قبل الاستفتاء على التعديلات الدستورية وصلتني رسالة على الهاتف المحمول تقول: "نعم للتعديلات الدستورية.. موعدنا 19 مارس.. يدًا بيد نبني مصر.. الإخوان المسلمون"، وفي الشارع أعطاني أحد الشباب نسخة من مطوية تحمل توقيع الإخوان المسلمين، تتكون عند طيها من ست صفحات، أربع منها للتعريف بالمواد التي تشملها التعديلات الدستورية، وصفحة غلاف يقول: "نعم للتعديلات الدستورية"، وصفحة فيها ذكر لبعض مميزات التصويت بـ"نعم".
وفي الشارع أيضًا قرأت لافتةً تحمل توقيع الإخوان، لم يختلف مضمونها عما سبق.
وقرأت مقالاتٍ كتبها بعض رموز الإخوان، وسمعت تصريحاتهم، وتناقشت معهم، فلم أقرأ أو أسمع أو ألمس ما يشير إلى أدنى اتجاه للربط بين التصويت بـ"نعم" وطاعة الله أو دخول الجنة، أو التخويف من التصويت بـ"لا"؛ لأن ذلك يجلب معصية الله أو يؤدي إلى دخول النار.
فرسالة الإخوان كانت واضحةً وصريحةً، وهي الدعوة إلى الإيجابية والمشاركة، دون إخفاء رأي الإخوان بالموافقة على التعديلات، ولكن دون إلزام الآخرين به.
يقول واحد من الإخوان المسلمين إنه تناقش مع زوجته بشأن التعديلات الدستورية وشرح لها وجهة نظره التي تؤيد التعديلات، لكنها لم تقتنع بها،؛ لكثرة ما سمعت على الفضائيات ممن قالوا "لا"، فقال لها: لقد شرحت وجهة نظري ولكِ حرية الاختيار.. وفي يوم الاستفتاء أخذها معه للجنة التصويت ولم يسألها ماذا ستكتب في الورقة، كما لم يسألها بعد التصويت، ولم يعرف رأيها إلا في اليوم التالي بعد أن تحدثت من تلقاء نفسها وقالت إنها صوتت بـ"نعم".
ويقول آخر من الإخوان المسلمين أيضًا إنه سأل ابنه الشاب بعد التصويت وليس قبله: ماذا قلت؟! فردَّ الابن: هذا رأيي الشخصي, فقال الأب: معك حق.
أذكر هذه النماذج الواقعية، وأنا أسمع وأقرأ- مندهشًا- حجم التعليقات التي حاولت تفسير القبول الشعبي الكبير للتعديلات الدستورية، سواء قبل التصويت أو بعده، وتركَّزت على أن الإخوان قاموا بحملة "ترويع" للمشاركين في الاستفتاء، مستخدمين سلاح الدين لإلزام الناس بالتصويت لصالح التعديلات الدستورية، وزاد البعض فادَّعى أن الإخوان وزَّعوا أمام لجان الاستفتاء شنط مواد غذائية!!، وهي كذبة ساذجة لا تقلُّ في سخافتها عن الادِّعاءات الكاذبة التي تردَّدت عن وجبات "كنتاكي" التي أكلها الثوار في ميدان التحرير!!.
ويبدو أن مناخ الحرية الذي تعيشه البلاد جعل البعض يمارس حرية القول دون أن يسأل نفسه إن كان هذا الذي يقول حقيقةً أم غير ذلك، ودون أن يتذكَّر أنه مسئول عن كل كلمة يقولها أو يكتبها.
منهم من يقول ذلك وهو يعلم أنه غير صادق، ولكنها الخصومة، ومنهم من يردد كلام الآخرين دون تحقُّق أو تمحيص، ومنهم من وصلته صورة مشوَّهة عن الإخوان، وقد يغيِّر رأيه لو تمَّ تصحيح الصورة، ومنهم من لا يعرف الفرق بين الإخوان وغيرهم من التيارات الإسلامية، ومنهم من يتخذ "الإخوان" اسمًا لكل ما هو إسلامي، وقد سمعت سيدةً قالت حين رأت تجمعًا للإخوة السلفيين في أحد مؤتمراتهم: "دول إخوان.. أصلهم واخدين فلوس".. هكذا أطلقت حكمها تصنيفًا وتحديدًا للغرض من الاجتماع دون أدنى مراجعة للنفس، ولم يزد زوجها الذي سمعها على أن قال "وإحنا مالنا"!!.
ومما ابتلي به خطابنا نحن المصريين أن أحكامنا على الأشياء أصبحت مطلقة وحادة وحدية أو طرفية؛ إما أبيض أو أسود؛ فإذا أفصح أحد خطباء المساجد عن رأيه في الاستفتاء اعتبر البعض أن كل خطباء المساجد في كل أنحاء مصر قد فعلوا مثله، ومن لا يؤيد الإخوان يقول إن المصريين كلهم ضد الإخوان، ومن رأى لافتة للإخوان يحكم بأن الإخوان "مغرقين البلد باللافتات"، وكل من جاءت نتيجة الاستفتاء على غير رغبته أطلق لعواطفه العنان، فيقول أحدهم: هذه أول وآخر مرة أشارك فيها في التصويت, وكأن التصويت لا يعني سوى الموافقة، ومن قائل إن الاستفتاء تم تزويره، ومن قائل إن الجيش والقضاء عملا لصالح الإخوان، وإذا استقطب الإخوان تأييدًا شعبيًّا، فهو يرى أن أولئك الناخبين مجموعة من السذج الجهلة ضحك عليهم الإخوان، أو أغروهم بالمساعدات.
يُقال إن من يضيِّع الوقت في الهجوم على منافسيه يكون نصيبه الفشل، وهو يقوم بدعاية مجانية لخصمه، وهكذا فإن من حاولوا الدعاية ضد الإخوان، كانت نتيجة عملهم أن قاموا بالدعاية للإخوان وأسهموا في تأييد الناس لهم.
حدث هذا قبل الثورة.. ويتكرر بعدها.
----------