في كتاب سيكولوجية الجماهير مستشهدًا بآراء جوستاف لوبون نقرأ الآتي:
"حين تكون السلطة منطقية وشرعية وقائمة على الشورى وملتزمة بها، وحين تكون الجماهير على درجةٍ جيدةٍ من التعليم والثقافة ولديها ملكة التفكير النقدي يصبح الأمر علاقة سلطة ناضجة بجماهير ناضجة؛ فيسود العقل وتحتل الموضوعية مساحة كبيرة في العلاقة بين الطرفين، فلا تتحوَّل إلى حبٍّ حتى التقديس والاستلاب أو إلى كراهية حتى التدمير، ونتاج ذلك منظومة سياسية واجتماعية تتسم بالسلام وارتفاع معدلات الإنتاج والنمو والإبداع.
أما حين تكون السلطة غير منطقية، أو غير شرعية، أو استبدادية، أو فرعونية، حينئذٍ تسود ديناميات مرضية مثل: الكذب والخداع والنفاق والعدوان السلبي واللامبالاة من جانب الجماهير، بينما تتعامل السلطة مع الجماهير بازدراء وشك وتوجس، وترى أنها غير جديرة بالتحاور والتشاور وإنما تُساق بالعصا.
وإذا وصفنا نمط هذه العلاقة بمصطلحات علم النفس نقول بأنها علاقة بين والد ناقد مستبد وطفل يميل إلى العدوان السلبي، وهذا الطفل العدواني السلبي ينتظر اللحظة المناسبة لينقض على الوالد الناقد المستبد؛ ليتحول بذلك إلى طفلٍ متمردٍ، وبالتعبير الشعبي الدارج نصف هذه العلاقة بأنها علاقة "القط والفأر".
هذان هما القطبان المتضادان على متصل العلاقة بين السلطة والجماهير، وبينهما درجات عديدة من أشكال العلاقات حسب نوعية السلطة وطبيعة الجماهير.
ولا شك أن نمط الشعبين التونسي والمصري أبدًا مثل النموذج الأول لكن نظام تونس انتهى في علاقته مع الشعب إلى قمع كامل وعنف غير مسبوق وحصار وتضييق دون أي متنفس!.
وهو ما فطن إليه النظام المصري؛ ولاختلاف الشعب المصري الذي يمثل فيه التدين مكونًا رئيسيًّا لشخصيته، وبالتالي كان لا بدَّ من عدم المصادمة المباشرة!، لكن ماذا كانت النتيجة بعد أن حقق نظام بن علي ما عجز نظام مبارك عن تحقيقه، لا هو نزع العقيدة، ولا تخلص من الأخلاق الإسلامية، ولا هو استمر دون غضب الشعب الذي عندما ثار طار بن علي خوفًا ورعبًا! بينما النظام المصري يخطط لعلمنة مصر خطوةً خطوةً بدءًا من مؤتمرات السكان لقوانين الطفل؛ لفرض نساء تختارهم مؤسسة الرئاسة؛ لاستكمال التشريعات المطلوبة في غياب حقيقي للمرأة المسلمة الواعية، والتي تم إقصاؤها بعنفٍ وفجورٍ وبشكلٍ غير قانوني أصاب المجلس بالعوار والعار!!، وبعد أن تم- على سبيل المثال- إلغاء الكتب الإسلامية لكثير من المفكرين الإسلاميين من المكتبات المدرسية وتأميم اتحادات الطلاب، كنَّا على وشك قرار جديد لابن زكي بدر بتغيير الأسماء الإسلامية للمدارس على مستوى الجمهورية، وهو ما اختفى- كغيره من القرارات والقوانين التي يصعب تقبلها بعد أحداث تونس- إلى أن تتاح لهم الفرصة مرةً أخرى، وأعتقد أنها لن تسمح إن شاء الله!.
النظام المصري والأنظمة العربية درست جيدًا خصائص شعوبها، وتتعامل معها من منطلق هذه المعرفة، والتي لخصها الكتاب السابق كالتالي:
السلبية:
السلبية الشعبية غير المسبوقة تجاه الأحداث الساخنة، ليست حالة طبيعية وإنما هي نتيجة جهود حثيثة عملت على مدى سنوات طويلة على خلق حالة من السلبية الفردية وإعلاء قيم المصلحة الذاتية، وإعاقة أي بادرة للتجميع أو الفعل، والهدف في النهاية هو التأكيد على بقاء الوضع القائم برضا الجميع.
ولا نقلل من تأثير أجهزة التليفزيون والكمبيوتر على الوعي العام، فهناك ملايين الناس يقضون ملايين الساعات أمام الشاشة، وليس لديهم أية رغبة في مغادرة غرف النوم؛ حيث تقبع هذه الشاشة اللذيذة.
