دُعيت للمشاركة يوم السبت 12/3/2011م بمحاضرة حول "التعديلات الدستورية ما لها وما عليها" بالكنيسة الإنجيلية بمصر الجديدة، وعندما وصلت إلى الكنيسة في الرابعة عصرًا وتوجهتُ إلى قاعة المحاضرة وقفت منتظرًا الداعي أو من ينوب عنه، وبعد دقائق إذا بشاب وسيم يتسم بالبشاشة في اللقاء والأدب الجم في الحوار، واضح من أسلوبه أنه قائد العمل عرفني بنفسه "فادي فخري يونان" وسألني عن حاجتي، فأخبرته الخبر وسبب زيارتي، فإذا به بلغٍة لطيفةٍ رقيقةٍ يُرحِّب بي وبأدب أكثر لطفةً ورقةً يخبرني أن اللقاء فعلاً حول التعديلات الدستورية لكنها في إطار ما يُسمَّى بـ"ورشة العمل"، وأنه لا يدري شيئًا عن المحاضرة وأبدى سعادته فيما لو شاركتهم ورشة العمل حول نفس الموضوع، غير أن القاعة كان جُلُّها من الشباب الذين لم يتجاوزوا الثلاثين من العُمر، فرأيتُ من المناسب أن أستأذن وأنصرف وأراجع لمَن دعاني لعلَّ في الأمر بعض اللبس.
وعندما وصلتُ إلى باب الكنيسة إذا برجلٍ وقور لعله جاوز الستين يُسرع الخطى خلفي مناديًا ومستوقفًا ومتسائلاً عن سبب انصرافي، وكان بصحبته الفتى الوسيم فادي، فلما تعارفنا أدركت أنه الأستاذ فخري يونان أحد رجال العمل الوطنيين، وهو والد فادي وأحد الذين يمارسون دورهم الاجتماعي والوطني من داخل الكنيسة، وبعد حوار قصير أصرَّ فيه الأستاذ فخري وولده فادي على اصطحابي للمشاركة في "ورش العمل" تتقدمهم أريحية فطرية غير مصطنعة، وبشاشة غير متكلفة، ورغبة قلبية صادقة في المشاركة، لم يسعني معها إلا تلبية الطلب والعودة في صحبة الكريمين إلى قاعة العمل.
وفي قاعة العمل ألفيتُ شبابًا مصريًّا مسلمين ومسيحيين جاءوا جميعًا ليتشاركوا هَمَّ الوطن ويعرفوا ما لهم وما عليهم، وقد أعدوا أوراق عمل تنبئ عن نضجٍ ووعي سياسي وإيجابية، وهي بالحقيقة وسام شرف وفخار على صَدر هذه الأُمَّة.
وفي نظامٍ بديعٍ ودقائق معدودة طرح الفتى فادي جدول العمل، ودعا للتصويت على تقسيم الحضور إلى ورشتي عمل أو الاكتفاء بواحدة تجمع الجميع، فصوَّت الغالبية لصالح القِسمة، ورضي الجميع بنتيجة التصويت، وكان من نصيبي أنا والأستاذ فخري يونان أن ننضم إلى ورشة عمل يقودها قاضٍ شاب واعِد اسمه "مصطفى"، وليسمح لي ألا أذكر بقية الاسم حتى لا أسبب له حرجًا في موقعه، أدار الورشة باقتدار وحيدةٍ يُغبط عليهما، وكان مثالاً للأدب ونموذجًا لسعة الاطلاع، وبدأ الحوار ورأيت إلى جواري الأستاذ فخري يونان يُدلي بدلوه وإلى جواره شباب يجمعون في أسمائهم بين مينا وأحمد وجورج وجهاد وماري وأندريه وأمل إلخ، وكُلٌّ يطرح ما في نفسه من تساؤلات وأفكار، وأشاركهم الطَرح ونختلف في الآراء والتصورات بين مَن يقول: نعم للتعديلات، ومن يقول: لا، وكُلٌّ يبدي وجهة نظره بموضوعية وعلمية وتجرد، تلمسها مع كل حرف وكل كلمة وكل نبرة صوت، ولا يسعك أمام هذا المشهد إلا أن تقول الله على الروعة والجمال والدُرر التي ظلَّت دفينة القهر والاستبداد والتسلط والطغيان، أحسست وأنا داخل الكنيسة بالمعنى العظيم في الحديث الشريف: "ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى".
ولا أكتمكم حديثًا لقد أحسستُ في المشاركين جميعًا إيمانًا مشتركًا بعدالة القضية التي اجتمعنا من أجلها، وبأهمية الوطن الذي ننتمي إليه جميعًا، ورأيت صورةً حيةً لتواد وتراحم وتعاطف لم يصطنعه بشر، وإنما وجَّه إليه وأعان عليه ربُّ الناس جميعًا، فتحيةً من الوجدان خالصة للكنيسة الإنجيلية ولشبابها وشيوخها ولجميع الذين شاركوا في العمل، وأخصُّ بالتحية الأستاذ فخري يونان وولده فادي.
------------
* المحامي بالنقض- kh.badawy@yahoo.com