- د. محمد بهاء: العمل للتغيير فريضة إسلامية

- د. منال أبو الحسن: فرصة كبرى لبث الأمل

- د. إيناس لطفي: مراعاة التدرج في غرس قيم النماء

- د. حسن عماد: إعداد الأبناء للقيادة لا التجارة

- د. سحر عبد الغني: الثقافة والبيئة أهم المقومات

 

تحقيق: هبة عبد الحفيظ

أسئلة عديدة صاحبت الفرحة والإعجاب بالثورة الشعبية التي تعيشها تونس، ويتردد صداها بالوطن العربي والإسلامي، وتدور علامات استفهامها حول إمكانية نقل تلك القدرة على التغيير إلى أسرنا ومجتمعاتنا الإسلامية، ومن ثَمَّ تحقيق الحلم نفسه في الحرية، وحتى يتحقق ذلك كان لا بد من معرفة الدور الذي لعبته الأسرة في تونس؛ وهو ما عبَّرت عنه سيدة تونسية في إحدى المقابلات الإعلامية بأنه عندما بدأت المظاهرات اتصلت بزوجها الذي يعمل بالخارج، وسألته ماذا تفعل؟ فقال لها اخرجي أنتِ وأبناؤكِ جميعًا إلى ساحة الاحتشاد ولا تهتمي بأي شيء، وتضيف: الشعب التونسي تربَّى على النضال والشجاعة ومعرفة تاريخ بلاده معرفةً جيدة، وكنت دائمًا أحكي لأطفالي التاريخ، وأحفظهم الشعر الوطني لتونس الخضراء، فهذا ما تربيتُ عليه، وهذا ما ربَّى فينا الإيجابية تجاه تغيير الأخطاء مهما كان حجمها.

 

وكما فرض الحدث نفسه وأصبح أطفال دون السابعة يتساءلون عن تونس وثورتها؛ فإن هذا الحدث يعد فرصةً كبيرةً لتنمية قيم الإيجابية والشجاعة والرغبة في الإصلاح؛ ما يستدعي أولاً ضرورة وعي الأسرة بدورها في التغيير ومهامها في خلافة الإنسان على الأرض، كما يقول د. محمد بهاء أستاذ الحديث بجامعة الأزهر، والذي يشدد على أهمية تفعيل الأسرة في دعم الحق ومواجهة الباطل، اقتداءً بالرسول صلوات الله عليه الذي كان زوجًا وأبًا وعائلاً لأهله وقائدًا وداعيًا وقدوةً في التوازن بين كل أدوار الحياة، وهو القائل: "ألا أنبئكم بشراركم؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: "مَن نزل وحده ومنع رفده وجلد عبده"، والقائل أيضًا "من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم".

 

ويستكمل أن الصحابة والتابعين من بعده صلى الله عليه وسلم حذوا حذوه، فكانوا أيضًا مثالاً وقدوةً في الإيجابية والاهتمام بالآخرين، وتغليب المصالح العامة على المصالح الخاصة، وعدم السكوت على الخطأ، لقول الرسول صلى الله علية وسلم: "مَن رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان"، وأن يعلموهم أيضًا أن تكون هذه المطالبة بكل أدبٍ وعدم تخريب للممتلكات.

 

استغلال الأمل

 الصورة غير متاحة

د. منال أبو الحسن تشارك مع مجموعة من النساء في مظاهرات الغضب

وتؤكد د. منال أبو الحسن أستاذ الإعلام بجامعة 6 أكتوبر ومرشحة الإخوان المسلمين بالانتخابات البرلمانية السابقة، استغلال روح التفاؤل التي بثتها ثورة تونس لإزالة الروح الانهزامية لدى أفراد المجتمع والناشئة عن التربية الخاطئة داخل البيت والمدرسة وحتى عبر الإعلام.

 

وتشدد على أهمية تربية الأجيال على العزة والكرامة وقيم الإسلام ومعاني العقيدة، بأن الرزق والأجل بيدي الله وحده، مع تشكيل وعي سياسي، يتدرج مع الأعمار السنية المتفاوتة، وتصحيح المفاهيم الخاطئة كالربط بين الجهاد والإرهاب.

