الصورة غير متاحة

 م. محمد كمال

معجم المصطلحات الثقافية والسياسية في بلادنا أغلق صفحاته... لم يعد يستقبل الجديد ولا المثير ولا الحقيقي.

 

الثقافة في بلادنا أمواج من المواقف ومعها محفوظات من الأقوال جديدة قديمة, فالحوادث-مثلاً- التي تمس الكنيسة تجد الأقلام-فورًا- "تبصُم" مصطلحات: النسيج الوطني، قانون دور العبادة الموحد، الاستقواء بالخارج، الوهابية المستوردة مع أموال البترول.

 

فإذا كانت الحادثة!! حادثة رواية أو قصيدة إباحية أو مجدفة في العقيدة، فأمطارنا غزيرة من مصطلحات: حرية الإبداع، ضرورة الحد بين الديني والإبداعي، مواجهة الظلاميين- وتنهدات كثيرة على العالم الذي يتقدم، وعالمنا الذي يتخلف.

 

وإذا كانت الحادثة تعذيب أو قتل مواطن بيد الشرطة، فأنت بين: نظام بوليسي، وضرورة محاسبة المخطئين من رجال الشرطة، كرامة المواطن المهدرة، تحقيقات النائب العام، تشريح الجثة وهل قال الطبيب الشرعي ما يريح الناس أم ما يرضي النظام.

 

أما إذا كان الحدث "هبة شعبية" في قُطْرٍ أو "تحولاً ديمقراطيًّا" في آخَر, فالغمز للسلطة, ودروس السياسة للشعب, ويبرد الحدث للبحث عن آخر أسخن منه.

 

وخذ خطًّا مستقيمًا من المشكلات الصغيرة والكبيرة، ومجموعة الجمل سابقة التجهيز التي تساق مع حوادثها، واللطيف في الموضوع أن لكلِّ إعلام جملة... فالحكوميون والمستقلون والمعارضون... محفوظون... ولا جديد في كلامهم... مما يمكن معه الاستغناء عن كلِّ الصحف والفضائيات... بل والفعاليات... وإخراج القاموس والنظر في صفحة كذا؛ لتعلم ماذا سيقول كل فريق.

 

وإذا كان الأمر كما شرحنا... فأسبابه- في نظرنا- هي:.

1- من جهة السلطة... استبدادها المعلوم وهو معركتنا المستمرة... لذا فليس محل حديثنا اليوم.

2- من جهة المثقفين... وهو موضوعنا... فله تفصيل:

أما المثقفون الكبار.. أو الحقيقيون، فيبدو أن معرفتهم بالحقائق ورسوخهم في العلم انتهى بهم إلى اليأس.. حيث طوفت أقدامهم ببلاد الدنيا، ورأوا كيف أن العالم يندفع هادرًا إلى الأمام بقوة وعزم، ويرون بلادنا تنحدر من قمة جبل, وترتطم وتتحطم في كلِّ أنحائها, وشعروا أن إيقاف مسلسل الانهيار لم يعد بطاقة أحد، لا سيما وهم يرون نظامًا غارقًا في تنفيذ أجندة أمريكية... وفي المقابل يرى معارضةً مسكينةً لا تستند على أرضية شعبية ولا يمتلكون أوراق ضغط حقيقية.

 

هذا وغيره... جعلهم يكتبون بصورة روتينية... ولم يوجبوا على أنفسهم مشقة استنهاض الأمة أو النزول للناس... مع علمهم الكامل أن اجتهاداتهم محصورة النفع بين قلائل من الناس... ولم تعد للكلمة سحرها القديم.

 

وأما مثقفو الإعلام... وهم كتاب الصحف وضيوف الفضائيات ونجوم "التوك شو" وهم الأقل عمقًا... والأغزر إنتاجًا... والأبعد عن معنى حمل الرسالة.... إذ اعتبروا أن مجرد الكتابة رسالة، وأن فضح هذا المسئول أو تعرية هذا الوزير... أو حتى الكتابة الجريئة في موضوع شائك... ظنوا أن هذا دورهم... وعلى الآخرين!! أن يستفيدوا بمصابيح الإعلام هؤلاء.. وأن يتقدموا وأن يضحوا من أجل الوطن.. وهم مع ذلك يروِّجون مقولات "الشعب الخامل" و"الأغلبية الصامتة"... و"الجماهير المنبطحة"... و"العجز الشعبي".... إلخ ثم يطلبون من كلِّ هؤلاء الخاملين والصامتين والمنبطحين أن ينتفضوا على صوت أقلامهم المصونة، وأن يستعلوا على فواجعهم... وأن يقتنصوا حقوقهم من المستبد الغاشم. هكذا.

