لقد مر يوم السبت 19 من مارس 2011م على مصر كأروع يوم في تاريخها لتميز العرس الديمقراطي غير المسبوق في الإقبال الشعبي الكبير على الإدلاء بالصوت في الاستفتاء على التعديلات الدستورية، في أول تجربة ديمقراطية بعد ثورة 25 يناير المجيدة.

 

ولقد أفرزت هذه التجربة الفريدة تغييرًا حقيقيًّا في مزاج وسلوك الشعب المصري الذي ما فتئ أن تخلَّص من الكبت والقهر والظلم في عهد الطاغية حسني مبارك، حتى انطلق بقوة نحو الحرية والعدالة والنهضة، وهو يسير على الطريق الصحيح لبناء مصر الحرة، ولقد انتهت نتيجة الاستفتاء فأفرزت خاسرين وفائزين.

 

الخاسرون ليسوا هم من قالوا "لا"، ولكنهم إفراز نكد لنتيجة الشحناء والبغضاء والتلبس:

1- كل من أسهم في تأجيج مشاعر الشعب المصري واللعب على عواطفه ودغدغة مشاعره، وإجباره على التصويت في اتجاه معين بأساليب رخيصة وتوظيف الإعلام المقروء والمسموع والمرئي لذلك، وهنا ملاحظة مهمة، أن لكل إنسان أو كيان أو حزب الحرية الكاملة في دعوة الشعب المصري للتصويت بـ"نعم" أو "لا"، ولكن في حدود الاختلاف الطبيعي وليس بالتخوين والتأثيم والتجييش وكأنها معركة حياة أو موت.

 

2- فلول الحزب الوطني التي صوَّتت أغلبيتها بـ"لا"، وليس كما تمَّ تصويره في وسائل الإعلام أنهم سيصوِّتون بـ"نعم"، وكان القصد الوقيعة بتيار سياسي معين، ووضعه في خانة واحدة مع هذه الفلول الجريحة التي تحاول الانقضاض على الثورة أو الالتفاف حولها، وقام الإعلام بتصوير ذلك بدون مراعاة للمهنية وميثاق الشرف الصحفي.

 

3- كل من حاول أن يصطاد في الماء العكر ويصوِّت بـ"لاً عنادًا واستكبارًا؛ بسبب تصويت تيار معين بـ"نعم" ولم يراعِ الضمير الوطني ولا نظرة على مستقبل البلد المهدد.

 

4- كل من زعم أن التصويت بـ"نعم" هو خيانة لدماء الشهداء وانقضاض على الثورة.

 

5- كل من زعم أن التصويت بـ"نعم" هو واجب شرعي بحسن نيه أو سوء نية؛ لأن معنى الذين يصوِّتون بـ"لا" يأثمون بخروجهم عن هذا الواجب الشرعي، والمسألة لا تعدو سوى اختلاف في الرأي، وهو من المباح، وليس في حدود الحلال والحرام.

 

6- الذين راهنوا على أنها معركة بين القوى السياسية الناهضة والقوى السياسية المتجذره ونتيجة المعركه لديهم في حالة انتصار "لا" هي بروز التيار الثوري، وخفوت التيار الأصيل.

 

7- كل من لا يحترم نتيجة الاستفتاء، ويحاول ويناور للالتفاف على خيار الشعب المصري وتأجيج المشاعر والتهديد والوعيد

 

8- الذين لم يخرجوا للإدلاء بأصواتهم من غير عذر مقبول؛ لأنهم أسهموا في التقليل من نسب التصويت العالية، رغم التسهيلات الكبيرة بالتصويت ببطاقة الرقم القومي.

 

أما الفائزون فهم:

1- الشعب المصري العظيم بكل أطيافه شبابًا وشيوخًا ونساءً، وبمسلميه ومسيحييه؛ الذي خرج عن بكرة أبيه يوم الاستفتاء؛ ليعبِّر عن رأيه ويصنع مستقبله، بغضِّ النظر عن رأيه بـ"نعم" أو "لا".

 

2- الشعب المصري الذي اصطف طوابير طويلة جدًّا أمام لجان الاقتراع نساءً ورجالاً، من دون ضجر أو قلق أو تعب، وبحب وشغف؛ ليصنع الديمقراطية وليس أمام طوابير للحصول على رغيف الخبز أو أنبوبة الغاز أو فراخ الجمعية.

 

3- الذين قالوا "لا" من باب الغيرة على مصلحة الوطن واستمرار الثورة، سواء أخطئوا أو أصابوا، وقبلوا الرأي الآخر ولم يخوِّنوا أو يؤثموا أو يؤجِّجوا المشاعر ويصنعوا الفتنة.

 

4- القوات المسلحة المصرية الباسلة وقوات الشرطة والوزارة المحترمة بقيادة الدكتور عصام شرف؛ الذين وقفوا جميعًا على الحياد، ولم يتدخلوا في سير العملية الديمقراطية.

 

5- القضاة الشرفاء الذين صنعوا المجد بالأداء المتميز والشفافية العالية، وأخرجوا استفتاءً هو الأكثر شفافيةً ومصداقيةً في تاريخ مصر.

 

6- كل وسائل الإعلام التي وقفت على الحياد وهي قليلة ولم تقع في فخ التوجيه أو التضليل.

 

أنا لست قلقًا من التجييش الإعلامي والمجتمعي والدعائي؛ الذي حدث قبل يوم الاستفتاء حتى ظهر كيوم معركة؛ لأن ذلك يعدُّ طبيعيًّا في شعب يتحول إلى الديمقراطية بعد كبت واستبداد وفساد استمر ستة عقود.

 

وبعدها ستكون استراحة، والتقاط الأنفاس، وليعلم كل مواطن أين أخطأ وأين أصاب، ويقيم ويجرب وينجح ويفشل؛ حتى يتبين له الخيط الأبيض من الخيط الأسود في فجر الوطن.