في الأنباء العاجلة التي أذاعها التليفزيون المصري، مساء الثلاثاء 15/3/2011م، قرَّر وزير الداخلية المصري إلغاء جهاز مباحث أمن الدولة، وتشكيل جهاز جديد اسمه "قطاع الأمن الوطني"، يتكون من ضباط وزارة الداخلية وأفرادها، وتكون مهمته حماية الوطن والتعاون مع أجهزة الدولة المعنية؛ لحماية وسلامة الجبهة الداخلية ومكافحة الإرهاب، وفقًا لأحكام الدستور ومبادئ حقوق الإنسان.

 

ولا ريب أن إلغاء جهاز أمن الدولة خطوة جيدة ومطلوبة، وتمضي في الاتجاه الصحيح، فهذا الجهاز يمثِّل صورة قبيحة وكريهة لأحط ما وصل إليه التوحش الآدمي تجاه بقية بني آدم الذين يسكنون الوطن الذي ينفق على هذا الجهاز ويطعمه ويسقيه، ويمنحه امتيازات تفوق ما يحلم به أفراد هذا الجهاز الوصمة، أو الجهاز العار!.

 

وليسمح لي السيد وزير الداخلية أن أختلف معه في مسألة تشكيل الجهاز الجديد "قطاع الأمن الوطني"، ومهمته التي رأى أنها تتركز على حماية الوطن، والتعاون مع أجهزة الدولة لحماية الجبهة الداخلية وسلامتها، ومحاربة الإرهاب.

 

ومع أن هذه الصياغة عن مهمة الجهاز الجديد كما يفترض، سياسة زئبقية ودعائية؛ فالذي أعلمه أن الأمن العام وسلامة الجبهة الداخلية هو مهمة الضباط والجنود الذين يعملون في المديريات العامة وأقسام الشرطة والأموال العامة ومكافحة المخدرات والمطافي والمرور، لذا فإنشاء جهاز يقوم بالمهمة ذاتها تحت هذا العنوان الفضفاض ويتعاون مع أجهزة الدولة المعنية، يعني شيئًا آخر، يصعب على مداركنا المحدودة أن تفهمه، ويوجب على معالي الوزير أن يتفضل بتوضيح المعنى المقصود بحماية الجبهة الداخلية وسلامتها، وما دور الجهاز الجديد تحديدًا أمام الدور الذي تقوم به المخابرات العامة، وأجهزة أخرى تابعة للجيش أو رئاسة الجمهورية، ومنها أجهزة رقابية ومحاسبية وإدارية تنظيمية، وكلها تصب في سياق الأمن العام؟ كيف سيقوم الجهاز الجديد بدوره في وجود هذه الأجهزة؟

 

أما مكافحة ما يسمى بالإرهاب فهو أمر مثير للتساؤل، بل الهلع والرعب؛ لأن كلمة إرهاب كلمة سيئة السمعة على المستويين المحلي والعالمي، ولم تعد تعني ممارسة العنف ضد المدنيين، أو تخويفهم كما تشير الدلالات المستخلصة من أدبيات السياسيين ورجال الأمن، ولكنها صارت تعني محاربة الإسلام والمسلمين، واستئصال كل رغبة في التمسك بالإسلام، فضلاً عن التعريف به والدعوة إليه..

 

وباسم محاربة الإرهاب قام جهاز أمن الدولة باعتقال الآلاف من الشباب الذين يربون ذقونهم، أو يرتادون المساجد، أو يحفظون القرآن أو يدعون إلى تطبيق الشريعة، أو يعارضون السلطة البوليسية الفاشية المستبدة، أو يطالبون بالحرية كتابة أو شفاهة أو بالانضمام إلى الأحزاب الحكومية أو التنظيمات المحظورة بوليسيًّا.

 

ولم يكتف الجهاز المرعب بالاعتقالات، بل تفنن في تعذيب المعتقلين تعذيبًا وحشيًّا، أدى إلى موت بعضهم، واختفاء بعضهم تمامًا؛ بحيث لم يُعرف لجثته مكان، فضلاً عن التجسس، وانتهاك الحرمات والافتئات على حقوق العباد.

 

وكل ذلك يتم تحت راية مكافحة الإرهاب؛ فهل سيقوم الجهاز الأمني الجديد بمكافحة الإرهاب بهذه الصورة؟ أم هناك صورة أخرى لا نعلمها سيكلف بها؟

 

نحن نفهم أن من يقوم بأعمال عنف أو ترويع للمواطنين ويسميها أجهزة الأمن بالإرهاب، تتم محاكمته أمام القضاء بوصفه مرتكبًا لجريمة، وللقاضي تقدير حجم الجريمة، والعقاب التي ينزل بمرتكبها، وقد قامت القوات المسلحة في الأيام الماضية بمحاكمات عاجلة أصدرت أحكامًا رادعة لمن ارتكبوا جرائم ترويع للناس بقصد السرقة أو التخريب أو غير ذلك، ولذا لا أفهم معنى لإنشاء جهاز يكافح الإرهاب في ظل الأجهزة التي تتابع الجرائم بصفة عامة.