 

وتطالب الأسرة بتجنب استخدام وسائل التخويف في التربية لتنشئة جيلٍ شجاعٍ إيجابي، وأن يتعلم الابن كلمة (لا) مع الأدب، حين يرى سلوكًا خاطئًا، ولا طاعةَ لمخلوقٍ في معصية الخالق، مع غرس الثقة في نفس الطفل منذ الصغر بالاعتماد عليهم، ولو في أعمال بسيطة يتولون هم مسئوليتها داخل البيت أو المدرسة.

 

إيجابية متدرجة

وتطالب خبيرة التنمية البشرية إيناس لطفي بتعامل تربوي مع أحداث تونس، لغرس قيم الإيجابية، وتعلية الهمة، مع مراعاة البعد التدريجي لغرس تلك القيم عند الأبناء، فلا تطالب الأم طفلها بأمورٍ لا تناسب سنه أو تفوق قدراته؛ ولكن البداية بتكليفات بسيطة يحبها الطفل، كأن يقوم برسم بسيط، ثم غناء أنشودة والتدرج في تغيير الأخطاء التي يراها الطفل بالمدرسة.

 

وتضيف ثم تتوالى التكليفات ومسئوليات الطفل داخل المنزل وخارجه، فيكون له دور في بيته ومدرسته وبالرحلات وفي محيط العائلة أيضًا، حتى ولو كانت مسئوليات بسيطة في البداية، وأن يقوم الوالدين بتشجيع الطفل على توجيه الأسئلة، ويسألاه دائمًا عن رأيه، وينفذا أحد مقترحاته كنوعٍ من التشجيع وبناء الثقة والإيجابية.

 

وتحث الوالدين على طرح أحد المواقف الحقيقية التي تعرَّضا لها، وأخذ رأي الطفل فيها، وتوضيح ما فيه من السلب والإيجاب، وتعليم الطفل (ردود الأفعال الحكيمة) تجاه مَن يهينه، وبذلك نحميه ونبعده عن الخجل والخضوع مع التشديد على الأدب والمنطقية والموضوعية.

 

وتدعو إلى أن تروي الأسر للأطفال مواقف أو نقاط ضعفٍ مرَّت بها، واستطاعت أن تغيرها للأفضل، حتى يرى الطفل في والديه نموذجًا للشخص الإيجابي المهتم بمحيطه الاجتماعي، والسماح للطفل بمشاركة والديه في عيادة المرضى والزيارات المختلفة للجيران والأقارب، والثناء على مسئوليته واهتمامه.

 

وتطالب الأم بعمل جدول أسبوعي، عليه صورة الطفل، وتقسم الجدول إلى خاناتٍ تحتوي على أعمال إيجابية إذا قام الطفل بأداء أيٍّ منها، تضع له "إستيكر" في خانة هذا العمل، وتتفق الأم مع طفلها أنه كلما زادت حصيلته من الإستيكارات زادت قيمة الهدية التي سيأخذها في نهاية الأسبوع.

 

وتُركِّز على قاعدة تربوية مهمة، وهي الثناء قبل العقاب، وأن تستخدم الأم عندما تتحدث إلى طفلها عبارات تشجيع وتحفيز بدلاً من التوعد والتهديد، فمثلاً إذا أرادت أن تجعله يذاكر، فلا تقول له إذا لم تذاكر سأحرمك من الخروج، ولكن من الأفضل أن تقول إذا قمت بالمذاكرة ستخرج معنا ليلاً، وبذلك يصبح تفكير الطفل منذ الصغر إيجابيًّا لا سلبيًّا.

 

وتنصح الآباء بأن يشعروا أبناءهم بأهميتهم، وأن لهم قدرات واسعة حباهم الله بها، وعليهم استغلالها، وإرشادهم إلى قنوات تليفزيونية تقدِّم علومًا بسيطة، لينقلوها إلى أصدقائهم كنوعٍ من الإيجابية في نشر العلم.

 

تنشئة القيم

وتلفت د. سحر عبد الغني أستاذ علم الاجتماع بكلية الآداب جامعة عين شمس إلى الدور المهم للتنشئة الاجتماعية التي تؤدي في النهاية إلى الإيجابية، وتقدم نصائح مهمة؛ لكي ننشئ جيلاً قادرًا على ضبط موازين الأمور وإقامة العدل، من خلال الآتي:

 

* أن يكون للطفل أو الشاب صوت مسموع في بيته وعمله، حتى يشعر بالتقدير وبالاحترام، وبالتالي يقدم على المشاركة والإصلاح.

 

* إقامة حوار داخل الأسرة مفاده الانتماء للبلد، حتى ولو ضاعت حقوقنا فيها، فنحن جزء منها، وعلينا حقوق ولنا واجبات، دون أي تجريح أو إهانة للآخر.

