يقول الأستاذ الإمام- يرحمه الله-: والإسلام الحنيف يعلن الحرية ويزكيها ويقرها للأفراد والجماعات والأمم كذلك بأفضل معانيها، ويدعوهم إلى الاعتزاز بها والمحافظة عليها، ويقول نبيه صلى الله عليه وسلم: "من أعطى الذلة من نفسه طائعًا غير مكره فليس مني" رواه الطبراني في الأوسط.

 

وهو يحارب هذه اللصوصية الدولية التي يسمونها الاستعمار، ولا ترضي تعاليمه أبدًا بأن تسود أمة أو يرهق شعب شعبًا آخر، ولا تزال كلمة الفاروق ترن في الأذن حين قال لعامله عمرو بن العاص: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟" (رسالة مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي).

 

وحين سُئل- رحمه الله- عن موقفه من الاحتلال قال: "إن الاحتلال هو البغي بعينه لا يقبل به المسلمون"


تساؤلات لقرن جديد


وأمام تحديات هائلة وعقبات جسيمة من شأنها كسر الإرادات كالاحتلال والاستعمار يبدي الرجل توازنه واعتداله، فيعلن عن استعداده للتفاوض والتحاكم متى أدى للحق الكامل، يقول رحمه الله: "ومع هذا فقد رحَّب الإسلام بالوسائل السلمية لحسم الخلاف وإنهاء الخصومة متى أدَّت هذه الوسائل إلى الاعتراف بالحق الكامل لأصحابه (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) (الأنفال: من الآية 61)، ومن السلم المفاوضة إذا أوصلت إلى الحق الكامل، وقد فاوض رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديبية.

 

ومن السلم التحاكم إذا أدَّى إلى الحق أيضًا، وإن كنا لا نعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أحدًا من خلفائه الراشدين المهديين رضي بتحكيم كافر إلا أنه مقتضى عموم الآية ولازم الاتفاق على الخير الذي لا يمنعه الإسلام بين المسلمين وغيرهم متى كان فيه مصلحة لهم، وليس فيه ضرر عليهم.

 

فبدا الرجل واقعيًّا في طرحه رغم قدرته على الخيال، ورغم واقعيته كان لا يهاب الواقع ويراه مرفوضًا ما دام قد أعد عدته وأخذ أهبته، ويرى أن استحالة تغييره التي يتعلل بها الواقعيون ليست في دنيا الواقع، بل هي في قلوبهم هم، وأعلن أنه سوف يتجاهلها؛ لأنها تعني أن يبقى السادة سادة والأجراء أجراء، وأن قصة التاريخ هي في الحقيقة قصة التغيير الدائم وتحقيق المستحيل وغير المتوقع.

 

وكان قد تكلم مرة عن الإسلام، فذكر أن الحرية فريضة من فرائضه، وأن الحكومة جزء منه.
وكان- رحمه الله- يرى أن الاستقلال الفكري والروحي مقدمة للاستقلال السياسي والاجتماعي، ودعا إلى تربية النشء الجديد على استقلال القلب والنفس، واستقلال العقل والفكر، واستقلال القلب والعمل والجهاد؛ لأن التعليم إذا كان لا يُعَلِّم الفرد كيف يفكر بطريقة استقلالية لا يكون إنسانيًّا؛ لأنه يقدم إجابات جاهزة بدلاً من توسيع أفقه، وبالتالي حريته.

 

عندما وهب الله الحرية للإنسان وأنذره بالعقاب أكد على قيمته الإنسانية، لذلك كان أي تلاعب بالناس حتى ولو كان في مصلحتهم دون الرجوع إليهم أمر لا إنساني.

 

والتفكير بالنيابة عنهم أمر لا إنساني كذلك، فلندع الإنسان يجاهد بنفسه بدلاً من أن نقوم بعمله نيابة عنه (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ (4)) (البلد).
فإن تعاقب الإنسان على ما يعتقد ويختار أكثر إنسانية من إجباره على التخلي عنه أو التبرؤ منه.
إن هناك كما يقولون عقوبات إنسانية وعفو لا إنساني عندما يطلب منه أن يتأسف أو يغير رأيه حتى يصفح عنه، إن القدرة على الاختيار هي أعلى شكل من أشكال الوجود.

 

إن قضية الخلق هي في الحقيقة قضية الحرية الإنسانية؛ لذا فكل مناقشة تدور حول كيف يحيا الإنسان تأخذنا للوراء، إلى أصل الإنسان حيث حريته ومسئوليته.

 

إن إنكار الحرية هي إنكار لله؛ لأن الاعتراف بحرية الإنسان ومسئوليته إنما هي اعتراف بوجود الله؛ لأن الله وحده هو القادر أن يخلق مخلوقًا حرًّا، وهنا تتجلى عظمة الخلق الإلهي الذي لا يمكن تكراره.

 

وإذا كان في الأديان دين يجتبي القبيلة بنسبها أو يجتبي المرء قبل مولده لأنه مولود فيها، أو كان في الأديان دين يحاسب المرء على خطيئة ليست من عمله، فإن الإسلام ليس فيه مَن ينجو بالميلاد أو يهلك بالميلاد، ولكنه الدين الذي يوكل فيه النجاة والهلاك بسعي الإنسان وعمله، إنه ليأبى على المرء أن يحيل أعذاره على آبائه وأجداده، كما يأبى له أن تحال عليه الذنوب والخطايا من أولئك الآباء والأجداد.

 

ويلحق بالحرية مبدأ المساواة المطلقة بين البشر فهي حجر الزاوية في الأديان المنزلة، وحين يعلم الناس أنهم عبيد لله ينتفي القهر والتسلط فليس هناك معصومون ولا مهديون ولا حكماء فوق حكمة البشر، فليست هناك سلطة مطلقة إلا سلطة الله.

 

وفي الوقت الذي يعلن فيه الإسلام أنه لا إرث إلا في المال يعلن أن البشر لا يورثون، فهم كما ولدتهم أمهاتهم أحرار.
--------------
المراجع:
- رسالة بين الأمس واليوم                       الإمام البنا
- مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي             الإمام البنا
- الإسلام بين الشرق والغرب                     عزت بيجوفيتش
- الإسلام وأزمة المثقفين                         د. محسن عبد الحميد
- التفكير فريضة إسلامية                        عباس محمود العقاد