في ثورة الشعب المصري الظافرة يناير 2011م سقطت فزَّاعة الإسلاميين التي رفعها الغرب الاستعماري وأنصاره من الحكام العرب والنخب الثقافية المحلية؛ التي لا تؤمن عمليًّا بالإسلام، وإن كانت تتسمَّى بأسماء المسلمين.
جاور الفرقاء المختلفون بعضهم بعضًا في ميدان التحرير، الماركسي والعلماني، الأزهري والإخواني والسني والسلفي، المثقف والعامل والأمي، المسلم والنصراني، الصعيدي والبحيري والشرقاوي والفيومي، الرجال والنساء والأطفال.. لم تكن هناك فروق أو حساسيات تمنع التقارب بين أفراد الشعب المصري الذين خرجوا لإسقاط النظام الفرعوني الظالم الذي أذلَّ العباد وهزم البلاد!.
كان المصريون يدًا واحدةً، سهروا الليل تحت البرد والمطر معًا، ضحكوا معًا، وحزنوا على الشهداء معًا، وصلَّوا في الميدان جماعةً، وعاشوا الوحدة في ظل التنوُّع معًا، وتحقَّقت أمنيتهم في الحادي عشر من فبراير معًا، وسقط النظام، وتمَّ حلُّ الحكومة ومجلسي الشعب والشورى، وأُلغي جهاز الرعب والترويع، وتهاوَى رموز الفساد والإرهاب الحكومي جماعاتٍ ووحدانًا، وشرفوا سجن طره بالحق، بعد أن حشروا فيه الأبرياء بالباطل.
في خلال هذه الفترة لم يكن الإسلاميون بعبعًا مخيفًا، ولم يكن الإسلام يمثل فزاعةً مخيفةً لهذا الطرف أو ذاك، حتى الغرب الاستعماري الصليبي الذي طالما صوَّر الإسلام تصويرًا مرعبًا مخيفًا، وسمَّاه تارةً بالإرهاب، وأخرى بالتطرف، وثالثةً بالأصولية؛ لم يستطع أن يجد ثغرةً يتسلل منها إلى الثورة أو الإسلاميين، وقد رأى العالم كله كيف أبلى الشباب الإسلامي بلاءً حسنًا وهو يدافع عن الثورة والثوار في ميدان التحرير وميدان عبد المنعم رياض، بعد أن تقدَّمت جحافل الغزاة في موقعة "الجمل" الشهيرة مسلَّحةً بالسنج والسيوف والمطاوي والحجارة والسياط؛ لقهر الثوار، والقضاء على الثورة، ولكنَّ بسالة الشباب الإسلامي ردَّت الغزاة على أعقابهم وشجَّعت بقية الثوار على مطاردتهم وهزيمتهم.
فجأةً انقلب هذا الموقف الموحّد الرائع الذي بهر الدنيا وعبَّر عن التسامح والتحضر؛ لنجد كلامًا رخيصًا يدَّعي أن الإسلاميين أنزلوا شابًّا من فوق المنصة في ميدان التحرير بعد صلاة جمعة النصر، وأن الشيخ القرضاوي يمثل دور الخميني الذي عاد إلى البلاد بعد نجاح الثورة، وأن الإسلاميين يخطفون الثورة، وأن ما يسمَّى "الدولة الدينية" قادمة.. ثم تبدأ حملات رخيصة لتشويه صورة المستشار الجليل طارق البشري ولجنة تعديل الدستور واتهامها بالأصولية والرجعية والعمل على تقنين الدولة الدينية، وترتفع أصوات منكرة لتغيير المادة الثانية من الدستور؛ بحجة إقامة الدولة المدنية وما يسمَّى "المواطنة"، ثم يبدأ لغط غريب لدعوة الناس إلى رفض التعديلات الدستورية، واتهامها بأنها ترقيعٌ لدستور فاسد، وأنها تهيِّئ لسيطرة الحزب الوطني والإخوان على مجلس الشعب، ثم صراخ وعويل؛ لأن التلفزيون المصري استضاف بعض الإسلاميين المفرج عنهم في قضايا سياسية، مع التنادي لمواجهة الخطر الإسلامي القادم بتأجيل الاستفتاء، وضرورة وضع دستور جديد في الحال، وتمديد الفترة الانتقالية حتى يتمَّ إنجاز هذا الدستور، واتهام الموافقين على التعديلات بالخيانة وموالاة النظام البائد والتحالف مع الحزب الوطني.. إلى غير ذلك من اتهامات وادعاءات!.
ثم كان استغلال أيام ما قبل الاستفتاء على التعديلات الدستورية في التشهير بالحركة الإسلامية، والتركيز على الاستقطاب الطائفي، وشحن الأقلية ضد الأغلبية، والتخويف من مشاركة الإسلاميين في الانتخابات، والتحريض السافر على المادة الثانية من الدستور؛ التي تعني إسلامية الدولة وعروبتها، وللأسف الشديد فقد قام اليساريون بقيادة الحملة ضد الإسلام ورفع الفزَّاعة الإسلامية لإخافة الناس، وتحقيق الحلم اليساري الشرير باستمرار الوضع الاستثنائي الذي يوافق هواهم ومصالحهم، ويعوِّض قصورهم السياسي وعدم وجود قاعدة شعبية لهم، وقد تأملت صفحة جريدة يسارية على الشاشة الضوئية، فوجدت عناوينها تنضح بملامح هذه الحملة وذلك الحلم الشرير، ولنقرأ معًا بعض هذه العناوين يوم إجراء الاستفتاء 19/3/2011م:
((حشود من الطبقة الوسطى في اللجان.. و"نعم" السلفيين من أجل المادة الثانية.. و"لا" الأقباط لـ"منع صعود تيارات دينية"- إقبال شديد في شبرا الخيمة وأصحاب اللحى: الستات العريانين والعلمانيين وبتوع الوطني بيقولوا "لا" للمادة الثانية- طوابير على أبواب اللجان في الإسكندرية.. وسلفيون يكفِّرون من يدعو للتصويت بـ"لا"- إقبال شديد على لجان الاستفتاء بالفيوم.. وتحالف للوطني والإخوان والسلفيين يدعو للتصويت بـ"نعم"- عبود الزمر لـ"رويترز": عصر الاحتكام إلى السلاح ولَّى في مصر الحرة- 58% من قراء الـ... يرفضون التعديلات الدستورية... و41% يوافقون- 50 مثقفًا بينهم.. و.. و.. و.. يرفضون التعديلات الدستورية..)).
يجب أن نعود إلى روح ميدان التحرير، وأن نتقبَّل أصول المباراة الديمقراطية، وأن تحترم الأغلبية رأي الأقلية، وأن لا تصادر الأقلية قرار الأغلبية، وأن تتخلَّى عن الإقصاء والاستئصال، فالتوافق والتفاهم أكثر جدوى، وأفضل ربحًا.