 

* تأسيس ثقافة دينية وسياسية للطفل، وأن تكون هذه الثقافة جزءًا أساسيًّا في التربية.

 

* أن تكون البيئة المحيطة بالأبناء مشجعة على العمل الإيجابي، وداعمة له عن طريق الاشتراك في الأنشطة الصيفية للنوادي والجمعيات الخيرية، والتي تستهدف العمل الخيري المجتمعي، مع مراعاة مثلث النجاح مع الأبناء (صداقة- متابعة- رقابة).

 

* اكتشاف موهبة الطفل مبكرًا، ومساعدته على حسن استغلالها داخل وخارج البيت ومع أصدقائه، ومراسلة الجهات المختصة لتفعيل هذه المواهب، فقد تنشأ سلبية الأفراد بسبب جهلهم بإمكانياتهم ومواهبهم.

 

* الاتفاق على جلسة أسرية أسبوعية لمناقشه آخر التطورات في جميع المسارات الشخصية والأمور العامة، ومن الممكن أن يتابعوا في هذه الجلسة أحد البرامج السياسية، واستثمار المناسبات والمواقف التي يتعلم منها الأبناء الإيجابية، ومنها قضية الشعب التونسي عن طريق تفسير الأحداث وتبسيطها ليفهمها الأطفال.

 

* تنمية سلوك المبادرة عند الأطفال بطلبٍ معين من الأبناء كلهم، مع تقديم جائزة إلى أول مَن أنجز هذا العمل، ورواية قصص النماذج الإيجابية التي تركت بصمتها في الحياة على الأطفال، وبيان كيفية تحقيق مثل هذه الإنجازات.

 

الخلاص الفردي!

ويوضح د. حسن عماد وكيل كلية الإعلام جامعة القاهرة، أن هناك حالة انصراف عن الاهتمام بالقضايا العامة، نتيجة الفقر والاستبداد الذي لم يدع للناس قدرة على متابعة الشئون العامة؛ ما يشكل خطرًا كبيرًا على هوية المجتمع، داعيًا الأسرة إلى القيام بدورها في إعداد جيل جديد يحارب الفساد ويغيره، من خلال التربية الصحيحة على حرية الرأي، وعدم التخويف والثقة بالنفس، ومراعاة الحقوق والواجبات داخل الأسرة أولاً، ثم في المدرسة إلى أن تتوسع الدائرة.

 

ويستنكر قيام بعض الأسر بتربية أبنائها على الخلاص الفردي، فينجح في حياته دون أن يلتفت إلى الآخرين؛ ما يتطلب تغيير تلك القناعات، وبيان أن المصالح العامة لا تتعارض أبدًا مع المصالح الشخصية بل تدعمها وتحافظ عليها، مطالبًا القائمين على التربية من مدرسين وأساتذة جامعات ومربين بأن يكونوا قدوة في حمل المسئولية، وتعليم فنون القيادة بالمدارس والجامعات.

 

ويشير إلى نقطه مهمة، وهي أن على الأسر الانتباه أنهم يعدون أبناءهم للقيادة، وليس للتجارة، فلا بد أن يعلموهم أصول القيادة والتغيير والإيجابية، وليس فقط طرق جمع المال.

 

ويستكمل د. حسن أن دراسة التاريخ من الأمور التي فهمها العدو، وأدرك أهميتها؛ ولذلك استطاع أن يتحكم في غيره من الشعوب، ولذلك أصبح لزامًا على كل فرد أن يعلم أبناءه التاريخ، ويربطهم به حتى يتشكل عندهم الحماس للدفاع عنه وحمايته؛ وذلك عن طريق قصة أو فيلم كارتون يجذب الأطفال لمتابعته.

 

واختتم كلامه بدعوة جميع الأسر إلى صناعة العمق الثقافي عندهم، ثم عند أبنائهم؛ وذلك عن طريق تحليل الوقائع ودراسته، فعلى سبيل المثال لا بد أن تتعامل الأسرة مع نشرة الأخبار بشكلٍ أفضل؛ وذلك عن طريق مطالعة أكثر من قناة إخبارية، ومتابعة التحليلات الإخبارية التي تتبع النشرات، وربط الحدث بالتاريخ، فيفهم الطفل الأسباب والدوافع والنتائج أيضًا التي تتبع الحدث.