الكون مملكة الله، الكون كله، الكون البشري، والكون الأرضي، والكون السماوي، والكون الفضائي، ما علمنا من الأكوان وما لم نعلم: ﴿لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ (البقرة: من الآية 284)، ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ (آل عمران: من الآية 26).

 

هذه المملكة الكونية يحرِّكها الله كيف يشاء، وحسبما يريد، يحرِّكها بعلم وحكمة، هذه المملكة يثور فيها البشر- وهو مشاهد الآن- ويثور باطن الأرض، ويثور البحر، لتحقيق مرادات لله في خلقه، في عالم البشر يثور المظلومون على الظالمين، ويثور باطن الأرض، فتخرق حمم البراكين سطح الأرض، وتندفع إلى ظاهرها لتشكل واقعًا جديدًا! أو يثور باطن الأرض بحركة تهز ظاهرها هزًّا عنيفًا فتهدم الزلازل بنيان البشر، لتتشكل أبنية جديدة.

 

تثور البحار فتُغرق، وتدمر عمرانًا قائمًا على الظلم والطغيان، وربما رضي المغرقون بالخنوع والخضوع للظلم، وربما كانوا صالحين في أنفسهم، منطوين على ذواتهم! ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ (القصص: من الآية 59).

 

تثور البحار مثلما ثار المحيط الهادي الآن! ومثلما ثارت محيطات أخرى سابقًا! وقد أغرق البحر ولايات أمريكية لم تعمر حتى الآن! وأغرق الساحل الآسيوي سابقًا! ومثلما هو الحال الآن في اليابان!

 

ثورات البحار، ومياهها الهادئة، تتحول إلى هادرة ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ (الأحقاف: من الآية 25)، حتى إنها لتبتلع قطارًا في اليابان بركابه! وتقذف المياه الهادرة بسفينة من البحر بعيدًا عن البر! المياه التي كانت هادئة صارت هادرة بما يسمى (تسونامي)! تقذف بكل شيء أمامها مهما كان وزنه أو حجمه! حقًّا إنها مملكة الله، يفعل في مملكته ما يشاء ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللّهُ وَلكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (النحل: من الآية 33).

 

كن أداة في يد القدرة الإلهية:

يفعل الله في مملكته ما يشاء بعزة وقوة وقهر، بل بعلم وحكمة وعدل، وتثور المزن- السحب الممطرة- فتصب الماء صبًّا في بلدان أوروبية وآسيوية، وقريبًا في باكستان، وأستراليا، ونيوزيلاندا، وبلدان أوروبية، ناهيكم عن ثورات الغابات بالحرائق المشتعلة؛ حيث لم تستطع وسائل الإطفاء البرية أو الجوية السيطرة عليها، حتى بلغت مداها أيضًا في أمريكا وبلدان أوروبا وغيرها... وهنا أقول ما يجب على المؤمنين:

 

- لنكن أدوات صالحة في يد القدرة الإلهية، لنكن أدوات يحرِّكها الله، فيصلح بها البلاد والعباد ﴿رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (البينة: من الآية 8)، لا أن نكون أدوات يحركها الله فيبعدها ويدمرها ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ (محمد: من الآية 38).

- أن نبقى في يد القدرة الإلهية بمعنى البقاء بالإصغاء لكلماته: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (204)﴾ (الأعراف).

"خيركم من تعلم القرآن وعلمه" (متفق عليه)، طبعًا ليس قرآن المقابر، وليس قرآن العزاءات، وليس قرآن المتسولين، إنما قرآن يُسَطّر معانيه في ظلال وارفة، أو يَصدَع بها بكلمات نافذة، أمثال سيد قطب، والشعراوي.

- البقاء في يد القدرة الإلهية إيمانًا عمليًّا بالأقدار، الأقدار التي نشاهدها ونطالعها بالبصر والبصيرة، الأقدار التي تمضي بالأحداث إلى الخير: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (آل عمران: من الآية 26).

 

خليفة الله:

آدم أبو البشر، النبي الخليفة عن الله في الأرض بالرسالة الإلهية، ثم أبناء آدم من بعده، هم الخلفاء الحقيقيون الصالحون عن الله في الأرض، وليس الفاسدون المنازعون لله سلطانه على خلقه... هؤلاء الصالحون هم خلفاء الله في الأرض ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة: من الآية 30)، ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (105) إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ (106) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ (107)﴾ (الأنبياء).

 

ليس لينين، ولا ستالين، ولا ماوتس تونج، ولا هتلر، ولا بوش- الأب أو الابن- وليس فلاسفة أثينا، أو فلاسفة الشرق أو الغرب، ليس هؤلاء أو غيرهم خلفاء عن الله... إنهم المغتصبون لسلطان الله على البشر، وآن الأوان ليعود سلطان الله على البشر بشريعته ﴿قَالَ رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (112)﴾ (الأنبياء).

 

فما حكايات هؤلاء؟

قال صاحبي: فما حكايات المغول والتتار؟

وما حكايات الصليبيين؟

وما حكايات الاحتلال الصليبي والوثني العلماني لبلدان المسلمين؟

قلت لصاحبي: إنها صناعات إلهية؛ لخلق سنة الدفع بين الخير والشر، والصلاح والفساد ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾ (البقرة: من الآية 251).

 

يا صاحبي:

- بسنّة الدفع نهض المسلمون فقضوا على التتار، ثم أدخلوهم في الإسلام..

- بسنّة الدفع نهض المسلمون فقضوا على الولايات الصليبية في الشام، وحرروا مصر- المنصورة- ثم مضوا لتحرير القدس والأقصى!.

- وبسنّة الدفع نهضت الشعوب الإسلامية، فتحررت من الاحتلال الاستخرابي الصليبي والوثني العلماني للبلدان الإسلامية- وإن تأخر التحرر التشريعي بفعل الذيول التي تسلمت مقاليد الحكم بغير إرادة الشعوب الإسلامية، وبمثل تزويرات الحكم في مصر- وقد آن الأوان للتحرر من الوثنية العلمانية التي سرقت المسلمين من كنف الله، ورمت بهم في مهاوي المهالك التي نتردّى فيها الآن.

 

لقد آن الأوان لتعود الشعوب الإسلامية إلى الله (دينًا ودنيا)، وآن الأوان ليحتضن المسلمون في بلدانهم أتباع الديانات الأخرى بالعدل والبر والرحمة، أقول ذلك جازمًا (عين اليقين)؛ لسببين ظاهرَين لا يختلف عليهما اثنان، وهما:

 

* سقوط الشيوعية الشرقية بقيادتها السوفيتية.

* وسقوط الليبرالية العلمانية الرأسمالية الموصوفة زورًا بالديمقراطية، بانهيارات البنوك والشركات في الغرب، وباختصار انهيار نظام الربا العالمي.

 

فلم يبق سوى العودة إلى مملكة الله.