جماعة الإخوان المسلمين بأدبياتها وثقافتها وعقيدتها تتميز بجذور راسخة في نفوس شعب مصر وكل الشعوب العربية والإسلامية، وتمتد أفقًا ليطال فكرها وتصورها الحضاري؛ ما يتسع للتفاعل والاندماج مع الآخر من الأفكار والمدارس والتيارات والعقائد المتعددة في الأوطان، بل في العالم كله بكلِّ فلسفاته وتوجهاته ومدارسه ومعتقداته، ما دامت في إطار اختلاف تلك الأفكار وتنوع المعتقدات التي أقرَّتها المرجعية الإسلامية التي يدعون إليها ويتخذونها منهجًا لفكرهم؛ فهي ليست جماعةً منغلقةً أخذت من الدين ما يقعدها ويريحها من هموم الإصلاح وتضحياته وثمنه المكلف، فلم يقتصر فهمها للدين على شكليات تبعد عن الناس وهمومهم وطموحاتهم، كما فعلت الكثير من التيارات، كما أنها لم تختزل تطلعاتها في السعي للمراكز والمناصب والسلطة (البرجماتية)، كما يدعي كثير من غير المنصفين والكارهين بلا موضوعية، الذين يؤكدون من آن لآخر أن الجماعة هدفها السلطة، وتسعى لها، وتكرِّس جهودها لهذا الهدف، ورغم أنه حق شرعي ودستوري فإن المواقف والأحداث على مدار تاريخ هذه الجماعة؛ أكدت كذب هذه الادعاءات وانعدام موضوعيتها، فكيف لساعي السلطة وطالب المغنم أن يحتمل مصادرة الأموال والتعذيب والاعتقالات، بل وصلت إلى حدِّ تصفية الأرواح التي سبقتها العديد من محاولات الترغيب في المناصب.

 

فقد ألحَّ الرئيس الراحل أنور السادات على الأستاذ عمر التلمساني، رحمه الله، أن ينصبه إحدى الوزارات فرفض الرجل بقوة دون أدنى تردد، ويتواصل الإخوان ثباتًا على ذلك المبدأ رافضين ترشيح عضو منهم لرئاسة الجمهورية في الانتخابات القادمة، ولا شكَّ أن هذا يعد موقفًا يعبِّر عن قيمة للمسئولية الوطنية العظيمة، ويشير إلى الحنكة والذكاء، وقد رفض الإخوان بكلِّ مصداقية مبدأ المغالبة في مجلس الشعب، مرجحين مبدأ المشاركة كوسيلة أخلاقية سياسية؛ لإفساح الطريق للأحزاب والتيارات الأخرى؛ لتجد لها موطئًا سياسيًّا لخلق تيارات متعددة يكون بينها منافسة شريفة لمصلحة الوطن، بل لمصلحة الأمة العربية والإسلامية قاطبة، وإيمانًا منهم أن ما تمر به الأمة وما يحيطها من أوضاع سياسة محلية وعالمية تحتم مشاركة الجميع في اتخاذ القرار لمصلحة الوطن، ثم توالت على مدار العقود الماضية محاولات ترهيب الجماعة بكلِّ الأساليب البشعة والإجرامية من تلفيق وتعذيب وإعدام ونفي، فقد تمَّ إعدام المفكر والأديب سيد قطب، والشيخ محمد فرغلي، والمستشار الهضيبي، وعبد القادر عودة، وسبقهم مرشدهم الأول والمؤسس للجماعة الإمام حسن البنا، الذي نال الشهادة على أيدي مصرية، وقد نالت الجماعة على عهد البائد حسني مبارك أشرس وأشد أنواع القمع المفعم بالكره والبغض من اعتقالات ومصادرة الأموال والتعذيب البدني والنفسي، إذ لم يفلت من هذا القمع عضو واحد من أعضاء الجماعة.