والأمر لا يقتصر على استهلاك طاقة ملايين الأجساد، وإنما يمتد إلى عقولهم، فكثير من البرامج تقتل ملكة التفكير النقدي وتدع الشخص في حالة تلقٍّ سلبي لكل ما يراه على الشاشة أو معظمه، فهو مستلقٍ على ظهره يشاهد برامج مبلدة للعقول ومخدرة للتفكير النقدي الواعي ومحشوة بالتفكير الخرافي أو الاستهلاكي وقاتلة لأية قدرة على الفعل الاجتماعي الجاد والمؤثر، وما يتبقى من الوعي يتم تسكينه أو تخديره بواسطة السينما أو الإذاعة أو الصحف أو المباريات الرياضية أو الانتخابات الشكلية أو الحوارات الإلهائية أو الوعود الزئبقية، كلها تسهم في امتصاص طاقة رد الفعل الإنساني.
ويتعلم الناس مزيدًا من السلبية من خلال انتخابات تزوّر إرادتهم، ومن خلال بقاء أوضاع يرفضونها لسنوات طويلة ومن خلال إجهاض المحاولات التغييرية أو الإصلاحية المتكررة، أو من خلال فشل الحملات الصحفية الكاشفة للفساد والعوار، ثم فشل كل هذه المحاولات في إحداث أي تغيير ملموس، أو من خلال الملاحقات الأمنية المستمرة والضاغطة، كل هذا يحمل الجماهير على الرضوخ للأمر الواقع، والاعتقاد في أن الوضع الراهن قدرٌ لا يمكن تغييره إلا بقدر آخر لا دخل لهم فيه.
2- القابلية للإيحاء والاستهواء والاستلاب:
هذه إحدى الخصائص المهمة في الجماهير، خاصةً حين يتدنى مستواها التعليمي والثقافي؛ فتصبح فريسةً لأي شخصية قادرة على اللعب على مشاعرها وتصوراتها واحتياجاتها؛ فتندفع بلا عقلٍ إلى التصديق والاتباع دون تثبت أو تحقق، ويساعد على ذلك غريزة القطيع التي تشكل نوعًا من الضغط الجماعي على الناس، فيندفعون إلى اتجاهٍ معين، لا لشيء إلا لأن غيرهم مندفعون أو مساقون إلى نفس الاتجاه.
ويلعب الإعلام الموجَّه دورًا كبيرًا في تسهيل عمليات الإيحاء والاستلاب والاستهواء للجماهير الجاهلة الغريرة، وكأن الإعلام هنا يقوم بالدور الذي قام به من قبل سحرة فرعون، فهم يسحرون أعين الناس ويزيفون وعيهم، ويحتلون إدراكهم ويوجهونه لخدمة مصالح معينة بعيدة غالبًا عن مصالح الجماهير المخدوعة.
3- أخلاق العبيد:
حين يعيش شعبٌ من الشعوب تحت أنظمة استبدادية لفترات طويلة في تاريخه دون أن يتمكَّن من تغيير هذه الأنظمة، فإن أفراد هذا الشعب يكتسبون صفات العبيد، فيتعاملون مع كل صاحب سلطة بالخضوع والخنوع والاستسلام، ويرون أنهم غير جديرين بالحياة الكريمة، ويرضون بالفتات الذي يُلقَى إليهم من يد السيد صاحب السلطة والسطوة. وشيئًا فشيئًا تذوب الكرامة وتنمحي النخوة والعزة والرجولة وتسود صفات الانتهازية والنذالة والجبن والتسول المهين.
4- السادوماسوشية:
ومع الوقت يتعود الناس على القهر والإذلال، بل ويصبح مطلبًا نفسيًّا لهم، إذ يستعذبون الشعور بالظلم، وخاصةً حين تسود ثقافة "يا بخت من بات مظلوم ولا بات ظالم"، فالناس حينئذ ينقسمون إلى ظالم ومظلوم، فيختار أغلبهم موقع المظلوم الذي ينتظر إنصافه في الآخرة من الظالم.
هل هناك تفسير محبط لحقائق نحياها على أرض الواقع بمثل ما ذكر كتاب سيكولوجية الجماهير؟!، لكن لا ننسى أن الإسلام إنما جاء ليخرج الناس من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ومن ظلم الأديان إلى عدل الإسلام، ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، وما يترتب على ذلك من قوة نفسية ووعي وإدراك وهمة يغيِّر بها الإنسان من حاله إلى أفضل حال؛ لأنه يدرك أن الجهاد ذروة سنام الإسلام، وأن سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى حاكم ظالم فأمره ونهاه فقتله، وما ذلك على الله بعسير لو صدقت النوايا واشتعلت الهمم، ورحلة الألف ميل تبدأ بخطوة لكن أين الإرادة؟!.
------------