من العجيب أن حكامنا لا يعيشون في العصر الحاضر وإنما يرزحون ويعيشون في العصور الوسطى؛ حيث كان الحاكم يرث الحكم عن أبيه، وهو لا يعرف من أمور الدولة قليلاً ولا كثيرًا، سوى أنه يتمتع بميراث أبيه ويتحصن ويأمر الجلاوزة والجلادين الذين يؤيدونه في تدعيم هذا الميراث، وإذا دعت الحاجة يُشهر السيف ويعلن الجهاد ضد الطامعين في الميراث؛ لأن ذلك ملك يستمر إلى قيام الساعة، وإن ظلم وفرَّط في كل شيء حتى حقوق الإنسان، وكانت العدالة رهن أمره فإذا اعترض عليه أحد ينادي يا جلاد اضرب عنقه وعند هذا يذهب الزنديق إلى الجحيم.
وقد أسست الكنيسة في القرن الثالث عشر محاكم التفتيش لاستئصال الهرطقة، وهكذا ما زالت زعامات بعض الدول تعيش في جلباب الأمس وتعتنق أفكار سوداوية ترود الناس بها في هذه الحقبة المعاشة وإن كان يتشدق البعض بالديمقراطية نفاقًا وخداعًا، ويستبدلون كلمات حديثة بالكلمات القديمة فنسمع عن توريث الحكم وعن إلغاء الإرادات والتوجهات الجماهيرية، وتصرف الحاكم في كل شيء، مصداقاً لقول الفراعنة ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ (غافر: من الآية 29).
أريد أن أقول وأذكر بعض السلطات الهائمة على وجهها في التيه نحن في زمانٍ آخر تخطَّى عصور القهر والظلم، وإن كانت الشعوب قد تحمَّلت الكثير الكثير حتى كادت أن تفقد نخوتها ورجولتها، وكما قال غاندي في ذلك "ليس من الرجولة السكوت على الظلم"، وقد عمَّ الظلم البلاد وطمَّ حتى لفت أنظار العالم وأطمعهم في مقدراتنا وبلادنا، وحصر المظالم على المستقصي قد يطول ويطول، ومن ذلك:
جلب المسرطنات إلى البلاد ليزداد الفساد ثراءً، المتاجرة في أرزاق الناس، ومنع الحاجات الضرورية عنهم، وزيادة أسعار السلع حتى يزداد الفقير فقرًا والبائسُ بؤسًا، انتشار البطالة وفرض الضرائب حتى على الفقراء والمعوذين، وقد قالوا: لا تسأل الظالمين بل اسأل الجائعين، ولا تجعل مصائر الناس في أيدي العابثين المتسلطين، وقد قيل مَن يسمح اليوم يمنع غدًا.
هذا عدا تكميم الأفواه وكبت الحريات، وقوانين الطوارئ والتعذيب والسجن والقتل للمعتقلين والاستبداد السياسي وانتشار الفساد وحماية المفسدين، وعدم اعتبار أحكام القضاء أو الأخذ بها، وتفصيل الدستور على مقاس السلطات وهواها، بيع القطاع العام وانفلات الأسعار، بيع الغاز للكيان الصهيوني بأقل من سعر التكلفة، صداقة الكيان ومحاربة ومضايقة ومحاصرة مَن يعاديه، والائتمار بأمره، انتشار الغش والكذب في كل أرجاء الحياة السياسية، بدءًا بالانتخابات للمجالس التشريعية والنقابات إلخ إلخ، والاستعانة بالبلطجية وأرباب السوابق.
هذا، والملاحظ أن هؤلاء المفرطين الذين يعيشون في قرونٍ خوالف لم يجدوا من النُّصَّاحِ مَن يرشدوهم أو يدلوهم على الطريق المستقيم، وإن وجدوا فإنهم يخصمون ويتهمون ويحبسون ويحاكمون بأفظع التهم بل ويُقتَل الكثيرون منهم، ولكن هل هذه الغفلة ودفن الرءوس في الرمال منعت عنهم الزلازل وحفظتهم من يومهم الذي يوعدون، ومن حساب الشعوب، لا، وإذا ما أردنا أن نذكر شيئًا من الأخطاء التي ما كانت تنطلي على الصغار، فضلاً عن الحكام ومستشاريهم:
1- عدم الاعتبار بمصارع الظالمين والمفرطين في حقِّ الشعوب، فمثلاً: الرئيس مبارك كان ضمن المنصة التي قُتل فيها السادات، بل كان إلى جواره، ونوري السعيد هرب، ولبس زي امرأةً فلحقوا به وسحلوه في الشارع، وعبد الكريم قاسم قُتل وضرب بالأحذية، وصدام حسين شنق وأضاع شعبه، وشاوسسكو وامرأته نالا جزاءهما العادل.. إلخ إلخ.
