صباح مشمس.. جو هادئ ولطيف وزحام غير معطل وأسر كاملة تسير في الشوارع، لا لتذهب إلى الحدائق والمنتزهات أو لتزور الأهل والأحباب.. بل خرجت الأسرة- حتى من الصغار الذين ليس لهم حق التصويت- لتذهب إلى لجان الاستفتاء ولتقف في طابور طويل، اعتادوا سابقًا أن يقفوا فيه رغمًا عنهم؛ ليفعلوا شيئًا واحدًا فقط دون ضيق من الزحام أو الانتظار الطويل، رغم أن ما سيفعلونه لن يستغرق منهم إلا دقيقة واحدة، ولكنها دقيقة لا تقدر بثمن؛ لأنه يتصرف فيها بحرية ويختار بحرية ويباشر ويمارس حقًّا من حقوقه بحرية، وما أحلى طعم الحرية.

 

منظومة عجيبة، زحام شديد ونظام فريد وتعاون مذهل بين الجميع ناخبين وقضاة وقوات مسلحة وشرطة، نعم شرطة والذي قال فيها البعض إنها المرة الأولى التي تقف فيها على الحياد الحقيقي، وقال بعض آخر إنها انحازت للمرة الأولى في تاريخها من أيام مبارك؛ لتكون بجانب الحق وتخدم الشعب وتسهل عليه قيامه بدوره ومباشرة حقوقه، بل وترشده وتؤمِّنه وتحافظ على حقه.

 

يستوقفك هذا الرجل الطاعن في السن الذي يستند على عصا ويتحرك بصعوبة ولكنه عازم على الإدلاء بصوته، وتحار أكثر عندما تقف معه وتتحدث، فتجد أنها المرة الأولى له منذ 50 عامًا الذي ينزل ليشارك فيها في أي عملية تصويتية، يستوقفك إقبال إخواننا المرضى وأصحاب العذر من المكفوفين والصم والبكم وأصحاب الكراسي المتحركة على الذهاب لممارسة حقوقهم.

 

يستوقفك الشباب الذي ظن الكثير أنه ميت لا محالة، والذي كان منذ شهرين لا أكثر لا يتحدث سوى عن الكرة والفن والحب، يدهشك بحماسته ودفاعه عن وجهة نظره في اختياره أي من الخيارين، تجده يستشهد بقول السياسي الذي قرأه على موقعه أو بمقال الدكتور الذي قرأه بعموده في الجريدة، تجده تحوَّل 180 درجة للأفضل.

 

تعجب وأنت تتجول في أي مكان في مصر كلها، ولكني أنقل لكم الصورة من السويس..
نعم.. تعجب.. يا الله!!، السويس التي كان مرشح مجلس الشعب فيها يدخل المجلس باكتساح الأصوات وهو الذي حصل على 1000 صوت فقط (فترة التسعينيات) وفي عام 2005 م نجح المرشحون بعد حصولهم وباكتساح على 10000 صوت، وفي عام 2011 م يشارك في الاستفتاء 172 ألف ناخب.. ما هذا التحول، ما سببه؟

 

ببساطة وبدون بحث وتنظير.. اسأل نفسك: هل تذهب دماء الشهداء هذه هدرًا؟ بالطبع لا هذه الدماء الذكية التي كانت أكثرنا انتماءً لمصر- من وجهة نظري أكثرنا حبًّا لمصر هم من اختارهم الله شهداء- هذه الدماء التي سالت من أجل تحرير مصر لم تقع فقط على ترابها الذكي، بل خرجت من أجساد الشهداء لتسير في عروق كل مصري فتنقل له على الفور هذا الشعور القوي بالانتماء؛ ما دفع العديد من أبناء هذا الوطن إلى النزول للتعبير عن رأيهم، سواء بالرفض أو الإيجاب.

 

هذا اليوم هو مصر الفعلية التي شوَّهها النظام السابق بكل ما أوتي من قوة، ولكن في النهاية لم يكن يشوِّه إلا نفسه، وبفضل الله بقي العشب الأصيل يحتفظ بمقوماته الفريدة وبقيت مصر شامخةً تحتفظ بأصالتها.

 

بحق إنه يوم عيد.. فهل يتم ضمه إلى قائمة الأعياد المصرية الطويلة؟!