هذه القصة ليست أحداثها من وحي الخيال، ولكنها قصة حدثت بالفعل في العهد البائد، عندما كان الظلم والبغي والاستبداد عنوانًا لمرحلة قاسية عاناها الشعب المصري كله، هذه القصة حكاها لي أحد رجال القضاء البارزين، وكان شاهدًا على بعض فصولها المأساوية وكل ما فعتله أنني وضعت الأحداث في قالب قصصي حتى يسهل قراءتها، والآن مع القصة:
جلس الضابط محمود عزيز ينفث دخان سيجارته في تلذذ وهو يراقب حلقات الدخان المتصاعد أمام عينيه حتى تتلاشى أمام نسمات الهواء البارد القادم من المكيف.
كان في حالة انتشاء وشعور طاغ بالنشوة، بدت عليه وهو يرفع قدميه على حافة مكتبه، ويؤرجح كرسيه الذي طالما حلم بالوصول إليه، لم يكن يصدق أن تتم ترقيته أخيرًا، ويصل إلى هذا المنصب الأمني الرفيع في جهاز أمن الدولة.
أخذ يتطلع في فاصل من أحلام اليقظة إلى حياته الجديدة، إنه يومه الأول في منصبه الجديد، لقد استعد له جيدًا، نظارات قاتمة اللون لإضفاء طابع من الغموض والرهبة، سيارة فارهة بزجاج فاميه لإضافة المزيد من الإثارة والأهمية على راكبها، نِمَر سوداء لتجنب إزعاج دوريات المرور، طاقم بدل جديدة يناسب أهمية منصبه الجديد.
فجأة وهو على هذه الحال رنَّ جرس الهاتف بجواره فانتبه من أحلامه وكاد يسقط من على مقعده الذي يؤرجحه، التقط السماعة سريعًا، فإذا به رئيسه في العمل يقول له: (صباح الخير يا محمود، مبسوط يا محمود، شدّ حيلك، عاوزك تكون نموذج مشرف، إنت لسه مستقبلك قدامك)، شعر محمود بسعادة غامرة تجتاحه من كلمات رئيسه، وأخذ يشكره عليها ويقول له: (إحنا تحت أمر سعادتك، إن شاء الله أرفع رأسك أكتر ما هي مرفوعة، ده شرف كبير لينا نشتغل تحت أمرك) انتهى الحوار سريعًا مع رئيسه، لكن تأثير المكالمة كان طاغيًا عليه، كاد أن يقفز من على الأرض من شدَّة الفرح.
وهو في هذه الحالة رنَّ الهاتف مرةً أخرى فجاءه صوت ضابط في رتبة أقل يقول له: (محمود بيه، في مظاهرة عاملينها العيال بتوع المعارضة في الميدان ضد الحكومة، أوامرك؟)، استشاط غاضبًا لإزعاجه بهذا الخبر الذي أخرجه من النشوة التي كان فيها، لكنه تمالك نفسه وقال للضابط- وهو يضفي على صوته لهجة وقورة تناسب مقامه الجديد-: (ابعت قوات مكافحة الشغب دلوقتي، وامنعوهم من الحركة أحسن عددهم يزيد، بسرعة مش عاوز تضييع وقت، ولو حد من ولاد (.... ) زودها شوية اعتقلوه فورًا، وبلغني بالتفاصيل أول بأول).
شعر بقلق بالغ يعتريه، وأخذ يكلم نفسه!!.. إنه يومه الأول في منصبه الجديد وتحدث هذه المشكلة، لا يمكن أن أفشل في إدارة هذا الموضوع، أخذ يقطع الحجرة ذهابًا وإيابًا، طلب كوبًا من القهوة، سرعان ما جاءته، أخذ يشرب السيجارة الواحدة تلو الأخرى، ولم ينجح المكيّف في إخفاء الدخان الذي ملأ الغرفة، لم يعد ينتظر أن يتصل به الضابط، بل سارع هو للاتصال به، سأله عن الجديد قال له الضابط مرتبكًا: (القوات) في طريقها إلى المكان يا محمود بيه، انفجر في وجهه قائلاً: القوات لا تزال في الطريق، وأخذ يسب ويلعن بشتائم وألفاظ نابية أصبحت اعتيادية في عالمه، مستنكرًا تأخر القوات في الوصول للميدان.
رنَّ جرس الهاتف الآخر فإذا به رئيسه في العمل، أغلق السماعة في وجه الضابط، وبدأ يحادث رئيسه في ليونة ووداعة من جديد، لكن لهجة رئيسه لم تتجاوب مع وداعته وكان باديًا عليه الجدية وهو يقول: (فيه إيه يا محمود، في تقارير وصلتني إن في مظاهرة في الميدان من ساعة، ولسه لم يتم السيطرة عليها، إنت كده هتغير فكرتي عنك).
شعر محمود بقلق وخوف هائل، وهو يرد على رئيسه في فزع ويرمي بالمسئولية على الضابط والقوات التي لا تزال في الطريق، جاءه صوت رئيسه قاطعًا كلامه: (أول درس ليك وأتمنى ألا يكون الأخير كذلك!!، نحن لا نقبل الأعذار أو المبررات إحنا بنفكر بس في النتائج وبنقيّم على أساسها، هاتصل بيك كمان شوية وشوفك عملت إيه).
