مع بداية شرارة ثورة الخامس والعشرين من يناير انتهى زمن الخوف لدى الشعب المصري، ومع يوم 28 كانت هناك قناعة لدى الجميع بأن التغيير لا بد له من تضحيات، وأن الثورة لا بد لها من وقود حتى تشعل لهيبها، وهو ما حدث مع شهداء الثورة المصرية الذين تجاوز عددهم 700 شهيد وأكثر من 6 آلاف جريح!.

 

إلا أن الحالة الأبرز في هذا المشهد هو أمهات الشهداء اللائي استقبلن أخبار استشهاد ذويهن بفرحة لم يكن أحد يتخيلها؛ ما جعل المشهد المصري وكأنه إعادة للمشهد في أرض الرباط، أرض فلسطين الحبيبة؛ حيث تقدم الأمهات أولادهن من أجل تحرير الأرض وحماية المال والعرض.

 

(إخوان أون لاين) زار أسر الشهداء والمصابين، والتي لم تُخفِ حزنها على رحيل ذويها، ولكنها في الوقت نفسه طالبت بقية الأمهات بالاستمرار في نفس الدرب، مطالبين أهل الخير الذين أعلنوا أنهم سوف يتكفلون بأسر الشهداء بإلقاء نظرة على أوضاع عدد كبير منهم؛ حيث كان الشهداء هم العمود الفقري لحياتهم.

 

بدايتنا كانت مع والدة الشهيد مصطفى الصاوي، التي أكدت أنها تعاني الكثير من بعد فراق ابنها؛ حيث كان الابن الوحيد الغير متزوج، وبالتالي كان يقوم بتلبية كل مطالبها، وإصلاح كل الأعطال بمنزلها، كما كان يقوم بخدمة أخواته المتزوجات ورعاية أبنائهن، مؤكدةً أن كل فرد في الأسرة من أصغرهم إلى أكبرهم افتقده بشكل كبير جدًّا بعد رحيله.

 

وأكثر ما يؤثر فيها بشدة هو افتقادها ودّ وبساطة مصطفى التي كان يقدمها لكل من حوله من أفراد الأسرة؛ فتقول: "مصطفى كان دائم الاهتمام بمشكلات كل شخص فينا، ومراعاة مشاعرنا لأقصى درجة ممكنة، وهو ما يترك جرحًا وآلامًا في صدورنا إلى الآن".

 

ووجهت أم الشهيد حديثها إلى كل الأسر المصرية، قائلةً: "لا تشعروا بما أشعر أنا به كأم، ولكن أناشدكم أن نقف جنبًا إلى جنب؛ حتى نحصل على حق أولادنا من المجرمين، وبالتالي تضمنون ألا يحدث ذلك بأولادكم في المستقبل، وإن صمتُّم وتخاذلتم وتنازلتم فلا تلوموا إلا أنفسكم إذا أصابكم ما أصابنا".

 

افتقدنا الفرحة

أما والدة الشهيد أحمد سمير فإنها توجه كلمةً إلى كل أم مكلومة مثلها، بأن عليها الصبر والاحتساب، وأن تتذكر أن الشهيد يرى مقعده في الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويتحقق فيه قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "للشهيد عند الله ست خصال: يُغفر له في أول دفعة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويُجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار؛ الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها، ويزوَّج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفع في سبعين من أقاربه".

 

وتناشد أسر الشهداء ضرورة الرجوع إلى الله، ومحاسبة أنفسهم، ومشاركة الجميع في الخير والتعاون في كل شيء، فتقول: "فلا يمكن أن تكون حياتنا مجرد أن نأكل وننام فقط، فلا بد أن يكون لنا نفس الهدف الذي بدأه شباب الثورة، ويجب أن نكمل لنهاية المطاف، فيكفي أن الشهيد رفع رأس مصر كلها، ودم الشهداء أمانة في رقبة كل واحد منا؛ فلا بد أن يغير كل فرد من نفسه وأهله وجيرانه أولاً، بالرجوع إلى لله سبحانه وتعالى، وهو سوف يهوِّن علينا كل شيء".

 

بلا أب ولا أم!

أما والدة الشهيدة نوال عبد الفتاح، فقالت لنا: "الحمد لله على كل حال؛ أهم شيء الآن أن البلد يصلح حالها، مشيرةً إلى أن نوال كان عندها خمسة من الأبناء أصبحوا فجأةً بلا أم!!.

 

ودعت أم نوال أمهات الشهداء بأن يتفاءلن؛ لأن الله سيعوضهن- حتمًا- خيرًا، فهو لن يُذهب دم الشهداء هدرًا أبدًا".

 

وتشير إلى أن أنهم افتقدوا أشياء كثيرة جدًّا بفقدانها، فهي كانت نموذجًا للروح الجميلة، مؤكدةً أنها تشعر بوجودها الآن بينهم، كأنها لم تمت.

 

وعن حال أولادها تقول: "ليس لهم إلا الله، لأن نوال كانت تعمل وتعول أولادها؛ حيث إنها كانت مطلقة، ولا يوجد لأطفالها الآن إلا الله ثم نحن". 

