تأسرك أحاديث شباب الثورة المصرية وهم يحدثونك عن ثورتهم، على الأرض لا يبدو أن الثورة قد انتهت بسقوط نظام مبارك، ثمَّة من يُذَكِّرُك بأن حدثًا مهمًّا قد تحقق؛ تسير في شوارع القاهرة لتجد الناس غير الناس، والوجوه غير الوجوه، هم مستعدون لجولة جديدة من الثورات والتضحيات، بل وعازمون على المضي قدمًا في تحقيق كامل مطالب حريتهم؛ حتى لو دفع البعض منهم حياته ثمنًا لذلك.

 

ما ميز يوميات الثورة المصرية خروجها عن المألوف، حملوا شعارات "العيش بحرية وعدالة وكرامة إنسانية"، فكانت مطالب جامعة لكلِّ أطياف الشعب المصري، في ميدان التحرير الكل سواء، تكافل اجتماعي فريد، وتسامح ليس له حدود، وقبول للآخر مهما كان انتماؤه الفكري والطبقي والديني, هي معادلة لم يجد لها المصريون تفسيرًا.

 

بسرعةٍ عجيبة انتقلت سيطرة شباب الثورة من على مواقع التواصل الاجتماعي كـ"الفيس بوك" و"تويتر"، إلى سيطرةٍ شبه كاملةٍ على كلِّ ميادين وشوارع مصر، لم يحفظوا الدرس جيدًا، فهم تعلموا منذ كانوا صغارًا في مناهجهم الدراسية أن الحزب الوطني هو المنقذ الحقيقي للشعب المصري!، كانت إجابتهم خاطئة، فالثورة لم تستهدف حين اشتعلت شرارتها سوى الحزب الوطني ذاته، فسقطوا بالاختبار لتحيا مصر.

 

تحول ميدان التحرير إلى جمهورية صغيرة، فالدخول إليه بات يحتاج إلى موافقةٍ مسبقة، ولا يتم إلا بالبطاقات الشخصية، أما أطرافه فقد تحولت هي الأخرى إلى مركزٍ للتسوق تباع فيه الملابس والأغطية والطعام والشراب، وفي الميدان انصهرت كل الأحزاب والتجمعات من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين في بوتقةٍ واحدة حملت شعار: "الشعب يريد إسقاط النظام".

 

مع الأيام تحولت الثورة من الميادين إلى كل بيت مصري، وبدأت الناس من منازلها المحيطة بميدان التحرير بعد حصاره من "البلطجية" تُلقي للمحتشدين الطعام وأدوات الإسعافات الأولية، وبزجاجات المياه المعدنية ليشربوا، ولم يفرق هؤلاء بين مسلمٍ ومسيحي فالكل في الهمِّ واحد.

 

في مرحلة عضِّ الأصابع ما بين النظام والشعب، رجَّح جهاز أمن الدولة- الذي أرهب المصريين على مدار العقود الثلاثة الماضية- الكفة لمصلحة الشعب، كان الهدف من إنشائه المحافظة على النظام بكلِّ السبل، والنتيجة أن الجهاز هو الذي أسقط النظام بالضربة القاضية حين استعان بالبلطجية في موقعة "الجمال والبغال" الشهيرة.

 

وما يُؤسف له حقًا، أن نجد في الأردن من يحاول استنساخ ذات الأسلوب "العفن" الذي أثبت فشله، نسمع أصوات التهديد والوعيد في صورةٍ غريبة على مجتمعنا، ألا يعلم دعاة البلطجة أن مطالب الإصلاح باتت أممية، وهي كلمة السر التي تجمَّع عليها الشعوب من المحيط إلى الخليج.

 

هي ولادةٌ عسيرةٌ لجنين مشوه، هكذا وصفت بداية إنشاء النظام المصري البائد، لم تمح من ذاكرة الشعب صور الفساد والقمع والقتل، ظلت محفورةً في عقولهم إلى أن جاءت اللحظة المناسبة، وحينها فقط تكون الثورة على الظلم، فلا تُبقي أمامها ولا تذر.

 

لا أعتقد أن هناك رسالةً أوضح من الرسالة المصرية لأولئك الذين يحشرون شعبوهم في الزاوية، ويسيرون بها نحو الحائط، فالتجربة المصرية لم تترك لأحد سوى الاختيار ما بين أمرين؛ إما تطبيق الإصلاح، وإما ترك الساحة؛ لأن تاريخًا جديدًا بات يُكتب بمداد الثورات لا الكلمات.