من يتأمل ما يجري على الساحة المصرية أيام تفجُّر الثورة وبعدها؛ يجد عجبًا يفوق قدرة أمثالي على الاستيعاب، بل أحيانًا على تصديق ما أرى.

 

في البداية لم يكن غالبية الناس يتصورون أن ما دُعي إليه من تجمع جماهيري يوم الخامس والعشرين من يناير يمكن أن يفضي إلى ثورة, ثم سرعان ما تبدَّل الحال وارتفع سقف المطالب إلى رحيل مبارك وإسقاط النظام مما هو معلوم للكافة.

 

عند هذه النقطة تحوَّل الموقف الجماهيري إلى ثورة, وعندها أفرزت المواقف ثلاث فئات رئيسية, فئة أيَّدت الثورة وتبنَّت مطالبها بجلاء وحسم وبلا تردد, موقنة أنها حال فشل الثورة سوف يكون الثمن الذي تؤديه- حتمًا- فادحًا مروعًا من حاكم عُرفت عنه القسوة في سحق خصومه والتنكيل بهم دون رحمة, وهؤلاء أناس متسقون مع مبادئهم تمامًا وهم رموز للشرف وعلو الهمة دون شك, وكانت هناك فئة راهنت على فشل الثورة ونجاح النظام في سحقها، وقد رأينا مَنْ حَشد جموعًا أكثرهم من المرتزقة لمؤازرة مبارك ومَنْ سلَّط المجرمين لقتل الثوار.

 

لقد بلغ موقف المراهنين على النظام وأجهزة القمع حد اتهام البعض للثوار بأنهم مأجورون مدفوعون من الأعداء التاريخيين لمصر, بل دبَّر مشهدًا تليفزيونيًّا مخزيًا لمن قالت إنها تلقت تدريبًا صهيونيًّا للتخريب، وتلقت أيضًا أموالاً ومعها بعض متزعمي حركة ميدان التحرير, ثم سرعان ما أسفر الأمر عن خيبة مدوية دفعت الجميع إلى التبرؤ من الفضيحة, وأناب البعض نفسه وكيلاً معتمدًا في شئون الجنة والنار والحساب يوم القيامة؛ فحرم الجنة علي الثوار، وبشَّرهم بالنار يوم الدين لخروجهم على ولي الأمر!, وهناك من تطرف فقال إن من خرج للتظاهر ليس في قلبه ذرة واحدة من الإيمان, وتطرف البعض في اتجاه آخر فنسب للثوار موبقات أخلاقية وأمورًا يعف اللسان عن ذكرها, وهناك من طالب بإبادة من في ميدان التحرير ولو باستخدام السلاح الذري!.

 

إلى هنا والأمر- على بشاعته- مفهوم تمامًا, ولكني ما استعصى على فهمي هو موقف الفئة الثالثة وهم (مهرة اللاعبين) الذين أمسكوا- ببراعة فائقة- العصا من عند نقطة المنتصف, فاحتفظوا بذات المساحة مع الثورة والنظام البائد بتوازن دقيق وبكفاءة لاعبي السيرك المقتدرين, وقد رأينا من يذهبون إلى ميدان التحرير ليسجلوا الحضور مع الثوار ثم ينقلبوا عائدين، مطالبين عبر الفضائيات بفض التجمهر وإخلاء ميدان التحرير، ثم الدخول في جعجعات لفظية لا يُفهم منها موقف حقيقي، وتقول كل شيء ولا تقول أي شيء في آن واحد, ومكمن المهارة أن هؤلاء رابحون رابحون, فإذا نجحت الثورة فهم في قلبها في الميدان، وإن سحقها النظام فهم إنما حضروا لإنهاء الشغب ودعواتهم مسجلة بالصوت والصورة جاهزة لإثبات الأمر ونقيضه معًا حسب ما يكون في لاحق الزمان, والمادة الخام لمواقفهم جاهزة وبراعتهم مشهودة في استخلاص الدليل!.

