- الغرب صنع أزمة الجنوب ويتحمَّل نتائج ما بعد الانفصال

- الصهاينة ليسوا وحدهم اللاعبين في الساحة السودانية

- البنية الجنوبية غير مؤهلة عمليًّا لإدارته والشمال مرجعه

- أزمة أبيي كذبة كبرى صنعها الإعلام الغربي لدعم الانفصال

- بعد الانفصال السحر ينقلب على الساحر والأزمات متوقعة

- الحوافز الدولية للشمال لن تستمر طويلاً لأنهم يريدوننا تابعين

- أزمة المياه مرتبطة بتنمية الجنوب واسثتمار الأطراف فيه

 

أجرى الحوار في الخرطوم- أحمد سبيع:

أصابع عديدة حركت استفتاء جنوب السودان نحو خيار الانفصال، هكذا وصف اللواء الركن حسب الله عمر الأمين، رئيس المخابرات العامة السودانية السابق والأمين العام لاستشارية الأمن القومي التابعة لرئاسة الجمهورية ونائب الأمين العام لحزب المؤتمر الوطني الحاكم للشئون السياسية، الاستفتاء الذي جرى منذ أيام بدعوى تقرير المصير في جنوب السودان.

 

وأكد- في حوار لـ(إخوان أون لاين)- أن هناك العديد من الأطراف التي يهمُّها انفصال الجنوب؛ لما يمثله ذلك لهم من مكاسب اقتصادية وسياسية وإقليمية، وأبدى تخوُّفه من فشل الحركة الشعبية في إدارة الجنوب حال الانفصال؛ ما سينتج منه أزمة لن يعاني الجنوب وحده منها، بل إنها سوف تمتدُّ إلى الشمال والمنطقة المحيطة كلها، محذِّرًا من ألا يكون الجنوب هو نهاية الأطماع الغربية في السودان أكبر بلد عربي، والذي يمثل موقعًا إستراتيجيًّا في ربط إفريقيا بالعالمين العربي والإسلامي.

 

وحول تأثيرات الانفصال والدور الذي لعبته أطراف أجنبية وإقليمية عديدة لدفع الشعب الجنوبي إلى التصويت لصالح دولة جديدة، وهل تتمتَّع هذه الدولة بمقومات تساعدها على النهوض وهل يستطيع جيش الحركة الشعبية أن يتصدَّى للانشقاقات التي يتوقع أن يشهدها الجنوب بعد الانفصال، وتأثير ذلك كله في الوضع في الشمال.. كان لنا هذا الحديث مع اللواء حسب الله عمر الأمين، في مكتبه بالخرطوم:

 

تدليس غربي

* بدايةً كيف تقيِّم الوضع الحالي وتأثير نتيجة الاستفتاء في السودان؟

** السودان الآن أصبح محطَّ اهتمام الكثير من الدوائر الإعلامية والسياسية، وصحيح أن الحدث الذي هو "الاستفتاء" يستحق ذلك؛ باعتبار أن نتيجته بقيام دولة جديدة أضحى من المؤكد حدوثه، وهذا في حدِّ ذاته حدثٌ يجذب الإعلام، لكن في تقديري فإن كثيرًا من الاهتمامات السياسية والإعلامية الدولية ليس هذا وحده منطلقها، فهناك أسئلة كثيرة يبحث الجميع عن إجابات لها عن مستقبل وضع السودان والجنوب، وما العلاقة بين الجنوب والشمال؟ وما أثر الانفصال عندما يحدث على الوضعين الإقليمي والعالمي؟ فهذه التساؤلات تُطرح ولكن في إطار انطباعي ليس دقيقًا بالضرورة.

 

* ماذا تقصد بالإطار الانطباعي؟

** الإعلام الغربي لم يصوِّر الحرب التي دارت على مدار 50 عامًا على أنها صراعٌ بين الشمال والجنوب، ولكن صوَّرها على أنها حرب بين الثقافتين الإفريقية المسيحية والثقافة العربية المسلمة، والدليل على خطأ هذا التوصيف الغربي أن أول ثورة أو حرب قام بها الجنوبيون للحصول على مطالبهم وحقوقهم كانت عام 1955م ضد السلطة الإنجيليزية المستعمرة، ولم تكن حربًا ضد الشمال، وإنما كانت حربًا من أجل الانفصال، بعد أن ألحق الاحتلال البريطاني الجنوب بالشمال إلحاقًا من أجل التصدِّي لأي نهوض إسلامي يمكن أن يشهده الشمال.