 

لم تكن الجماعة توَّاقة للعمل السري السلمي إلا مضطرة بعد مطاردة شرسة من الحكومات المتعددة بعد ثورة 52 حتى اليوم، تلك الحكومات وهذه الأنظمة البشعة التي تكنُّ كرهًا شديدًا لأي عمل سياسي من منظور إسلامي يتخذ الإسلام مرجعية له، وشنَّت حملات أمنية وإعلامية بل واقتصادية على الجماعة قيادةً وأعضاءً، وأنفقت من أموال الوطن للقضاء عليها، بل وروَّجت لما يسمى بفزاعة الإخوان لدى الخارج والداخل، وبذلت لذلك كلَّ ما تملك من إمكانيات للقضاء على حركة الإخوان المسلمين كذبًا وزورًا وعدوانًا وبغير حقٍّ، وجعلت منها بكلِّ بجاحة جماعة محظورة، وكان ذلك إما حفاظًا على مكتسباتهم الحرام من نهب وسلب لأموال الشعب، وضمانًا لعدم وجود قوى حقيقية يمكن أن تنغص كراسيهم وتقلق سطوتهم على البلد، وإما لتحقيق حلم أسيادهم وحمايتهم وهم الصهاينة الذين كانوا يرضونهم بكلِّ الوسائل، متخيلين أن رضا الصهاينة ومباركة إسرائيل هي سر بقائهم في الحكم، ويمكن أن تحميهم من شعوبهم التي تصوروا أنها أصبحت في مصف القطعان التي لا عقل لها.

 

حاولت الجماعة جاهدةً أن تخرج إلى النور، وتعلن عن نفسها وبرامجها، ودعت الجماعة النظام تارةً والقوى السياسية والفكرية تارةً أخرى إلى إجراء حوارٍ لإنقاذ مصر من مستنقع الضياع والفساد والقهر الذي تعيشه، ولكن- بكلِّ فظاظة وتكبُّر وغطرسة- لا مجيب، وفي عام1995م أعلنت الجماعة أنها ستحقق مبدأ الشفافية، وستعلن عن انتخابات عامة لمجالس شورى الجماعة وانتخابات لمكتب الإرشاد، واستدعاء قوى محلية مختلفة لمراقبتها، وتكون على ملأ في أحد فنادق القاهرة؛ فسبَّب ذلك ذعرًا وهاجسًا مخيفًا للأجهزة الأمنية وللنظام الحاكم في مصر، فكيف لجماعة الإخوان المسلمين أن تظهر بهذا المظهر الحضاري الراقي أمام العالم كله وأمام القوى السياسية في مصر وأمام الشعب كله وهي الجماعة التي قضى النظام من أجل تشويهها ووصمها بالإرهاب تارةً والهمجية تارةً أخرى سنوات وعقودًا؟ فكيف لها أن تظهر بهذا المظهر الحضاري السلمي؟

 

وبسرعة إجرامية يندر لها مثيل اقتحمت قوات الأمن بيوت قيادات الجماعة التي دعت لذلك واعتقلتهم وأحالتهم إلى محاكمات عسكرية، وحكم عليهم بسنوات سجن ما بين ثلاث إلى خمس سنوات، وذنبهم في ذلك أن الجماعة قرَّرت الخروج إلى النور وإعلان الشفافية.
وفي عام 2007م أعلن المهندس خيرت الشاطر، النائب الثاني للمرشد العام للجماعة، أن الدولة إذا سمحت للجماعة بإشهار حزب سياسي فسيكون حزبًا لكلِّ المصريين، وسيعتمد على الشفافية، وسنعلن أسماء أعضائه على شبكة النت، فإذا بأنياب مجرمي النظام مرةً أخرى يشحذون هممهم الدنيئة ويقتحمون بذراعهم الأمنية منازل أربعين من رجال الأعمال وأساتذة الجامعات وعلى رأسهم المهندس خيرت الشاطر، ويحيلونهم بتهم ملفقة إلى المحكمة الجنائية بتهمة غسيل الأموال والانتماء لجماعة محظورة، تلك التهم التي برَّأهم منها القضاء المصري، مؤكدًا تلفيق التهم، وأنها كانت محاولات دنيئة لإقصاء فصيل مصري محترم يسعى للشفافية والخروج للنور للعمل بجوار كلِّ قوى الشعب.

