رغم الصوت العالي لمطلب الشعب والثورة بحل جهاز أمن الدولة، فإنه خرج علينا وزير الداخلية الجديد بتصريح غريب ومريب، قال فيه إن جهاز أمن الدولة سيقلص نشاطه للإرهاب والتجسس.
وهو تصريح مريب جدًّا؛ لأنه جاء في وقتٍ افتضح فيها الجهاز القمعي فضيحة لا نظير لها في العالم، وتبيَّن للشعب أنه كان جهازًا لقمع الحرية والعدالة وتمكين الفساد والاستبداد من حكم مصر بالإرهاب؛ لذلك كانت كلمات الوزير تصادم مطلب الشعب بإلغاء الجهاز، ومريبة لأنها تلتف على مطلب الشعب بكلماتٍ يظن أنها ستستغفل الشعب، فالشعب المصري كله يرفض الإرهاب ويرفض بلا شك التجسس.
ولكن غاب عن الوزير أن الشعب فهم اللعبة، وقديمًا أكثر النظام البائد من كلمة "الإرهاب"، وجعل مهمة الجهاز هي الإرهاب، فكان يُرهب الشعب تحت هذا المصطلح الفضفاض، والذي لم يستطع العالم كله أن يضع له تعريفًا واحدًا، فصنعت له كل دولة ما تشاء من التعريف ولا تتفق عليه دولتان؛ حتى الأمم المتحدة، فشلت في تعريف الإرهاب تعريفًا جامعًا مانعًا؛ ولكننا في مصر المنهوبة بقيادة الرئيس المخلوع وجهاز أمن مبارك جعلوا الشعب كله إرهابيًّا، وبالتالي وضعوه تحت المراقبة والتجسس والتنصت، ثم التحريات الملفقة والأحكام الجاهزة بواسطة ما أطلق عليه قضاة التليفون ثم السجون والمعتقلات والتعذيب حتى الموت أو الشلل أو القهر؛ لأنك إرهابي غير مرضي عنك من جهاز أمن مبارك وعائلته، وقد فضحت كل ذلك (وغيره مما لم يُنشر) الوثائق التي خرجت من مقار أمن الدولة.
فأعتقد أن على وزير الداخلية مراجعة تصريحه؛ لأن التجسس مختص به المخابرات، وإذا وقعت جريمة أو أية حادثة فهي جريمة جنائية مختص بها ضباط البحث الجنائي والشرطة عامة، وقانون العقوبات بتعديلاته في التسعينيات وضع تشددًا في تلك النوعية من الجرائم.
ويهمني قبل التوقف مع نقاط مهمة إرسال كل التهاني والسرور وكل معاني الفرحة الكبيرة لمَن خرجوا من السجون، وعلى رأسهم عبود وطارق الزمر وأنور عكاشة الذين قضوا ثلاثين عامًا في السجن وغيرهم ممن ذاقوا الظلم سنوات، فالشكر موصولٌ لكلِّ مَن أسهم في إصدار القرار في المجلس الأعلى للقوات المسلحة.
ولكن يبقى عدة نقاط ينبغي التوقف أمامها بكل وضوح، وهو ما تركه ذلك الجهاز القمعي من ممارسات، ومنها:
1- اعتقال الكثيرين ما زالوا لم يُفرَج عنهم، أشهرهم معتقلو حادثة كنيسة القديسين، والذي تبيَّن أن مُدبِّرها هو حبيب العادلي، وغيرهم ممن تمَّ تلفيق قضايا لهم، وتم إخلاء سبيلهم من المحاكم، ثم اعتقلهم جهاز أمن الدولة رغم صدور قرارات إفراج وما زالوا معتقلين مثل مَن اتهموا في القضية 38 أمن دولة وغيرهم، ممن يمكثون في السجون منذ سنواتٍ طويلة، وما زالوا معتقلين لماذا؟ في الوقت الذي يُفرَج فيه عن محكوم عليهم بأحكام ظالمة نعم؛ لكن يظل اسمها "أحكام".
