في تونس الشقيقة تتأكد حقيقة أن الجلاَّد لا يستطيع أن يحمي سيده الطاغية مهما تسلَّح  بالأجهزة والسياط وغرف التعذيب المقبضة، فقد كان السافاك الإيراني يملك أحدث آلات التعذيب البشعة، وأقوى آلات القمع والأذى المتقدمة، لكنه في النهاية أخفق في حماية الطاغية شاهنشاه الملوك والسلاطين، واضطر الجلادون إلى الهروب قبل سيدهم إلى أرجاء العالم، فقد فشلوا فشلاً ذريعًا أمام حَمَلة الأكفان الذين تربَّعوا في شوارع طهران وقم ومشهد وهمدان وكرمان ويزد وأردبيل وماز يندران وأصفهان، وغيرها من المدن الفارسية، يصرون على الشهادة أمام الرصاص الحي وقنابل الطائرات التي تقصفهم بلا رحمة، كان الدم أقوى من السيف ومن السوط جميعًا.

 

في تونس الخضراء لم يستطع الرصاص الحي أن يُسكت الثورة الشعبية غير المنظمة التي امتدَّت إلى أرجاء البلاد المختلفة، واضطر الطاغية إلى أن يستجدي الناس التفاهم والحوار؛ وهو الذي استكبر واستعلى على الحوار ثلاثة وعشرين عامًا، كان فيها يرفض أن يسمع صوت أحد غير صوته وصوت جلاَّديه، ولم يتحاور مع أحد غير صوت المنافقين وأبواقه وكلاب الحراسة التي تعقر كل صوت حر شريف، وتنهش كل جسد كريم يتأبَّى على الهوان والعبودية.

 

كان رئيس جهاز الأمن الخاص بالطاغية يعد سيده بأنه سينهي الاحتجاجات، وسيعيده إلى العرش أقوى مما كان، ولكنه لم يستطع؛ حيث صار في قبضة من أدخلوه إلى حيث أدخل الناس، ورأى ظلام الجدران السوداء، والأيام التي لا يعرف لها ليلاً من نهار.

 

تنقل جريدة "القدس العربي" التي تصدر في لندن عن مصدر تونسي موثوق ما جرى في اللحظات الأخيرة قبل فرار الطاغية، فتنقل صورةً من أحطِّ صور الإجرام والوحشية التي اتفق عليها الطاغية الهارب والجلاَّد الذي لم يستطع أن يحميه ويثبت عرشه، يقول المصدر الموثوق للجريدة في عددها 23/1/2011م:

"المعلومات التي توفرت له تفيد بأن بن علي فرَّ صباح الجمعة 14 كانون الثاني (يناير) على متن طائرته الخاصة من ثكنة "العوينة" المحاذية لمطار تونس قرطاج قرب العاصمة.

 

وكان بن علي- حسب المصدر القريب من دوائر الحكم- بصحبة زوجته وبعض بناته ومرافقين من الأمن الرئاسي، وذلك بحراسة مشددة قوامها موكب كبير من سيارات الأمن الرئاسي، قاده (الجلاد) الجنرال السرياطي شخصيًّا، وتابع المصدر: "اعتقال الجنرال السرياطي تمّ مساء الجمعة على يد الجيش بعد أن تبيَّن تورطه في إعداد عصابات مسلحة كانت تعتدي على المواطنين وتقتل وتنهب الممتلكات، لكن الإعلان رسميًّا عن اعتقاله هو الذي تم بعد 3 أيام من فرار بن علي".

 

وتحدث مصدر "القدس العربي" عن لقاء مثير بقصر قرطاج (الرئاسة) بعد تسجيل آخر خطاب للرئيس المخلوع بثه التلفزيون مساء الخميس، نحو 24 ساعة من إعلان فرار بن علي، وقال إن الاجتماع الحاسم ضمّ ثلاثة أطراف هي: بن علي، والجنرال السرياطي، والجنرال رشيد عمار، قائد أركان الجيش الذي عصى سابقًا أوامر بن علي بإشراك الجيش في قمع الانتفاضة، تم خلال الاجتماع- حسب المصدر- الاتفاق على أن يُعلن من الغد الجمعة حظر تجوال ليلاً في حالة فشل خطاب بن علي الأخير في إيقاف الاحتجاجات الشعبية التي كانت تحدث بالنهار وبالليل أيضًا، وكانت قد بلغت مدى خطيرًا.

 

كان ذلك آخر خطاب يلقيه بن علي وظهر فيه مهزومًا ومهزوزًا بطريقة لم يره عليها التونسيون والعالم من قبل.

 

وتابع مصدر "القدس العربي" يقول إن شخصًا ثالثًا كان بانتظار بن علي في القصر الرئاسي ساعة الاجتماع، هو محمد الغرياني، أمين عام التجمع الدستوري الديمقراطي (الحزب الحاكم آنذاك)، وقال إن الغرياني التقى بن علي بعد الاجتماع وطلب منه إرسال أعداد من المناصرين على متن سيارات إلى شارع الحبيب بورقيبة بوسط العاصمة؛ لمناصرته وتنظيم مظاهرات احتفاء بالخطاب.

 

ويبدو أن ذلك حدث فعلاً إذ نقل التلفزيون التونسي في تلك السهرة مشاهد ابتهاج وعشرات المحتفلين يحملون صور بن علي ويشيدون بخطابه في شارع بورقيبة.

