أودُّ أن أطرح ست ملاحظات رئيسية على هذه المسألة:

أولاً: مشروعية المطالب، وأخطاء التوقيت:

أتفهم تمامًا حجج وتخوفات كل الأطراف في مسألة التعديلات الدستورية، سواء تلك التي تدافع عنها، أو تلك التي ترفضها من أجل دستور جديد، فلكلٍّ منهم حججه القوية وتخوفاته المشروعة والمنطقية، ولكني أختلفُ مع رافضي التعديلات في نقطة رئيسية: وهي توقيت هذا الرفض وطريقة إدارته.

 

فلقد كان من الأفضل أن يتمسكوا بمطالبهم منذ البداية، منذ لحظة الإعلان عن تشكيل اللجنة برئاسة المستشار البشري، فيرفضوا مغادرة الميدان أو فض الاعتصام إلا بعد الاستجابة لهذه المطالب، وفي هذه الحالة كنا جميعًا سنؤيد هذا الموقف وندعمه وندافع عنه حتى النهاية.

 

أما أن يتم طرحه الآن بعد أن هيأت الناس نفسها معنويًّا وسياسيًّا لقبول مبدأ التعديل وآلياته، خاصةً بعد أن رأوا قادة الثورة الموثوق بهم يفضون الاعتصام؛ ففهموا وتصوروا من ذلك أن القادة قد قبلوا التعديلات أو على الأقل لم يتشبثوا برفضها، مثلما تشبثوا بإقالة شفيق؛ ما دفع معظم الناس لفض الاعتصام، وقبول مبدأ التعديلات الدستورية، وإعداد أنفسهم لهذه المرحلة.

 

ثم بعد ذلك، نأتي لنفاجئهم بالرفض القاطع، ونحرضهم على عدم الذهاب إلى الاستفتاء أو على الذهاب والرفض!

 

أظن أن هذه إدارة غير حكيمة للأزمة، قد تتسبب في إحباط الناس، وشق الصفوف، وإثارة البلبلة، وإضعاف الثقة في قادة الثورة.

 

وقد لا يتيسر دعوتهم مرةً أخرى إلى العودة إلى اعتصامٍ طويلٍ من أجل هذه المسألة تحديدًا.

*****

 

ثانيًا: فلنتجنب كسر كلمة الثورة:

يجب أن يحرص القائمون منا على إدارة الحوار مع المجلس العسكري، على تجنب كسر كلمة الثورة وتجاهل مطالبها، حتى لا تكون سابقةً قابلة للتكرار؛ ففي المطالب التي نتوقع فيها خلافًا كبيرًا مثل المسألة المطروحة، كان علينا أن نطرحها من موقع القوة الشعبية والميدانية، حتى نضمن تنفيذها، مثلما حدث في مطالبنا برحيل مبارك وشفيق.

 

أما أن نستسهل باتخاذ مواقف والإدلاء بالتصريحات، دون إجماعٍ وسندٍ جماهيري قوي، فهذا سلوك خاطئ قد يخسرنا كثيرًا في المستقبل.

 

ثالثًا: التعديلات المطروحة تسقط الدستور القديم:

الملاحظة الثالثة هي أن التعديلات المقترحة تتضمن بالفعل إسقاطًا صريحًا وإلزاميًّا للدستور القديم.
وذلك فيما نصَّ عليه التعديل في المادة 189 مكرر من أن: "يجتمع الأعضاء غير المعينين لأول مجلسي شعب وشورى تاليين، لإعلان نتيجة الاستفتاء على تعديل الدستور، لاختيار الجمعية التأسيسية المنوط بها إعداد مشروع الدستور الجديد خلال ستة أشهر من انتخابهم..".

 

وبالتالي فإن الموافقة الشعبية على هذه التعديلات في الاستفتاء المرتقب، ستكون بمثابة إقرارٍ شعبي لا يجوز مخالفته بضرورة إعداد فوري للدستور الجديد، كما ستكون أول ترجمة وتجسيد للشرعية الشعبية الثورية في شرعية دستورية، وهو مكسب مهم في هذه المرحلة المضطربة و المتوترة.

 

رابعًا: قبول التعديلات لا يصادر باقي المطالب:

فالاستفتاء المطروح سيتم على تعديلات محددة، لا تتضمن ما يليها من خطوات تتناول قضايا المجلس العسكري أو الانتقالي، أو أسبقية الانتخابات البرلمانية أو الرئاسية وغيرها.