 

لقد مرّ على إنشاء جهاز أمن الدولة الإجرامي ما يقرب من قرن من الزمان، فهو أول بل أقدم جهاز أمني من نوعه في العالم العربي، فقد أُنشئ عام 1913م، لخدمة الاحتلال البريطاني، بهدف القضاء على المقاومة الوطنية للغزاة، وكان اسمه في ذلك الحين "قسم المخصوص"، وبعد توقيع معاهدة 1936م، صار اسمه القلم السياسي، وكان يتبع السراي مباشرة، ويرأسه قائد البوليس الملكي، وبعد انقلاب 23 يوليو ظل العمل ثابتًا فيه، واكتسب العاملون فيه لقب "زوار الفجر"، ومع تولي الرئيس السادات أطلق عليه، اسم "مباحث أمن الدولة"، ثم تغيَّر اسمه إلى "قطاع مباحث أمن الدولة"، ثم "جهاز أمن الدولة".

 

ومع مطلع التسعينيات، اكتسب الجهاز العديد من الصلاحيات والسلطات والتغول والتمدد في كل مؤسسات الدولة على النحو الشائن والمخجل الذي يعرفه الناس، وكشفته وثائق الجهاز التي وقعت في أيدي المحتجين الذي اقتحموا مقار الجهاز المرعب!

 

إن بداية الجهاز كانت في خدمة الاستعمار الأجنبي، ونهايته في خدمة الاستعمار المحلي.. مع تغير الاسم مرات عديدة، وهو ما يجعلني أقول:

 

إن وزير الداخلية يجب أن يكمل (جميله)، ويتراجع عن إنشاء الجهاز الجديد، الذي لن يعمل في إطار الدستور ولا القانون ولا حقوق الإنسان، كما تشير إلى ذلك تجارب قرن كامل من الزمان، وعلى معاليه أن يركِّز جهوده على أمن الشارع من خلال الدوريات الراكبة، وتزويد الحراسات في الأماكن النائية، وزيادة اليقظة في مواضع الزحام واحتمالات وقوع الجرائم..

 

قبل ذلك وبعده تغيير العقلية الأمنية السائدة التي تنظر للمواطن على أنه متهم، أو مجرم يجب سحقه حتى تثبت براءته!

 

إن وزير الداخلية يجب أن يتوجه إلى الشعب المصري بحزمة إجراءات تعيد للأمن وجوده في الوجدان العام، وليس الشارع فحسب؛ حتى يستشعر المواطن أنه يجد سندًا له حين يستدعي رجل الشرطة أو يلجأ إليه..

 

أعتقد أن أول هذه الإجراءات هو محاسبة ضباط جهاز أمن الدولة الذين يتهمهم ضحاياهم بأعمال عنف أو تعذيب أو اعتقال غير قانوني، أو اغتصاب حقوق ليست لهم أمام القضاء العسكري، وتعلن نتيجة الأحكام على الجمهور حتى تهدأ النفوس، وتصفو القلوب إزاء فريق من أهل الشرطة سحقوا القانون بأقدامهم وتغطرسوا، واستعلوا في الأرض، لدرجة أن كان بعض زملائهم في القطاعات الأخرى يخافونهم، ويرتعدون لمرآهم.

 

وثاني هذه الإجراءات تحويل من تبقَّى من الضباط والجنود العاملين في هذا الجهاز إلى أماكن لا علاقة لها بالجمهور، ولعل تسوية معاشاتهم تكون حلاًّ معهم ومع كثير من النماذج التي عاثت في الأرض فسادًا واستكبارًا.

 

ثالثًا تحويل السجون إلى إشراف وزارة العدل، وإخضاع الضباط والجنود في هذه السجون لسلطة القضاء، حتى تتوقف تجاوزات بعض المنحرفين من هؤلاء وأولاء، ويتبع ذلك بالضرورة الإشراف القضائي على أماكن الحجز في الأقسام والمراكز والنقاط وأي أماكن تابعة للشرطة.. حتى يشعر المواطن المتهم بإنسانيته، وأنه حين يدخل إلى مقار الشرطة، فإنه يدخل إلى أماكن آمنة وطبيعية، وليس إلى غرف جهنم!.

 

لسنا بحاجة إلى قرارات تمتص غضب الناس، وكفى الله المؤمنين القتال، أو قرارات شكلية لا تغيِّر من الأمر شيئًا، مثل قرار تغيير الزي الرسمي للشرطة، أو تغيير شعار الشرطة في خدمة الشعب.. نريد إسقاط العقلية الأمنية القديمة، والمنهج القائم على احتقار المواطنين وإذلالهم وتعذيبهم، أما حماية الجبهة الداخلية وسلامتها، فأمرها مرهون إلى الشعب أولاً، وإلى آخرين، لهم دورهم ومهمتهم التي يعرفونها جيدًا.

 

إن مهمة وزارة الداخلية ليست منافسة الجيش، كما أراد جلاد هالك، وليست اكتشاف شبكات التجسس، وحماية النظام من الانقلابات، كما يدعو إلى ذلك كبار الجلادين الذين لم يتوبوا إلى الله، رغم أنهم بلغوا أرذل العمر، أو كُتَّاب الأمن وصحفيوه الذين لا يعيشون إلا عبيدًا لضباط لاظوغلي وأفراده!

 

أيها الوزير المنوط به مهمة صعبة، دعك من قطاع الأمن الوطني؛ لأن أحمد هو الحاج أحمد، وتفرغ لحماية الشارع والبيوت، والله معك.