 

بكاء ونحيب!

 الصورة غير متاحة

أم الشهيد أحمد أبو بكر

أما والدة الشهيد أحمد أبو بكر، التي لم تتمالك نفسها، وأخذت تجهش بالبكاء عندما سألناها عن الشهيد؛ فقالت إن ابنها كان يبلغ من العمر 32 عامًا، وهو متزوج، ولديه طفل وحيد، اسمه كريم، موضحةً ان ابنها كان في ميدان التحرير ليرفع رأس بلاده ويخلصها من الفساد ولكنه أصيب يوم السبت 29/1 وتوفاه الله يوم 30/1 إثر رصاصة في الجمجمة على يد أحد القناصات.

 

والدة أحمد قالت إن كل مطالبها هو سكن آمن ومبلغ مالي لزوجة ابنها؛ حتى تستطيع أن تنفق على طفلها، خاصةً أن أحمد كان يعمل بيده؛ أي ليس له دخل ثابت.

 

أما هبة عبده، زوجة الشهيد أبو بكر، فتقول إنها كانت تتصل به لتطمئن عليه، ففوجئت بشخص يرد عليها؛ ليخبرها أن زوجها أصيب برصاصة في الجمجمة، وتقول إنني لم أتمالك أعصابي ففقدت الوعي لفترة ولم أقل إلا حسبي الله ونعم الوكيل.

 الصورة غير متاحة

زوجة الشهيد أحمد أبو بكر وابنه تحمل ابنها كريم

 

وتستكمل أنها كانت تشجعه دائمًا على النزول إلى ميدان التحرير؛ حتى يحصل على وظيفة وشقة جيدة، وتؤكد أن زوجها كان ينزل لميدان التحرير لهذا الهدف، فلماذا يقتل؟ وعندما سألناها عن آخر جملة قالها لها الشهيد قالت قال لي قبل أن يخرج يوم السبت: "خلي بالك من نفسك ومن كريم، ولا اله إلا الله".

 

وتضيف أن كريم ابنها لا يدرك ما حدث؛ فهو ما زال طفلاً ولكنه دائمًا يسأل عن والده، وأنها لا تجد ما تقوله له إلا أن أباه عند الله، وأنه ضحَّى لأجله، مطالبةً بالقصاص ممن قتل زوجها وحرمها هي وابنها منه، ودعت زوجة الشهيد أهل الخير الذين قالوا إنهم سوف يتكفلون بأسر الشهداء إلى دعمها هي وطفلها؛ فهي تسكن في شقة متواضعة للغاية، وإن لم تدفع الإيجار فسوف تكون في الشارع.

 

لم أفرح به!

 الصورة غير متاحة

 والدة الشهيد عصام منصور

أما والدة الشهيد عصام منصور سعيد عبد اللطيف فتوضح أن ابنها كان يبلغ من العمر 18 عامًا، وكان يسكن بالمثلث في حلوان، وهو يعمل مع والده في محل خردوات، وعن آخر اللحظات التي جمعته بها تتذكر قائلةً: ابني كان خارجًا لميدان التحرير مع أصحابه وقال لها: "أنا نازل يا أمي عشان البلد"، فقالت له لا تنزل، إلا أنه أصرَّ على النزول، وكان ذلك في يوم 25 يناير، ولم يعد للبيت بعد ذلك، ولم تستطع الاتصال به؛ حيث إنه ترك هاتفه المحمول في المنزل، وتقول إن أحد الأشخاص اتصل بها وأخبرها أن عصام في مستشفى بولاق الدكرور، وعندما ذهبت إلى المستشفى أخذت تبحث عنه فوجدته في ثلاجة الموتى بعد أن مكث فيها خمسة أيام.

 

وعندما سألناها عن سبب الوفاة قالت إنه أصيب يوم 25 يناير بطلق ناري في فخذه وكدمات بالرأس والصدر، وقام أحد المتظاهرين باصطحابه للمستشفى وأُجريت له عملية ونجحت، إلا أنه بعدها بيومين- وكما أخبروها في المستشفى- فقد قامت قوات الأمن بضرب القنابل المسيلة للدموع قرب المستشفى، وأن الغاز كان يتسرب إلى حجرة المرضى؛ ما أدَّى إلى اختناق عصام بغاز القنابل المسيلة للدموع.

 

دخلنا الوحيد!

 الصورة غير متاحة

والدة الشهيد محمد زكي أحمد

أما الشهيد محمد زكي فتقول والدته إنه كان يبلغ من العمر 22 عامًا، ويسكن مع أسرته في عرب الوالدة بحلوان، وتضيف أنه لم يستكمل تعليمه؛ حيث إن والده متوفَّى، وإخوته محمود وإسلام وآية ما زالوا صغارًا، فترك التعليم ليصرف على أمه وإخوته وكان يعمل فرارجيًّا.

 

وتستكمل أنه أخبرها أنه سيخرج بعد الشغل مع أصحابه إلى التحرير، ثم اتصل بها أحد أصحابه ليخبرها أنه أصيب في ميدان التحرير، ونقل إلى القصر العيني الفرنساوي، وتستكمل أنها ذهبت إلى هناك لتجد ابنها ومعه عشرون آخرون من الشباب متوفين.

