كشفت مستندات جهاز أمن الدولة الهارب عن كثير من الأشياء المسكوت عنها عمدًا، والمعلومة من الجماهير بالضرورة!.
ومن أكداس تلك الملفات، قفزت إلى السطح ملفات الصحفيين والإعلاميين المرتبطين بأمن الدولة!.
قد يبدو العنوان غريبًا بعض الشيء، ما أوجه الارتباط بين المخبر والصحفي؟! وما نوع العلاقات السائدة بينهما؟! وعلام انتهت إليه هذه المعادلة الشاذة؟ وكيف بدأت؟!
إن الصحافة المصرية- عبر عمرها الطويل- مرَّت بمراحل مدٍّ وجزر، ما بين حرية مقيدة وتكبيل أقلامها بقوانين مقيدة، وحريات نسبية، إلا أنها استطاعت بمهنيتها وصدقها تجاوز تلك الملمات، وكفاءة أسمائها اللامعة من الطهطاوي ومحمد عبده، وحتى اليوم وأسهمت في إعطاء الصحافة المصرية بريقها، وريادتها للعالم العربي، ودورها التنويري على كل الساحات الثقافية.
وجاء انقلاب يوليو 1952م، وفي سبيل القضاء على العهد الملكي البائد جرى العصف بكل الطبقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وكان على الصحافة المصرية أن تواجه قدرها، بدءًا من سياسات التأميم التي شملت كل شيء، من المصانع الكبرى إلى محالِّ الأحذية، ووسائل النشر في طليعتها دور الصحف الكبرى!.
ومنذ عام 1960م وإلى إلغاء الرقابة على الصحف عقب نصر أكتوبر 1973م كانت الصحافة تدار بقوة الدفع التقليدية: الكفاءات القديمة ذات المواهب، وفي الوقت نفسه جرى تربية عناصر لا تتمتع بأية موهبة أو كفاءة صحفية.. أدوات بوليسية وأمنية بامتياز!.
بدأ تعميدها بكتابة تقارير عن مرءوسيهم وزملائهم في المهنة لجهات معلومة، وبناءً على تلك القدرات المباحثية، تمَّت ترقيتهم وتصعيدهم في أماكن تلك القيادات التي شاخت على مرور الزمن، وفرضت تلك الأشياء مهنيتها الهابطة وكفاءاتها المتواضعة على حركة النشر والفكر.
واضطر أصحاب القدرات المهنية إلى الهروب إلى دول عربية لفرص نشر ومساحات من الحرية مفتقدة في الداخل المصري؛ ما أثَّر في أوضاع الصحافة المصرية، والتي بدأت في التراجع مهنيًّا أمام الصحافة اللبنانية والخليجية!.
وأصبح الإعلام المصري أمام معادلات جديدة لا قبل لأحد بمواجهتها على المدى البعيد.. رؤساء تحرير، وواجهات إعلامية تستحوذ على مساحات للنشر، ورواتب خيالية، ومكافآت ضخمة غير مبرَّرة، بالعملة الصعبة والسهلة؛ نظير تطبيق أجندات أمنية مشبوهة، وإجراءات لا تنتمي إلى مهنة الصحافة، وأدوار إعلامية، أصابنا جميعًا رذاذها، ولطخت بالعار وجوهنا، وأدمت قلوبنا عوارها، حتى توارَى المصري من مصريته، وتراجع الدور الإقليمي المصري بصورة غير مسبوقة!.. من حملات صحفية مشبوهة ضد دول عربية شقيقة؛ لمجرد مخالفة وجهة النظر الرسمية، ودوران الأقلام؛ حيث يدور مزاج لجنة السياسات والكتابة لقارئ واحد، وهو سيادة الرئيس!؛ ما أجبر القارئ المصري على أن يدير ظهره وسمعه، ويتجه إلى أدوات إعلامية أخرى عربية، كقناة (الجزيرة) وغيرها، والتي كانت مثار حقد النظام وأدواته البائسة!.
ومع هبوب أعاصير 25 يناير، كانت قاصمة الظهر لتلك النخبة من إعلاميِّي النظام؛ فقد كشفتهم تمامًا، وأصبحوا عراةً بفضائحهم الإعلامية وطريقتهم المرذولة، من الثرثرة بالأكاذيب، والأباطيل والجهل المتعمَّد، فكان لتلك المعادلة التي سادت منذ 1961م أن تسقط مع من سقط في 25 يناير! (المخبر والصحفي)، ونهاية طريق من التزييف والتجهيل.
والآن.. هل نحن أمام معادلة جديدة مرتكزة على الحقائق والصدق أم أن رجال العهد البائد سيدافعون عن أماكنهم حتى آخر قلم؟!