 

وثقافة ثالثة شاعت... وهي ثقافة العالم الافتراضي.. وهي ذاخرة بكلِّ صفات الشباب، من صخب وغضب وسباب واختلاف ونقاء وشراسة وتخبط، وتقدم وتراجع.... نسميها جدلاً ثقافة... ولكنها حالة...نعم ...حالة تعيد فكَّ وتركيب المصطلحات التي يقولها الصف الأول والثاني من المثقفين، ثم ينسجون حولها كلامًا كثيرا حتى يشعروا أنهم أصحاب الأفكار.... ثم يتبنون هذه الأفكار أشد من قائليها، والواقع... أنهم ليسوا من الأدعياء... وهم يفخرون دائمًا أنهم خاصموا المكتبة، والنظرية، والعلم والعلماء... وهم يريدون إصلاح الوطن من الآخر!!.
وبدون فلسفة ولا فذلكة... فالدنيا- في نظرهم- منهارة والإصلاح واضح؛ العدل والديمقراطية والوظيفة المحترمة والتعليم و..... وهم لا يعلمون طبعًا كيف يحدث كل هذا... ولكنهم يشعرون أنه لو بدأت البلد في سلوك هذا الطريق فسيجدون مَن يقول كيف نصنع هذا وهذا... وذاك.

 

في مثل هذه الأجواء تتراجع الأفكار المنهجية... وتسود فوضى تنتهي بالفرقاء إلى سراب، يزيد البؤس بؤسًا... واليأس يأسًا.

 

ولست أشك أن هذه العجلة التي تدور رحاها بلا توقف، قد تخدم النظام الفاسد حينًا... وتقلقه أحيانًا... إلا أنها ظاهرةٌ تقلق كل مخلص.

 

فما قولنا إذن...

السبيل أوضح من الوضوح... واضح للجميع، ولا يحتاج كثير عناء من المخلصين في كلِّ صنف.

 

أولاً: أن تعود القيادة ليد العلماء الحقيقين بكلِّ أطيافهم.

 

ولن يقوم بهذا إلا الشباب الذين ينبغي أن يتوجهوا إلى القيادات المخلصة في البلاد، ثم يدفعونهم دفعًا إلى تسلم موقع القيادة والتوجيه.

 

ثانيًا: أن يعلم الشباب أن دورهم هو الانغماس في أداء الدور الوطني مع دوام طلب العلم استلهامًا من القيادات الشريفة، وأن يعبروا عن آرائهم ليصوبوها... أما أن يغلبوا رأيًا ثم يسيرون خلفه أو أن يتصوروا أن مجرد الكتابة والتلاقي هو غاية المراد.... فلن يستفيد الوطن من رفضهم المخلص للواقع المؤلم.

 

ثالثًا: توافق القيادات الشريفة مع الشبيبة الإيجابية الواعية على قاعدة من الحقائق الساطعة, بعيدًا عن التزييف؛ بسبب الخوف من السلطة، أو حتى من نفاق الجماهير التي تذهب بها حماستها الى السماء، بينما التحرك على الأرض له قواعده وفقهه المختلف.

 

إن "الاستبداد الغبي" قد ذهب وقته... وأصبح علماء السياسة يتحيرون أمام موجة "الاستبداد الذكي" المنتشرة في العالم المتخلف الآن... ذلك الاستبداد الذي يملك ذكاء متوقدًا في ملاعبة شعبه في الداخل أو أسياده في الخارج، بحيث يظلُّ مستقرًا على عرشه، بينما لا يظهر هذا الذكاء في نهضة وطنه ولا إعلاء أمته.

 

ومن أجل هذا فأرجو من مثقفينا أن يكفوا عن إعادة إنتاج مصطلحات وأفكار كانت تصلح لاستبداد ما قبل مرحلة (الذكاء).

 

كما أرجو من معارضينا أن يكفوا عن إعطاء آمال كاذبة للشباب، من أمثال ثورة جياع.. تحرك الأغلبية الصامتة... أو ...

 

فكل هذا كلام لبيع الصحف، وتثبيت برامج "التوك شو" في مكانها، أما الحركة الوطنية فهي فكرة وقيادة وصفٌّ، فحينما تكون الفكرة عظيمة... والقيادة خبيرة وصادقة... والصف واع ومتحرك... تكون البلاد قد بدأت تأخذ طريقها إلى الإصلاح.

----------------

Mohamedkamal62@ymail.com