 

ولذلك ظلَّ الاحتلال يعتبر جنوب السودان رقمًا يبحث له عن مرادف في المنطقة، ولكنه لم يجده، وفي النهاية ألحقه بالسودان، وهذا كان سببًا أساسيًّا في أن الجنوبيين كانوا يتساءلون دائمًا: لماذا لا تكون لنا دولة مثل أوغندا التي لا تتعدَّى مساحتها خُمس مساحة الجنوب؟، وغير ذلك عشرات الدول الإفريقية من حيث المساحات والموارد التي تتضاءل كثيرًا أمام الجنوب.

 

بداية المخطط

 الصورة غير متاحة
* إذًا فالمحتل الإنجليزي أول من فطن لخطورة الجغرافيا السودانية والدور الذي يمكن أن تلعبه بالمنطقة كلها!

** هذا حقيقي؛ فالسودان من حيث الجغرافيا يتمتع بمميزات ميَّزته عمن حوله، وقديمًا رفض السودان أن يكون واحدًا من مخلفات المستعمر البريطاني بعد انتهاء الاحتلال، ولذلك رفض الانضمام للكومنويلث.

 

وفي العصر الراهن يكاد يكون السودان البلد الوحيد غير التابع لأيٍّ من القوى الدولية، وخاصةً الولايات المتحدة الأمريكية، ولذلك استُخدمت قضية الجنوب منذ الاستقلال وحتى اليوم كأداة في يد الغرب الأوروبي ومن بعده الأمريكي للتأثير في شمال السودان، ومن هنا كان إشعال الحرب ودعم الجنوب دوليًّا وإقليميًّا لكي يستنزف بهذه الحرب موارد الشمال ويستهلك مقدَّرات الوطن وطاقات شبابه ويعوِّق أية محاولة للتنمية فيه، والسبب في ذلك أن الغرب المسيحي يصرُّ على أن يتبنَّى مصلحة الجنوب- حسب رؤيته- بأنه إقليم مسيحي يجب فصله، في حين أن الحكومة السودانية الوطنية في الشمال تبنَّت مصلحة الجنوب؛ باعتباره جزءًا من الشمال ووفق رؤيتها الوطنية.

 

وهذا التباين هو ما نتج منه هذا الصراع إلى أن انتهى تطور الأحداث بأن أصبح الجنوب مجرد أداة تخدم الغرب بالدرجة الأولى، في محاولة للتأثير في النظام الوطني في الشمال وتفكيكه والسيطرة عليه، ولذلك فإنني أرى أنه في حال الانفصال فإن الغرب قد فقد أداة مهمة ظلّ يستخدمها باستمرار لمحاولة السيطرة على النظام في الشمال.

 

* وهل سيكون الجنوب- حال الانفصال- رأس حربة ضدَّ الشمال يستخدمها الغرب لتحقيق مصالحه؟

** هذا أمر وارد جدًّا، ولكنه يرتبط بشكلٍ كبيرٍ بقوة كلٍّ من النظامين الجنوبي والشمالي وقدرتهما على تطوير علاقاتهما وإعادة ترتيب أجندتهما السياسية، خاصةً أن الانفصال سوف يفرز واقعًا مختلفًا بالدرجة الأولى، وسوف يعيد ترتيب الأجندة السياسية في الشمال، وكذلك إعادة ترتيب المعادلات الإقليمية؛ باعتبار أن هناك لاعبًا جديدًا في الساحة.

 

وكما قلت فإن الانفصال سوف يجرِّد الغرب من زاوية أصرَّ على أن ينظر منها إلى السودان عبر نصف قرن من الزمن، وهي زاوية خاطئة تقوم على محاولة الغرب التصدِّي لانتشار الثقافة العربية والإسلامية، وإظهاره الصراع مع الجنوب على أنه صراع إسلامي مسيحي، وهو ما كذَّبته الشواهد.

 

ويكفي أنه في قمة الصراع والحرب في الجنوب كان الشمال هو الحاضن لكلِّ المواطنين الهاربين والنازحين من عدم الاسقرار في الجنوب، ولذلك فلم يكن هناك أية سمة لصراع حضاري في الجنوب، وإنما كان هناك تباين اجتماعي وثقافي وعرقي يرقى إلى درجة الاختلاف، وهذا التباين ليس بالضرورة أن يكون سببًا للانفصال.