2- عدم السماح بالحريات، وقتل الآخر، والاستهانة بأرواح الناس ومصادرة أموالهم.
3- عدم إحساسهم بالشعوب وما تعانيه من فقر وحاجة، والاستمتاع بثرواتهم وإنفاقها في الفساد وعلى الأهواء والشهوات أمام أعين الناس وأسماعهم.
4- احتضان المفسدين وإطلاق أيديهم في مقدرات الأمة والأموال العامة والتحكم في الأرزاق.
5- تطلعهم إلى تأبيد أنفسهم في الحكم، والجنوح إلى توريث أبنائهم رغم أنف الجميع مع توريث المظالم والفساد المستشري في الأمة.
6- الاستقواء بالخارج لحمايتهم من ثورات الشعوب ضدهم، وهم أعداء الأمة الذين لا يريدون لها الخير أو الفلاح.
7- ركونهم إلى ثلةٍ من المنافقين والمدَّاحين والمفسدين الذين يزينون لهم الفساد ويساعدونهم عليه.
وقد لاحظ المراقبون في الأسبوع الماضي بث التليفزيون التونسي تسجيلاً لشيخ المدينة (عمدة العاصمة) حيَّا فيه ثورة الشعب التونسي العظيم التي نجحت في إزاحة الطاغية الأعظم ونقلت البلاد من ظلمات الاستبداد إلى نور الحرية.
وقبل ستة أسابيع فقط كان الرجل ذاته يتحدث في برنامج (قهوة تركية) الذي يبثه التليفزيون التركي الناطق بالعربية، مشيدًا بالقائد العظيم الذي انتشل تونس من ظلمة التخلف إلى نور الرقي والتقدم والنهوض.
لم يكن الرجل وحيدًا في ذلك، ولكنه كان واحدًا في طابورٍ طويلٍ من المتحولين الذين ظلوا طول السنوات التي خلت يمجدون القائد العظيم (بن علي) ويتقدمون مواكب التصفيق له، ثم صاروا يتقدمون الآن مواكب التهليل للثورة، ويعبرون عن اعتزازهم بما أنجزه الشعب العظيم الذي أطاح بالطاغية الذي أذلَّ البلاد والعباد.
فهل الرئيس فلان وفلان.. إلخ! على استعدادٍ لحزم حقائبهم والرحيل واحترام شعوبهم واحترام العقل البشري في حرية التفكير والعيش والتعبير أم أنهم أقل ذكاءً من كلاب الحراسة التي تحرس قصورهم؟!!، إن هؤلاء الحكام اليوم أعلنوا حالة استنفار داخل أجهزة الأمن والمخابرات التي يمتلكونها في قمع إرادة شعوبهم استعدادًا لأي حالة ثوران شعبي عفوية على غرار ما يحصل في تونس.. نعم حالة استنفار سرية داخل قصورهم؛ خوفًا على كراسيهم على خلفية ما جرى في تونس من ثورةٍ شعبية حقيقية عارمة بعدما ذاق هذا الشعب الذل والإهانات والجوع والظلم والسجون والقتل والسلب والنهب من قِبل الحكومة وأجهزة أمن الدولة البوليسية.
والأغرب من ذلك أن هؤلاء الرؤساء خرجوا بتصريحاتٍ لتأييد ومساندة الشعب التونسي يا لها من سخرية، حكام العرب يدينون غيرهم وينتقدون غيرهم ويتناسون أنهم أكثر بشاعةً وإجرامًا في الظلم.
وبعد فهل ترى معي أن هذه المهازل ستسمر طويلاً وستصمت الشعوب وتصبر الحوادث والعصور والدهور على هؤلاء أكثر من ذلك، أقول لا وألف لا.. ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ (الشعراء: من الآية 227).