 

وعليه فلنأخذ هذه المكتسبات الدستورية الجزئية المهمة الآن، وبعد ذلك، فلنواصل الحوار والنضال من أجل أي اقتراحاتٍ أو سيناريوهات بديلة تخص المرحلة الانتقالية.

 

خامسًا: إضافة تعديلات جديدة ومد المهلة:

 ومع ذلك، أتصور أن الحوار الدائر الآن قد كشف بالفعل عن ضرورة إضافة تعديلات جديدة على عددٍ من مواد الدستور القائم المؤقت ومنها:

- ضرورة إلغاء المادة 74 التي تنصُّ على: "لرئيس الجمهورية إذا قام خطر يهدد الوحدة الوطنية أو سلامة الوطن أو يعوق مؤسسات الدولة عن أداء دورها الدستوري أن يتخذ الإجراءات السريعة لمواجهة هذا الخطر...".

 

- وإلغاء المادة 108 التي تنص على: "لرئيس الجمهورية عند الضرورة وفي الأحوال الاستثنائية وبناءً على تفويضٍ من مجلس الشعب بأغلبية ثلثي أعضائه أن يصدر قراراتٍ لها قوة القانون..".
- وإلغاء المادة 112 التي تنصُّ على: "لرئيس الجمهورية حق إصدار القوانين أو الاعتراض عليها".

 

- وإلغاء المادة 136 التي تنصُّ على: "لا يجوز لرئيس الجمهورية حل مجلس الشعب إلا عند الضرورة وبعد استفتاء الشعب..".

 

ومن الضروري أيضًا إعادة النظر في بعض المواد التي شملتها التعديلات، وهي:

- المادة 93 التي تحيل اختصاص البت في صحة عضوية مجلس الشعب إلى المحكمة الدستورية العليا، خاصةً بعد قرار الجمعية العمومية لمحكمة النقض الأخير بتاريخ 9 مارس الجاري برفض هذه المادة والتهديد بعدم الإشراف على الاستفتاء في حالة بقائها كما هي.

 

- وكذلك المادة 139 التي تنصُّ على تعيين نائب لرئيس الجمهورية وليس انتخابه.

 

- وإعادة تعديل أو إلغاء المادة 148 بهدف تجريد رئيس الجمهورية القادم من الحق في إعلان حالة الطوارئ قبل إعداد الدستور الجديد بما قد يهدد استمرار الإنجازات الثورية الديمقراطية.

 

ثم أتصور أنه من الضروري تأجيل موعد الاستفتاء شهرًا على الأقل، لكي يتسنى للجنة مراجعة التعديلات على ضوءِ ما تم من حوارٍ مجتمعي في الأسابيع الماضية، بغرض تلبية أكبر قدرٍ ممكن من المطالب المشروعة والمنطقية للقوى الوطنية.

 

ومن المهم في هذه المهلة الإضافية إلغاء حالة الطوارئ وإصدار قوانين جديدة للأحزاب ولمباشرة الحقوق السياسية على الوجه الذي توافقت عليه القوى الوطنية.

 

وبصفةٍ عامة يُفضَّل أن تتوسع اللجنة في تجريد الدستور القائم المؤقت من أي المواد الخاصة بصلاحيات الرئيس.

 

سادسًا: اختيار أعضاء الجمعية التأسيسية:

نتفق جميعًا على أن هدفنا الأساسي هو ضرورة إعداد دستور ديمقراطي جديد تقوم به جمعية تأسيسية صالحة ومؤتمنة على هذه المهمة، ويبقى السؤال حول الجهة المنوط بها اختيار أعضاء هذه الجمعية، وفي ذلك توجد أربع تصورات:

- الأول: هو أن يقوم على اختيارهم المجلس العسكري أو المجلس الانتقالي إن وُجد، وهو أضعف التصورات ديمقراطيًّا.

 

- الثاني: هو أن ينتخبهم الشعب، وهي مسألة قد لا تناسب الطبيعة الخاصة للمهمة المطلوبة، التي تتطلب خبراء يختارون بمعايير دقيقة لا تتوفر في آليات الانتخابات.

 

- الثالث المرفوض تمامًا: هو أن يصدر بذلك قرارٌ من الرئيس المنتخب في حالة إذا ما تم، لا قدر الله، تمرير مطلب أسبقية الانتخابات الرئاسية على البرلمانية.

 

- التصور الرابع: هو ما نصَّت عليه التعديلات المطروحة من أن يختارهم الأعضاء المنتخبون من مجلسي الشعب والشورى، وهو التصور الأكثر واقعيةً والأكثر مراعاةً للمعايير الديمقراطية وفقًا للظروف الجارية.

---------

* Seif_eldawla@hotmail.com