طالعتنا الصحف ووكالات الأنباء- نقلاً عن جريدة (الصباح) التونسية- بفتوى لمفتي تونس الشيخ عثمان بطيخ بعدم جواز الصلاة على المنتحر؛ وذلك تعقيبًا على عملية الانتحار التي أقدم عليها الشاب التونسي محمد بوعزيزي (26 عامًا)، احتجاجًا على الأوضاع المعيشية والبطالة والفقر، وإنني لست بصدد تفنيد الفتوى أو التعليق عليها، خاصةً أن الصلاة على المنتحر مسألة خلافية؛ ولكن ما أدهشني هو أن الشيخ بطيخ لم يشغل باله ودار إفتائه بمن:
- قتل وسفك دماء الأبرياء (أكثر من 70 قتيلاً في المظاهرات وقتها).
- نهب وسرق ثروات الشعب.
- أجاع شعبه وزجَّ بخيرة أبنائه في السجون والمعتقلات، والغريب- وليس بغريب عليه- أننا لم نسمع لمولانا الشيخ بطيخ رايًّا أو فتوى في:
* تحريم ارتداء الحجاب في المؤسسات العمومية "الحكومية" والمدارس، وصدر منشور بذلك تحت رقم 108 لسنة 1981م، والله تعالى يقول في كتابه العزيز: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (59)﴾ (الأحزاب).
* دعوة وزير الداخلية إلى إصدار بطاقات ممغنطة لكل مسلم، وتحدِّد البطاقة المسجد الذي يختاره ليصلي فيه ولا يصلي في غيره، والتنبيه على أئمة المساجد بالتفتيش على المصلين؛ للتأكد من أنهم يحملون البطاقات الخاصة بمساجدهم، وأن يطرد الأئمة أيّ مصلٍّ لا يحمل بطاقة أو يحمل بطاقةً لمسجد آخر! والله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (114)﴾ (البقرة).
* منع الزواج من ثانية، ومعاقبة من يفعل ذلك بالغرامة والسجن، كما جاء في نص الفصل 18 من مجلة الأحوال الشخصية (قانون الأحوال الشخصية):
1- تعدُّد الزوجات ممنوع.
2- كل من تزوَّج وهو في الحالة الزوجية، وقبل إنهاء عصمة الزواج السابق يُعاقب بالسجن لمدة عام، وبغرامة قدرها مائتان وأربعون ألف فرنك أو بإحدى العقوبتين، ويعتبر الزواج باطلاً!، والله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (3)﴾ (النساء).. وغير ذلك كثير من الأمور التي يتهجم فيها النظام على الإسلام والمسلمين.
ورحم الله مفتي تونس الأسبق الشيخ محمد العزيز جعيط، حينما طلب منه بورقيبة أن يصدر فتوى تبيح الإفطار في رمضان؛ بحجة الحفاظ على الإنتاج، فما كان من شيخنا إلا أن أصدر فتوى بتحريم الإفطار في رمضان إلا لأصحاب الأعذار الشرعية الواردة، وهي المرض والسفر؛ مصداقًا لقول الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185)﴾ (البقرة).. فما كان من "بورقيبة" إلا أن عزله من منصبه لمّا لم يستجب لطلبه، وأُذيعت هذه الفتوى في الإذاعة والصحف التونسية، وبذلك حما شيخُنا تونسَ من الفتنة التي أرادها بورقيبة بإجبار الناس على الفطر في رمضان.
وحينما تدبرت الحال بين الشيخ العزيز والشيخ بطيخ تذكرت الآية ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)﴾ (الزلزلة).
لقد قال الشعب كلمته وثار على الظلم والظالمين، وهرب "بن علي" وأسرته إلى غير رجعة، ورحم الله الشابي حين قال:
إذا الشعب يومًا أراد الحياة فلا بدَّ أن يستجيب القدر
ولا بدَّ لليل أن ينجلي ولا بدَّ للقيد أن ينكسر
وأخيرًا.. أقول للشيخ بطيخ ولأمثاله: كن عزيزًا لا بطيخًا، واختر الآخرة فهي خير وأبقى.
والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
------------
* مسئول المكتب الإداري للإخوان بمحافظة أسوان