 

ومضى المصدر قائلاً: "الذي حصل من الغد، الجمعة، هو أن الخطاب فشل في تهدئة الشارع فقرر بن علي- بنصيحة من الجنرال السرياطي- الفرار فورًا إلى الخارج صباحًا"، وتمَّ القبض على السرياطي بمنطقة العوينة بالعاصمة مساء الجمعة على أيدي قوات الجيش التي كثفت انتشارها بالعاصمة.

 

وقال المصدر إن مدير الأمن الرئاسي أشرف قبل أربعة أشهر من بدء الاحتجاجات الشعبية على تدريب ميليشيات خاصة من خارج أعوان الأمن الرئاسي تمَّ تأجيرها، لافتًا إلى أن قيادات من جهاز الأمن الرئاسي ساعدت في تلك التدريبات، وتابع: "تدريب وتأجير هذه الميليشيات كان أمرًا غير مفهوم، لكن الثابت أن تشكيلها كان بأمر مباشر من بن علي"، ومضى يقول: "كان أعوان الأمن العاديون هم المكلفين بالتعامل مع المحتجين، لكن بن علي أعطى تعليمات بعد ذلك عن طريق الجنرال السرياطي، بالتزامن تمامًا مع ظهوره الثاني في التلفزيون بإطلاق العنان للميليشيات المسلَّحة للشروع في قتل المدنيين والنهب والسلب والفوضى".

 

وعن الغرض من ذلك التحوّل الخطير من بن علي، قال مصدر "القدس العربي": "كانت محاولة منه (بن علي) للتسويق إعلاميًّا لكذبة أن هناك عصابات إرهابية ملثمة تعتدي على الناس وأمن البلد؛ حتى يتسنَّى له الانتفاع مجددًا بفزّاعة الإرهاب لتبرير قمع الاحتجاجات وتشويه صورة الانتفاضة الشعبية، وكان بن علي نعت المتظاهرين في خطاب سابق بـ"الإرهابيين والمأجورين للخارج".

 

وتابع أن هذه العصابات "تمتلك أسلحة قنص دقيقة وأموالاً وافرةً، وبعد اعتقال السرياطي وعدد من قيادات الأمن الرئاسي ظلَّت تجوب البلاد دون قائد، لكنَّ قوات الجيش والأمن تمكنت من اعتقال أفرادها بعدد من مدن البلاد" في الـ24 ساعة اللاحقة.

 

ونفى المصدر أن يكون السرياطي قد فكر في الانقلاب على بن علي لأنه (السرياطي) يدرك سلفًا أن أي انقلاب رئاسي يجب أن يوافق عليه الجيش، مشددًا على أن تجنيد الميليشيات المسلحة كان بأمر من بن علي.

 

وأضاف المصدر: "حين كان بن علي يعلن في خطابه الأخير أنه يجب التوقف على إطلاق الرصاص، مستعملاً عبارات (فهمتكم) و(يزّي من الكرتوش)، كان يعرف أن هذه الميليشيات ستواصل قنص المواطنين المحتجين".

 

وقال إن "عددًا من أصهار بن علي جرى تحذيرهم من خطر البقاء في تونس حتى قبل فرار بن علي ففرَّ بعضهم بينما لم يتسنَّ لآخرين الهرب".

 

هكذا يظهر التواطؤ بين الجلاد والطاغية لم يستطع أحدهما أن يحمي الآخر، ولكنهما اشتركا في الخسة والنذالة والغدر بالشعب المسكين، الطاغية يخطب ليخدع الناس ويقول: أنا فهمتكم، بينما يأمر جلاديه بالقتل والتدمير والحرق، والجلاد ينفذ بهمة ونشاط أوامر الاغتيال والبطش والأذى عن طريق القوات الرسمية، والقوات المستأجرة، والإعلان الكاذب أن هناك عناصر ملثمة هي التي تدمر وتحرق وتقتل، بينما هي في الحقيقة قوات تابعه للجلاد والطاغية وتتحرك بأمرهما وتخطيطهما!.

 

كان مع الجلاد والطاغية أبواق مأجورة، وكلاب مسعورة تؤيد الطاغية وتؤلِّهه وتدافع عنه باسم الاستقرار، وتتغزل في محاسنه وتجلياته، وتسب الشعب المقهور وتصف المواطنين باللصوص والإرهابيين، وتدافع عن مكاسبها الحرام من وراء الاصطفاف بجوار الطاغية والجلاد، وبعد أن نجح الشعب في إسقاط الطاغية، والقبض على الجلاد كان ملايين المظلومين الذين غيبتهم قيعان الظلام والأسوار العالية يخرجون إلى النور، وكان الشرفاء المنفيون المشردون في بلاد الله يعودون إلى تونس الجميلة التي لم يتمتع فيها بالحرية غير بيوت الدعارة والشذوذ وكلاب الحراسة، بالإضافة إلى الجلادين واللصوص الكبار، هل نفهم سر حرقة نظرائهم في البلاد العربية وهم يرفعون راية: لسنا مثل تونس؟ ظروفنا مختلفة؟!!

 

نعم لستم مثل تونس، وظروفكم مختلفة، ولكن كما سقط السافاك التونسي ولحق بالطاغية، سيسقط كل سافاك آخر ويلحق بطاغيته؛ لأنه لا بد لليل أن ينجلي، ولا بد للقيد أن ينكسر، كما أنشد شاعر تونس العظيم أبو القاسم الشابي، وليس جلادها الحقير علي السرياطي!.