![]() |
|
د. إيهاب فؤاد |
ينبغي ونحن نلوم الحكام أن نراجع أنفسنا.. فنحن أيضًا لسنا بمنأى من سوء العاقبة، وطرف أصيل فيما يجري، بل طرف مؤثِّر في إحداث التغيير؛ بنحر الفساد وإقامة العدل وإحقاق الحق ونصر الله تعالى في الأرض، أو لم يكفنا أنا تعلمنا أن الانفتاح على مباهج الدنيا وزينتها فقط دون زاد الآخرة هو بمثابة الرهان على حصان أعرج خاسر؟.
لقد جاءت ثورة التغيير والتصحيح على أيدي البسطاء، إنهم قنبلة موقوتة في مجتمع يبيت أهله على الطوى، ويحملون هم النهار الذي تبزع كل يوم شمسه مع مطالب الأبناء، مع لقمة العيش التي تسد الرمق، وشربة الماء التي تروي الظمأ، بينما نفر قليل يحتكر حياة البذخ، ويتمرغ في قوت الشعب، آثروا على حساب البسطاء، تآمروا على إرادتهم، زيَّفوا كلَّ أصل، وزوَّروا كل رأي، حين يفقد الناس يا سادة كل بريق في الحياة، لا يكون أمامهم سوى الموت، ولعلي أقول هيهات هيهات أن يفقد الناس الأمل في التغيير، إن الحذر يؤتى من مأمنه، وإرادة الشعب أقوى من إرادة الطغاة والمتكبرين، رحم الله الدكتور مصطفى السباعي حين قال: "لولا الطغاة لما عرفنا أدعياء الحرية من شهدائها، ولا أصدقاء الشعب من أعدائه، ولالتبس على كثير من الناس من بكى ممن تباكى".
وهذه حقيقة لا مراء فيها، فحين يجد الجد، يقول المخلصون كلمتهم، ويُعرف الغث من السمين، ولعل أبلغ تصوير لسيكولوجية الطغاة هو حقدهم المدرّ على شعوبهم وعلى أمتهم‘ فإذ كان الحقد على المستوى الشخصي يودي بصاحبه، فإن حقد الطاغية يدمر الأمة تدميرًا، لأنه يذل الأمة ويفسح المجال لأعدائها، ويغيِّب إرادتها، ويشوّه معالمها ووراء كلّ طاغية متكبر مَن ينفخ في أذنه، ومَن يقوّي من عضده، ومن يشد من أزره من الغرب رغم أن أمثاله في بلادهم لا تقوم لهم قائمة، ويصلبون على أعواد المشانق، ولكل طاغية حواريُّوه وندماؤه وجلساؤه، يصوِّرونه للأمة بطلاً لا يغلب، ومناضلاً لا تشق رحاه، ولا يُصَدِّق هراءهم سوى سفهاء الأحلام والعقول، يتهافتون على موائد الطاغية ليسيّروا مصالحهم، ويدافعون عن بقائه حفاظًا على وجودهم وحياتهم، فبقاؤه حياة لهم، وموته وأد لأحلامهم وطموحهم الجامح، ولا يتهاوى على موائده إلا خفافيش الظلام التي لا تجيد العيش في وضح النهار، هؤلاء تدوسهم مواكب الأحرار، وهم كالفراشات التي تهوى إلى الضوء فإذا ما دنت منه احترقت، وحين يسقط الطاغية يكونون أول من ينتقده، وحين يعارضون هواه يكونون أول من يضحي بهم.
فلا تعجب من مغمورين سلطت عليهم الأضواء، وبرزوا في وسائل الإعلام، إنهم الذين يحرقون البخور، ويطبلون لها.
إن سكوت المصلحين يفسح المجال للطالحين أن يكونوا عونًا للطاغية، ولهذا حذرنا ربنا في كتابه الكريم بقوله: ﴿وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً﴾ (الأنفال: من الآية 25) ولهذا فأكبر عقاب أن تبتلى الأمة بشرارها ليحكموها، وأول طريق التغيير والخلاص هو صوت الجماهير المقهورة، ونبض الشارع المغلوب على أمره، إنه بداية النهاية.
