"وكم ذا بمصر من المضحكات.. ولكنه ضحك كالبكا"!! ذكرت بيت الشعر لأبي الطيب المتنبي ألوف المرات كلما رأيت بوطني الحبيب ما يضحك؛ من باب أن من شر البلاء ما يضحك ويبكي القلب دمًا.

 

واليوم أتأمل مسار العدالة المصرية وعجائبه فيما جرى في عصر الاستباحة العظمى؛ حيث استبيح الوطن والمواطن معًا مالاً ودمًا وعرضًا، على يد من يفترض أنهم مؤتمنون على دم الناس ومالهم وكرامتهم!.

 

في مصر قول مأثور سيئ المضمون، يقول "إن الماء لا يصعد لأعلى"، وهو جزء من منظومة موروث ثقافي بالغ السوء، تعلي شأن من له ظهر، وكيف أنه لا يضرب على بطنه! ودعونا نفتح الأمر بوضوح ودون مواربات.

 

من بديهيات علم الطب أنه لا علاج للظواهر دون أصل الداء، وأن ما يتعامل مع الظواهر كالألم مثلاً هو مجرد "مسكنات"، وأن الداء يستفحل كلما طال الوقت دون علاج لأصله, ومن المعروف أيضًا أن الأفعى لا تموت مهما قطعت الأطراف، وإنما تموت من رأسها, ومن المسلم أن الضمير لا يشعر أن عدالة أخذت مجراها لمجرد ملاحقة صبيان "المعلم الكبير" مع تركه حرًّا طليقًا ! بدءًا من بائعي المخدرات ووصولاً إلى بائع الأوطان.

 

ودعوني أبدي ذهولي مما يجري حيال مبارك وأنا قاضٍ، منذ تخرجي في الجامعة ولم أعمل إلا في خدمة العدالة, دعوني أبدي دهشتي وعجبي لما يجري حيال المتهم محمد حسني مبارك زعيم التشكيل العصابي للسطو على مصر, وأقولها لا على سبيل المجاز ولا المبالغة ولا مدفوعًا بالغضب، وهو مشروع، وأنما أقولها بحرفية قاضٍ، بحكم ما هو متوافر لسكان كوكبي المريخ وزحل وسكان القبور والوادي المسحور من المردة والشياطين عن تواتر أدلة بحق مبارك لتهمتين أساسيتين، هما أولاً نهب المال العام، وقد أعلن مسؤول أمريكي كبير هو "جون كيري" أن ما جرى التحفظ عليه لزعيم التشكيل العصابي الإجرامي محمد حسني مبارك هو مبلغ واحد وثلاثون مليارًا ونصف المليار في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها, ناهيك عما هو كائن في كل أرجاء المعمورة، ومنها مصر التي سكن أهلها القبور حتى يسرق حسني مبارك وعصابته الإجرامية ليرضوا نهمًا للحرام لا يرضى, ثانيًا دور محمد حسني وجمال محمد حسني مبارك في إطلاق الرصاص على الأبرياء، وقد قال حبيب العادلي إنه كان يتلقى أوامر الضرب من مبارك، وهناك مكالمات مسجلة تشير بوضوح إلى أوامر المجرم مبارك لقتل الأبرياء! وهناك أقوال متواترة عن دور ابنه جمال في التحريض على القتل.

 

ما المطلوب إذن حتى يمثل مبارك أمام العدالة؟ هل قال المسؤول الأمريكي إن ثروة مبارك هي واحد وثلاثون ألف دولار حتى يُقال إنه جمعها من عرقه، "وكده طوال عمره", أو هي واحد وثلاثون مليون دولار حتى يُقال لقد حرم نفسه كل الطيبات من الرزق؛ ليظفر بعدة ملايين وإن كانت حتى الملايين؛ ما يعز على موظف عام ادخاره، فما بالنا بالمليارات وهي أرقام فلكية؟ الرقم الرسمي يا حضرة النائب العام المصري هو واحد وثلاثون مليارًا ونصف المليار من الدولارات, والرقم يا حضرة النائب العام المصري هو في أمريكا وحدها, فهل لدى إبليس نفسه تفسير عقلي منطقي مقبول ومعقول لجمع مبارك هذا المبلغ إلا من خلال السرقة والنهب والسطو؟

 

فما بال العدالة تتحرك تجاهه بحذر وبطء، وهو ليس مجرد مواطن عادي، بل هو مواطن أباد بعض شعبه جوعًا ومرضًا وتشردًا؟ هل هناك شك في التلفيق للرجل ومن يلفق له وكل الملفقين من زبانيته وما زالوا على ولائهم له؟!, ولو أن أحدًا يلفق لأحد فهل يلفق الأمريكان لكنزهم الإستراتيجي مبارك، وقد قال بعضهم إنهم يخجلون من تنفله لهم بأكثر مما يطلبون في كل موقف؛ تقربًا لهم وتزلفًا للرضا عنه واعتماد الوريث, وقد ظلوا لآخر لحظة قبل السقوط يمنون أنفسهم ببقاء الكنز، كاتمًا أنفاس المصريين لحسابهم وحساب الصهاينة!! ثم إن الأمر لا يتعلق بتهمة مما تختلف فيها التقديرات؛ ولكنه يتعلق بأرقام وحسابات مدققة، ومن المعلوم أنها أموال سوف تطلبها مصر من أمريكا، فلا يمكن أن يتسرع مسئول أمريكي بوزن كيري ليقول ما ليس مؤكدًا.

 

ماذا ينتظر العدل المصري ليسأل مبارك؟ وإلى متى نظل نلاحق سارق البيضة بالعار والسجن ونترك أكابر اللصوص؟, هل تنتظر العدالة مظاهرات مليونية تخرج خصيصًا طالبة القبض على مبارك ومساءلته؟!

 

إنني أتحدث كمواطن مصري قبل وبعد كل شيء, ولكنني أيضًا قاض أُغار على القضاء المصري، وأريده موضع فخر كل عربي وكل مصري، وأكره أن تثور الهمهمات وتكثر التساؤلات، وهي تسد الأفق اليوم، وأكره أن تتطاير سهام مؤذية تنال من هيبة وكرامة القضاء المصري, ولا أفهم ولا أظن مصريًّا واحدًا يفهم لماذا ما زال مبارك وما زالت عائلته طلقاء بعيدًا عن أيدي العدالة التي امتدت لبعض أذنابه!.

 

إن الناس لن يشعروا على الإطلاق أن هناك عدالة معصوبة العينين لا تفرِّق بين متهم ومتهم، طالما بقي زعيم العصابة حرًّا طليقًا، بينما تنشط العدالة في تعقب الفروع, وأنا أتقدم إلى النائب العام المصري، طالبًا التحقيق الجنائي فورًا مع المتهم محمد حسني مبارك وزوجه وولديه عن تهم المال العام، ومحاسبته وولده جمال عما نُسب إليهما من التحريض على القتل, إنني أحذِّر من مرور الوقت دون مساءلة مبارك وعائلته؛ لأن ما نُسب إليه واليهم أعظم جرمًا وأوضح دليلاً من أن يترك طويلاً دون مساءلة، واحذر من بركان غضب جارف؛ لأن صبر الناس نافذ بطبائع الأمور، ونحن لا نطلب ولا نقبل أن يظلم مبارك أو غيره؛ ولكن لا بد من عدالة ناجزة، ولا بد من المساءلة والحساب لكل من يثبت ارتكابه جرائم بحق مصر والمصريين.. وما أكثر المجرمين وما أشنع الجرائم!.