نعم نفرح بخروجهم.. لكن ما هذا التناقض الغريب.
2- الواضح في قلةٍ من أسماء المفرج عنهم أنها أسماء مختارة بعناية، بمعنى أنها لم يُطبَّق عليها شرط نصف المدة وقضاء 15 سنة فقط؛ ولكنهم تم اختيارهم، فمَن الذي اختارهم وترك من قضوا عقوبتهم وتنطبق عليهم نفس الشروط؟ بل يزداد الأمر غموضًا أنه كما أرسل لي أحد المحبوسين وقد انتهت عقوبته 15 عامًا، في الوقت الذي أُفرج عن غيره بنصف المدة، فقال إن أحدهم كان يعمل داخل السجن مرشدًا لأمن الدولة، وإذا عذرنا هذا الشخص بالقهر فيوجد من المفرج عنهم جاسوس اتهم في مذبحة مدرسة بحر البقر؟ ثم قضية أسامة سليمان المتهم الوحيد في قضية التنظيم الدولي للإخوان الملفقة من أمن الدولة، والرجل مريض وقضى نصف المدة؟
ويوجد نبيل المغربي بلغ سبعين عامًا وبه أمراض أقعدته، ومحمد الأسواني مشلول، والاثنان مسجونان منذ ثلاثين عامًا متواصلة في السجن.
بلا شك تناقض أعتقد أنه من تركة أمن الدولة التي ما زالت تعمل!!.
3- من هنا أقول إنه رغم أن الشعب اقتحم مقار أمن الدولة إلا أن عملية الاقتحام، خاصةً للإدارة العامة لأمن الدولة، مريبة جدًّا وأنا شاهد على ذلك، فلم يتم فتح المقر للناس إلا بعد أن تم فرم كل الأوراق المهمة التي تدينهم وتفضحهم، وخرجت سيارات القمامة بالعشرات، وبعد ذلك فتحت الأبواب ليشعر الشعب أنه حقق غضبه باقتحام المبنى!!.
4- ولا يفوتني الإشارة إلى جزء مهم من تركة ظلم أمن الدولة وهو قوائم ترقب الوصول والمنع من السفر التي وضع فيها جمع كبير من الشعب المصري، فينبغي أن تُمحى، ولا يبقى فيها إلا مَن صدر ضده حكم أو قرار من النائب العام بالمنع من السفر.
أتمنى أن يكون ما توقفتُ أمامه من نقاطٍ ناتج عن تباطؤ إداري، وليس عن تقارير أمن دولة، ولا عن خطة مدبَّرة منهم؛ لأن كل مصري أمله أن ينهي المجلس الأعلى للقوات المسلحة كل بقايا الظلم والاستبداد، وعلى رأسها ملف المعتقلين والمسجونين ظلمًا من محاكم استثنائية، وأملي في القيادة العسكرية كبيرة أن تصدر عفوًا عامًّا ينهي الملف الأسود للظلم في مصر.
وأخيرًا تبقى بعض الشواهد والأدلة على أن أمن الدولة ما زال يعمل في مصر تحت مسمى الثورة المضادة، ومنها ما سُمِّي بالفتنة الطائفية والبلطجية، ومنها حالة التوقف عن العمل في الشرطة التي يديرها أتباع حبيب العدلي؛ لمنع استمرار محاكمته وابتزاز السلطة بشل حالة الأمن في مصر، وهو ما يؤكد وجودهم، ولكنه وجود اليائسين أنهم يفعلون كما فعل نيرون يريدون حرق مصر بعد أن حرقوا أوراقهم، ولكن مصر لن تُحرق ما دام فيها الوعي والثورة يقظة.
ومن هنا أكرر لوزير الداخلية منصور العيسوي أن مطلب الشعب لا عودةَ لأمن الدولة تحت أي مسمى، وإلا إن أصررت على ما تريد فالشبهات ستحاصرك يا عيسوي.
----------