 

وكانت قمة غرابة المشهد بعد نجاح الثورة؛ حيث ادَّعى الجميع جملة واحدة أنهم ثوريون وأنهم كانوا مع الثورة من أول لحظة، وراح بعض الإعلاميين من تابعي النظام المنهار ينقضون عليه في سرعة البرق، على نحو أثار دهشة الرئيس المخلوع نفسه، كما روى البعض عنه, وهو موقف متلهف يستخف بذكاء الآخرين.

 

في العصور السابقة على عصر الإنترنت والتليفزيون والإذاعة كان من الممكن جدًّا لأي إنسان أن يتخذ موقفًا ثم يتنكر له لاحقًا؛ لأن سامعيه محدودون في أكثر الأحيان, ولكن اليوم صارت المواقف تُسجَّل بالصوت والصورة وتُبَث، وتثبت في أرجاء المعمورة كافة, وبالتالي صار الادعاء الكاذب يشكل بصفة عامة عدوانًا على عقول السامعين والقارئين والمشاهدين!.

 

لن أعدِّد من هاجموا الثورة ونسبوا إلى الثوار ظلمًا وعدوانًا ما نسبوا، فكل المواقف مسجلة؛ ولكنني أطالبهم ببعض الحياء واحترام عقول الناس, ولن تفلت الفرصة منهم إلى الأبد، سيما وبعضهم ماهر يعرف طريقه جيدًا ولديه من الدأب و"جراب حاوي" لا تنفد ألاعيبه؛ ما يضمن العودة إلى حيث يشتهي, ولكن عليهم- على الأقل من باب حسن الأداء البهلواني- التحلي بعدم اللهفة بل بشيء من الصبر، فما زالت الجراح ملتهبة، وما زال دم الشهداء لم يجف، وما زال المصابون من الأحرار تحت العلاج, وهناك شباب فقدوا بصرهم وآخرون أُصيبوا بعاهات مختلفة جراء تحريض من حرَّضوا على الثورة سيما في يوم أربعاء الشهداء، وقد شهد أحد كبار الثوار، وهو المخرج خالد يوسف، أن هناك ربطًا عضويًّا بين تحريض المحرضين وسفك دم الأبرياء في ميدان التحرير وغيره, وما زالت مصر كلها- رغم نشوة الانتصار- جريحة لفقد بعض أعز أبنائها!.

 

أقول للمنافقين والآكلين على كل الموائد مهلاً وصبرًا حتى تندمل الجراح, وحتى تخف في الأسماع أصداء أصواتكم المحرضة على إهدار دم الأحرار! وبعدها بإمكان الجميع أن يعودوا ويدعوا ما شاءوا, وأنا لا أستبعد على أحد أن يدَّعي ما يشتهي, بل إنني بعد أن سمعت السيد أبو الغيط، وزير الخارجية السابق، يدَّعي أنه كان مع الثورة بعد أن قال بحقها ما يعلمه حتى سكان زحل, صرت لا أستبعد على الإطلاق أن يدَّعي المواطن حسني مبارك أنه كان مع الثورة, ولن يعدم عباقرة يشرحون لنا شرحًا مستفيضًا مسهبًا منطقيًّا؛ كيف كان مع الثورة بل إنه المحرض الأول عليها؟, وليس في الأمر غرابة، فقد ادَّعى في أول خطاب له بعد قيامها أن ما يجري هو جزء من الحراك المقصود قصدًا من سياسة تبناها, فله إذن قدم سبق في التمهيد للثورة والتبشير بها، وهو موقف معلن ومسجل, وشر البلاء ما يضحك!.

 

إن أحدًا في هذا الوطن لا يملك صكوك الوطنية ولا صكوك التخوين؛ ولكن أحدًا أيضًا- مهما كان مقامه- لا يملك الحق في إهانة عقول الناس ولا إهانة جراح ما زالت نازفة، ولا أن تعلو أطماعه المتلهفة على دم الشهداء, فرفقًا بنا ومهلاً أيها المتقلبون!.