 

وعن سبب الوفاة تقول إنه أصيب برصاصة في البطن واتهمت الحكومة بمقتل ابنها الشهيد، وتتهم العاملين بالقصر العيني الفرنساوي بالإهمال، وأنهم رفضوا تسليمهم الجثة إلا عند دفع مبلغ كبير من المال، وقام أصدقاؤه بجمع المبلغ من بعضهم ودفعوه وأخرجوا جثة الشهيد محمد، وطالبت والدة الشهيد بإعدام كل من قتل ابنها وغيره من الشباب المظلومين.

 

صدمة

 الصورة غير متاحة

والدة الشهيد سعيد عبد العال تجلس بجوار أخت الشهيد

التقينا أيضًا بشقيقة الشهيد سعيد عبد العال عبد القوي، والذي كان يبلغ من العمر 33 عامًا والتي روت لنا أن شقيقها نزل إلى ميدان التحرير ليطالب بحقه وحق غيره من الناس؛ حيث إنه تقدم بطلبات عمل في كل من شركة الكهرباء وشركة الحديد والصلب وغيرها، ولكنه لم يشتغل بعد.

 

وتضيف أنه أصيب في التحرير يوم الجمعة 28 يناير برصاصة بين القلب والرئة، ونقل إلى مستشفى القصر العيني الفرنساوي، وأجريت له عملية وعندما فاق أعطاهم رقم هاتفي وبعدها حدث له نزيف حادٍّ أدَّى إلى الوفاة.

 

وعن ردود الفعل الأسرية بعد خبر الوفاة فتقول إن إحدى الفتيات اتصلت بي، وقالت إن سعيد مكسور في المستشفى، وعندما ذهبت إليه وجدته ميتًا منذ لحظات، وتضيف: في البداية لم أستوعب، ولكن عندما رأيته صدمت صدمة هائلة، أما أمي فأصيبت بغيبوبة سكر لمدة ثلاثة أيام، أما الوالد فأخذ يحمد الله علة أن ابنه مات شهيدًا.

 

وطالبت بإعدام حبيب العادلي في ميدان التحرير؛ هو وكل من شارك في قتل المتظاهرين.

 

خلف الكواليس!

أما شعبان ابن أخت الشهيد عبد العال، فكشف لنا أن هناك تزويرًا حدث مع خاله؛ لإخفاء جرائم القتل، موضحًا أن تقارير مستشفى القصر العيني الفرنساوي كلها مضروبة على حد تعبيره، فيقول إن هناك تقريرين يصفان سبب وفاة الشهيد سعيد؛ الأولى للدكتور طارق حجازي بأن سبب الوفاة نتيجة كدمات متفرقة بالجسم، والتقرير الثاني بأن سبب الوفاة كان من تصادم سيارة، موضحًا أن كلا التقريرين الغرض منه التضليل؛ حيث كان سبب الوفاة الحقيقي هو أنه طلق ناري كما أخبره شهود العيان.

 

شهيد خارج الميدان

والدة الشهيد سعيد محمود حسن أحمد، والتي أخبرتنا أن الشهيد كان يبلغ من العمر 29 عامًا، وكان متزوجًا ولديه طفلان، وتقول إنه لم يشارك في مظاهرات التحرير، ولكنه كان أحد المسجونين بسجن القطة، وتضيف أنها ذهبت لزيارته كعادتها يوم السبت بعد جمعة الغضب، فقابلها أحد الضباط وسألها هي وأقاربه: "انتو تبع سعيد" فقالوا: "نعم"، فقال لهم إنه أصيب في قدمه، وعندما ذهبوا إلى مستشفى أوسيم بالمناشي وجدوه ميتًا إثر رصاصة في بطنه، وذلك يوم 31 يناير.

 

وتطالب بمعاقبة مسئول السجن ومعاونيه ومعاقبه من أطلق النار على ابنها وزملائه ومن أعطى الأمر بضرب النار عليهم؛ حيث إن ابنها وغيره لم يكن لهم أي ذنب فيما حدث، فهم مجرد مسجونين لم يتظاهروا ولم يذهبوا إلى ميدان التحرير.

 

بداخلي نار!

أما والد الشهيد محمد محمد فتحي فتحدث لنا قائلاً إن الشهيد كان يبلغ من العمر 23 عامًا، وكان خاطبًا، وسيتزوج هذه الأيام، وكان يسكن معه في عرب الوالدة، وأنه لم ينزل التحرير، ولكنه نزل إلى مسجد المراغي في جمعة الغضب، وكان يمسك بلوحة كتب عليها: "عاوز شغل"، فهو وزملاؤه من التدريب المهني لا يجدون عملاً.

 

وعن سبب الوفاة يقول: أصيب في حلوان يوم 28 يناير، وتوفي يوم 29 يناير إثر ثماني رصاصات في القصبة الهوائية وفي المخ، ويطالب بأخذ حقه من وزير الداخليه السابق، حبيب العادلي، ويضيف أنه تقدم ضده ببلاغ إلى النائب العام.