسدين إلى سدة الحكم مرةً أخرى، ولكن المفاجأة التي تذهل البعض أننا أحيانًا بأنفسنا نقوله وتردده أفعالنا دونما قصد، والسؤال كيف تردد أفعالنا هتافًا نحن له كارهون وعنه معرضون؟

 

ستكون الإجابة عن هذا التساؤل إذا بدت من أفعالنا أمور مثل:

أولاً: الاختلافات الطائفية والمذهبية التي تعصف بالبلد لو تملكت منها، خاصةً أن مصر ما زالت مستمرةً في فترة نقاهتها بعد عملية جراحية أجريت لها على يد شباب طاهر تعلم تطهير جراح الشعوب على أرقى مستوى عرفته الدول، ولكن ما السر في أن الاختلافات الطائفية هي أفعال تردد مثل هذا الهتاف؟؟

 

الإجابة عن هذا التساؤل سهلة للغاية لأن الاختلافات والفتن من شأنها أن تدعو إلى التذمر والتحزب فتنتج فرق متناحرة هدفها هدم أطراف أخرى خيل لها أنهم أعداؤها وتصبح الفوضى شعارًا منتشرًا بالبلاد فتعم التفجيرات والقتل بحجة الدفاع عن الدين والمقدسات والحماية من أعدائها والثأر لهدم كنيسة أو مسجد، وما حدث بأطفيح وما ثبت من تورط جهات مختلفة لها علاقتها بالنظام السابق لكي يدفع الناس إلى الترحم على النظام السابق، مرددين أنه كان أفضل لنا لأننا ما رأينا هذا الهرج والقتل أيام بقائه في السلطة.

 

أرأيتم كيف تكون أفعالنا مرددة لهذه الشعارات والمطلوب منا جميعًا هو نبذ الفرقة والتحزب، وأن نعمل جميعًا من أجل هدف واحد ألا وهو (نهضة مصر)، فهذا نداء لكل مسلمي ومسيحيي مصر أن يفهموا الدور المناط بهم في المرحلة القادمة، وهي مرحلة البناء، بناء أساسه الوحدة وبنيانه التكاتف وطلاؤه العمل الجاد، وما أروع المكالمة الهاتفية الهادئة الدافئة الذي دارت بين المرشد العام للإخوان المسلمين والبابا شنودة حول العمل لمستقبل مصر، ولهذا وجب علينا أن نتكاتف ونتعاون حتى لا تردد أفعالنا هتافًا كريهًا مثل (البعض يريد إعادة النظام).

 

ثانيًا: مباراة (نعم/ لا) مباراة دارت رحاها بين فريقين؛ فريق مؤيد للتعديلات الدستورية وينافح عنه رغبةً في الاستقرار العام لمصر بدلاً من حالة الفوضى المنتظرة، وهو يهدف إلى سرعة الانتهاء من حالة الجمود، والترقب السياسي للبلد حتى تسير مركبها إلى شاطئ الأمان فننعم جميعًا بعدالة اجتماعية حرمنا منها سنين طوال، أما الفريق الثاني، وهو الفريق المعارض للتعديلات، ويريد وضع دستور جديد حتى لا نرجع إلى دستور 1971م وتصبح هناك سلطات مطلقة لرئيس الجمهورية، وكانت نتيجة المباراة هو الموافقة على التعديلات الدستورية بنسبة تفوق الـ70% وانتهى الأمر، ولكن ما علاقة هذه المباراة بهتافنا الكريه موضوع المقالة؟

 

العلاقة قوية لأنه بعد انتهاء الاستفتاء وجدنا مَن يخرج علينا على القنوات الفضائية والجرائد ويكتب أو يخبر عن حدوث تجاوز للشرعية الدستورية وأن التزوير السابق ما زال قائمًا، وأنه كانت هناك شعارات دينية ترفع لفريق نعم، وبدا التطاول.. أحبابي أعضاء الفريقين أود أن أخبركم أن المجتمعات الراقية تحترم آراء بعضها البعض، وتحترم الكلمة النهائية للشعوب وما أظن للحظة واحدة أنكم أقل رقي من أي دولة موجودة لأنكم أثبتم للعالم أجمع بثورتكم المباركة.

 

كيف يكون التحضر في المطالبة بالحقوق وأنكم أعلى شعوب العالم تحضرًا حتى شهد لكم العالم بأسره، وأخبر مثقفو الدول الغربية أن ثورتكم ستدرس لأبنائهم، فعجبًا لكم، العالم وقف مشدوهًا بثورتكم، أما الآن نختلف على نتائج اختارتها الجموع، فلا تنسوا الفضل بينكم وأنكم وقفتم كجسدٍ متماسكٍ في ميدان التحرير هدفكم كان واحدًا، وقدمتم لجنَّةِ ربكم الكثير من الشهداء فكيف ترجعون إلى الوراء بعد أن وحدتكم ثورتكم؟ فعليكم أن تقبلوا آراء بعض، وأن تتعاونوا على المتفق عليه وتنبذوا الفرقة، وتقبلوا النتائج أيًّا كانت، فأنتم في الأصل فريق واحد ولُحمة واحدة وجسد واحد أما إذا رضينا بالفرقة والتحزب للآراء وعدم قبول الرأي الآخر فبالفعل أفعالنا تردد هتافًا كريهًا مثل (البعض يريد إعادة النظام).

 

أما عن دوافع الهاتفين بمثل هذا الشعار الكريه فنجد أنهم مدفوعون لترديد هذا الهتاف دونما قصدٍ من خلال إذكاء المغرضين والعابثين بالأمن الحقيقي لمصر الذين ظهرت نياتهم من خلال مواقف عديدة بينتها الأيام وأظهرتها الحقائق والأحداث فحتى لا نكون جنودًا تحركهم أيدي خبيثة علينا أن نعلن موقفًا واحدًا، وأن يعذر أحدنا أخاه، وأن نتقبَّل كل نصحٍ مصحوب بنوايا طيبة لخير وطننا.

 

أعاننا الله على فهم دورنا ورفعة بلادنا، وأذكركم بقول الله تعالى ﴿وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (73)﴾ (الأنفال) صدق الله العظيم.