الموقف الفرنسي المخزي وغير الأخلاقي من قضية الاعتداءات والانتهاكات الصهيونية على أهلنا في غزة يثير في النفس شجونًا وأحزانًا كبيرة، ولعل تصريح السيدة ميشال إليو ماري وزيرة الخارجية الفرنسية أثناء زيارتها الأخيرة للمنطقة أصدق تعبير على انحطاط السياسة الفرنسية تجاه قضايا المنطقة، وبالذات قضية فلسطين.
ففي الوقت الذي يعتقل فيه الكيان الصهيوني في سجونه أكثر من 8 آلاف من الفلسطينيين- عدد غير قليل منهم من النساء والأطفال- لسنوات طويلة، وسط أوضاع ومعاملة لا إنسانية تتنافى مع قواعد القانون الدولي والإنساني؛ تخرج علينا السيدة إليو ماري بتصريح شاذ يعبِّر عن ازدواجية مقيتة للمعايير واختلال في الموازين، فتقول: "إن حماس ترتكب جريمة حرب لاستمرارها في احتجاز شاليط!!"، ولم تحرك آلاف الأسرى من الفلسطينيين في سجون الاحتلال مشاعر السيدة إليو المرهفة التي لم تتذكر إلا الجندي المرتزق من أصل فرنسي جلعاد شاليط، فتتهم حماس بارتكابها جريمة حرب باحتجازه، أما آلاف الأسرى في السجون الصهيونية فهم من سقط المتاع في نظر الوزيرة الفرنسية، يحق لحكومة السفاحين الصهيونية أن تفعل بهم ما تشاء.
والموقف الفرنسي المنحاز للكيان الصهيوني بشأن القضية الفلسطينية ليس جديدًا بل قديم وموغل في الانحياز للكيان الصهيوني، ولعلنا نتذكر ما قرره الاتحاد الأوروبي في ديسمبر 2009م وقبل الاعتداء الإجرامي الصهيوني على غزه بأيام قليلة من دعم العلاقات وتعزيزها بين الكيان الصهيوني والاتحاد الأوروبي؛ فقد كان هذا التوجه بإيعاز من الرئاسة الفرنسية التي حاولت اعتماد هذا التوجه قبل قمة البحر الأبيض المتوسط، إلا أنها اضطرت إلى التراجع نظرًا لتصلب بعض الأنظمة العربية.
بل إن بعض الشركاء الأوروبيين كبريطانيا وبلجيكا دعتا إلى إعادة التوازن في علاقة الاتحاد بالكيان الصهيوني، بل فقد ذهب بعض المراقبين إلى أن تعزيز العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والكيان قد أعطى الأخير فيما يبدو الضوء الأخضر للعملية الإجرامية في قطاع غزة التي ارتكب فيها الصهاينة كل جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية، وقتلوا المئات من الأطفال والنساء باستخدام أسلحة محرمة دوليًّا مثل الفسفور الأبيض واليورانيوم المنضب، وهي أسلحة لا يجوز استخدامها ضد العسكريين، ناهيك عن المدنيين، ولم يصدر عن الرئاسة الفرنسية آنذاك ولا السيدة إليو ماري أي تصريحٍ يتهم الكيان الصهيوني بارتكاب جرائم حرب أو إدانتها.
ولعلنا نؤكد هذا التحول الدرامتيكي في السياسة الفرنسية من تصريحٍ جاء على لسان وزيرة
الخارجية الصهيونية تسيبي ليفني، خلال زيارتها لباريس في 1 مارس 2006م حين قالت إنه قد حان الوقت بالنسبة لـ"إسرائيل" أن تحرك الأمور فيما يتعلق بالعلاقات مع فرنسا، فمواقف الفرنسيين أصبحت أفضل، ولعل هناك أسباب أربعة قد تكون أسهمت في تحول السياسة الفرنسية في نظر بعض المراقبين:
أولاً: رغبة فرنسا في الاقتراب من الولايات المتحدة من البوابة الصهيونية.
ثانيًا: ما يمكن أن نسميه تعبًا تجاه القضية الفلسطينية.
وثالثًا: أنه يوجد اعتقاد أن الغربيين يواجهون مثل الكيان الصهيوني عدوًّا واحدًا هو الإسلام.
وأخيرًا: الرغبة بنيل حظوة أو رضا لدى الجالية اليهودية (مع أنها لا تمثل سوى أقلية في فرنسا).
وقد كان لوصول ساركوزي للإليزيه في مايو 2007م سرعة لاتخاذ موقف منحاز تمامًا للكيان الصهيوني، فقد رفض التنديد بالاحتلال، بل إن هذ المصطلح وفقًا للمراقبين قد اختفى من مفردات الدبلوماسية الفرنسية الموغلة في الانحياز للكيان الغاصب لفلسطين، بل إن هذا الساركوزي وافق على سياسة الحصار غير الأخلاقي وغير الإنساني على غزة، ومقاطعة حماس رمز الشرعية الفلسطينية في غزة.
وفي أثناء مناقشة مجلس الأمن لاعتماد قرار بوقف إطلاق النار إبَّان حرب غزة؛ فإن فرنسا التي كانت ترأس المجلس آنذاك، حاولت الاعتراض على نص القرار مفضلة بيانًا بسيطًا، وحين وجدت نفسها معزولة لم تجد بدًّا من التصويت لصالح القرار.
إن مواقف الحكومة الفرنسية المنحازة للكيان الصهيوني لا تحتاج منا كثير عناء لإثباتها، وقد كان يتعين على السيدة إليو ماري التي التقت أسرة جلعاد شاليط المرتزق والمغتصب أن تعد للقاء مع أسر آلاف الأسرى في السجون الصهيونية وبحكومة حماس التي جاءت بانتخابات حرة نزيهة؛ إن كانت تدرك معنى حقوق الإنسان إلا إذا كانت تعتقد أن المقصود بالإنسان
هو المواطن الصهيوني فقط.. وعلى ما يبدو أن هذه هي قناعتها.
------------
* الأمين العام للجنة الحريات بالنقابة العامة للمحامين