جنَّ جنونه!!، خرج من مكتبه مسرعًا، غير عابئ بمن يسلم عليه، استقلَّ السيارة متوجِّهًا إلى الميدان ليشاهد الأمر على طبيعته، كاد يصطدم بأكثر من سيارة وهو في طريقه مضطرب القلب، واجس النفس، تجاوز كل إشارت المرور، شاهد القوات وهي في طريقها إلى الميدان، احمرَّ وجهه أكثر حتى تجاوز سيارات الأمن ووصل قبلهم إلى موقع المظاهرة، كان المتظاهرون قد أنهوا وقفتهم وانصرفوا، فاستولى عليه الخوف، ما الذي حدث؟!، هل انتهت المظاهرة هكذا ببساطة دون تدخل من الأمن؟، شعر بيأس بالغ يستولي عليه، ماذا سيقول لرئيسه؟، المظاهرة انتهت بدون ردع!!، هل سيكون يومه الأول في العمل هو يومه الأخير؟!، أخذت الأفكار السوداء تجتاحه وبينما هو على هذه الحالة استيقظ شيطانه وقال له: إنه مستقبلك، جاهك، سلطانك، إياك أن تضيعهم، فكر في حلٍّ فأنت أذكى مني في ذلك!.
أخذ ينظر من زجاج سيارته وهو يتلفت يمينًا ويسارًا يبحث عن حلٍّ ينقذ به مستقبله، فإذا بفكرة شيطانية تلمع أمام عينيه، خرج من السيارة مهرولاً، توجه إلى إحدى سيارات الأجرة طلب من سائقها النزول، عرف نفسه له، شعر السائق بالخوف يجتاحه، شعر محمود بالرضا من حالة الخوف التي أصابت السائق، قال له في لهجة مخيفة فزع لها السائق: (أنا عاوزك تملا عربيتك ناس دلوقتي، شوف أي خط مواصلات زحمة ونادي على الناس علشان توصلهم هناك، وأنا همشي قدامك بعربيتي وأنتى خلفي، تِفْضَل ماشي ورايا لغاية المكان اللي أنا رايحه، بسرعة فورًا قبل ما تروح ورا الشمس).
انطلق السائق فزعًا ينادي على الركاب، وينفِّذ التعليمات، والركاب تتصارع فيما بينها على مَن يحجز مقعدًا بعد أن أعياهم الوقوف، وأخذت المشادات تحدث بينهم، والسائق يسب ويلعن ويأمرهم بالإسراع، حتى امتلأت السيارة فوق طاقتها بكثير، وأحمد يراقب المشهد من بعيد فانشرح صدره، وأخذ يتحرك بسيارته وسيارة الأجرة تسير خلفه، حتى انحرف عن الطريق متجهًا إلى مقرِّ عمله الجديد، فانحرفت سيارة الأجرة خلفه، شعر ركاب السيارة بالدهشة من انحراف خط السير!!، أخذ كل واحد من الركاب يتطلع إلى عين الآخر منتظرًا أن يسأل أحدهم السائق عن سبب تغيير خط السير المعتاد، لكن ظلَّ الصمت سيد الموقف، حتى وجدوا أنفسهم فجأةً يخرجون عن الطريق الرئيسي ويتجهون إلى أحد المباني ذات الأسوار العالية، عندها بدءوا فقط في الصياح بالسائق (انت رايح بينا على فين؟!)، فقال لهم السائق- في سخرية ممتزجة بالغضب والسخط-: لسه فاكرين تسألوا إحنا راحين على فين؟! على داهية إن شاء الله.
دخل محمود إلى ساحة المبنى، نادى على عساكر الحراسة بصوت عالٍ تحلَّقوا حوله بسرعة، أشار بيده إلى سيارة الأجرة، قائلاً لهم: اعتقلوا هؤلاء المجرمين مثيري الشغب بسرعة، فاندفع العساكر يحيطون بالسيارة وفوَّهات بنادقهم تُرفع في وجه الركاب، ويأمرونهم بالخروج ورفع أيديهم، وهم في حالة من الرعب والصدمة، جعلت بعضهم يبلل بنطاله، وقد ألجمت الدهشة والخوف ألسنتهم، جلس السائق في مكانه مطمئنًّا، فإذا بأحد العساكر يلكزه بعنف بطرف بندقيته ويأمره بالنزول، فصرخ في الجندي: أنا معاكم، فالتفت العسكري إلى محمود بيه، ينتظر إشارته، فقال له: (ده أول كلب تعتقله!!) فأخذ الرجل يصيح ويبكي، فلكزه العسكري مرة أخرى؛ حتى سقط على الأرض.
فجأة رنَّ جرس الهاتف النقال، فتح محمود بيه الخط، فإذا به يجد رئيسه يسأله دون سلام (عملت إيه)، فرد عليه مسرعًا، كله تمام يا باشا، إحنا حاصرنا العيال بتوع المظاهرة واعتقلنا عددًا كبيرًا منهم دلوقتي!!، فجاءه رد رئيسه: أيوه كده يا محمود هو ده الشغل، مستقبلك كان على المحك، فرد عليه محمود بيه فرحًا، وسط صراخ ونحيب الركاب من حوله، اطمئن يا باشا مصلحة البلد فوق كل اعتبار، وكله تمام يا باشا!!.