 

وأبى حسني مبارك شخصيًّا إلا أن يدخل خيرت الشاطر السجن، ذلك رجل الأعمال الناجح، والسياسي المتميز، والعقل الفذ، وأحاله- ومَن معه من علماء ورجال أعمال- إلى محاكم عسكرية تأتمر بأمره، وبالفعل حكمت عليهم المحاكم العسكرية بأحكام تتراوح ما بين عشر سنوات إلى ثلاث، كان نصيب الشاطر منها سبع سنوات، وإن ربك لبالمرصاد!.

 

واليوم وبعد اندلاع ثورة كرامة المصريين وملحمة حريتهم وبناء مستقبلهم، والتي أبلى الإخوان فيها بلاءً حسنًا باعتراف الكثير من النخب والتيارات، والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح في هذه المرحلة: هل لا يزال يرى البعض أن الجماعة ستظل على ما هي عليه؟!

 

إن الجماعة التي لاقت وذاقت وبال أمرها من أجل حريتها وحرية الشعب الذي تنتمي إليه لا أعتقد أبدًا أن تظل بنفس الأسلوب، وتتبع نفس الوسائل التي كانت تتبعها مرغمةً، وهي الجماعة التي كانت تنادي دومًا بحرية الاجتماعات وحرية مؤسسات المجتمع المدني من نقابات ومؤسسات وجمعيات عامة وخاصة، وحرية الأحزاب وحرية الإعلام وغيرها، لا يُعقل أبدًا أن تستعمل نفس الآليات، والأمر ما يحتاج سوى الصبر ليرى الجميع أن هذه الجماعة هي أمل التغيير، وهي تمثِّل قلعة الحريات لمستقبل الوطن بل الأمة العربية كلها، ليس لمجرد قناعات شخصية فقط، ولكن من خلال عقيدة راسخة تربَّوا عليها، وكانت منهجًا لفكرهم ولدعوتهم.

 

وأقول لعملاء أمن الدولة الذين فقدوا مواقعهم ومكتسباتهم الدنيئة بعد سقوط النظام، وأقول لفلول النظام البائد الذين يريدون الانتقام وتصفية الحسابات مع الجماعة التي أسهمت بجهد كبير في إنجاح الثورة وإزاحتهم عن الساحة السياسية تمامًا وفقدان أموالهم الحرام، وأقول لبعض المنتفعين والمتسلقين الذين كانوا يبغون ويسعون لموطئ قدم في الجماعة لتحقيق مجرد منافع أو مصالح؛ أقول لكلِّ هؤلاء: إن جماعة الإخوان المسلمين ليست حزبًا سياسيًّا صاحب أفكار نظرية ومآرب نفعية كي تستطيعوا اختراقه وتفكيكه ودق أسافين للفتنة بين أعضائها، ولكنها جماعة- كما أسلفت وقلت- لها جذور عميقة، ولها أدبيات أصيلة قائمة على الحب والصدق والثقة والإخاء والشورى.

 

وأؤكد لكم أن أية محاولة لإحداث فتنة سيكون مصيرها الفشل، ولكم في النظام السابق البائد عظة وعبرة؛ الذي بذل الغالي والنفيس، وأنفق الكثير من أجل تشويه الجماعة وليس إحداث مجرد فتنة، ولكنه مُنِيَ بالفشل الذريع، بل وسقط بطريقة مهينة، والكل يعرف دور الإخوان في إسقاطه مع جموع الشعب التي فهمت اللعبة، ولم يعد في مقدور أحد، أيًّا كان، أن يخدع هذا الشعب، ويسيء إلى أحد أو يمدحه إلا بحيثيات ومبررات هي في حسابات الشعب فقط.

 

تابعت اجتماع فضيلة المرشد الدكتور بديع ومعه الدكتور مرسي للردَّ على تساؤلات الشباب وكانت كلمات المرشد تفيض إخلاصًا وصدقًا وزهدًا وورعًا، وشعرت أنه يحتضن بحنانه وصدقه شبابًا ثائرًا، وهو يؤكد لهم حبَّه لهم وحقهم في إدارة الجماعة مستقبلاً من خلال عملهم وإنتاجهم وصدقهم، وأن هذه الجماعة ليست جماعة نفعيات ولا وصولية، ولكن سندها الوحيد هو الحب في الله، وصدق السريرة، والعمل من أجل إصلاح الأمة ونهضتها يحتاج لرجال أوفياء مخلصين لأمتهم ومستقبلها.