 

ولكنَّ الغرب جعل من التباين اختلافًا حتى يقرَّ مبدأ أنه يصعب معه التجانس، رغم إصرار الشمال على أن هناك أملاً أو إمكانية لإيجاد صيغة ما للتعايش بين الثقافتين، ولكن هذا لم يعد ممكنًا في ظلّ إصرار الغرب على استغلال الجنوب، ولذلك ومن رؤية مختلفة قد تكون صادمة للبعض فإنني أرى أن الانفصال سيكون في مصلحة الشمال؛ شرط أن يتجاوز الجنوب عن بعض التحديات التي تواجه دولته القادمة.

 

تحديات صعبة

* ما أبرز التحديات التي سيواجهها السودان حال الانفصال؟

** كما أشرت فإن هذه التحديات أو الأزمات إن صح التعبير ليست من صنعنا، وإنما هي من صنع الغرب طيلة 50 عامًا؛ حيث أراد الغرب أن يصوِّر الجنوب على أنه شعب يستحق الانفصال، ولكن الحقيقة تؤكد أن الجنوب ليس شعبًا واحدًا، وإنما الجنوب مجموعة شعوب تتباين في أعرافها وقيمها وعاداتها وتقاليدها، وتكاد تكون الاتصالات بينهم شبه مقطوعة، وهذا يفرض تحديًا صعبًا جدًّا.

 

وما أريد توضيحه هو أن هذه الأزمات في السابق كانت تقع على كاهل الشمال وعاتقه منفردًا، أما الآن فإن المسئولية سوف يتحمَّلها المجتمع الدولي، وخاصةً الذين يتبنون خيار الانفصال، وعليهم من الآن فصاعدًا أن يتحمَّلوا تكلفة الانفصال، وتوفير المناخ الذي يساعد الجنوب على الاستقرار.

 

والجميع يدرك أن حزب المؤتمر الوطني الحاكم- وعلى مستوى الشارع الشمالي- ظلَّ يدعو إلى الوحدة حتى آخر رمق، وهذا الموقف ليس موقفًا مصلحيًّا؛ فالبعض كان يقول إن الشمال حريص على موارد الجنوب، ولكن الحقيقة خلاف ذلك، والدعوة إلى الوحدة موقف مبدئي لأهل الشمال.

 

ولكن الآن وبعد أن يأتي الانفصال- وهو سيأتي باختيار الجنوبيين مدعومين من جانب المجتمع الغربي- عليهم أن يجيبوا عن مثل هذه الأسئلة الصعبة التي أشرت إليها، وليس على الشماليين أن يجيبوا عنها، فالشمال يبدي استعداده لأن يشارك في الاستقرار، ولكن بعد الانفصال ليس عليه أن يتحمَّل مسئولية ذلك، ولذلك فإن مستقبل الجنوب وفرصته في أن يستقر ويتقدم ليس مسئولية الشمال، وإنما مسئولية الجنوب ومعه المجتمع الدولي. 

 

* الرئيس البشير تحدَّث عن مؤامرة يتعرَّض لها السودان لوقف المشروع الإسلامي، فكيف تقيِّم هذه المؤامرة؟ ومَن أطرافها؟

** لا شك أن هناك دولاً عديدةً لديها أجندات في السودان تخدم مصالحها، وهم يريدون الحصول على مصالحهم بإضعاف الآخرين، وهذه نظرية استعمارية قديمة، وهذا ما يحدث الآن في السودان الذي تتكالب عليه الأطماع الغربية والإقليمية.

 

ولقد تحدَّث الرئيس البشير عن مؤامرة تتمثَّل في أطروحة الحركة الشعبية التي قامت على فكرة السودان الجديد، وتبديل تركيبة الحكم في السودان؛ من حيث مقوماته الثقافية والدينية والحضارية، وحتى الاسمية، وهذه هي المؤامرة التي كانت تريد تحويل المشروع الإسلامي في السودان إلى مشروع علماني.

 

وكما أشرت فثمَّة مصالح دولية وإقليمية، والصهاينة موجودون في الجنوب، وهم يريدون بسط نفوذهم في المنطقة، ومن أجل ذلك فإن لهم معادلات سياسية وقوى محلية وتحالفات قائمة لبسط هذا النفوذ، ولكنَّ الصهاينة ليسوا إلا لاعبًا ضمن لاعبين آخرين لهم مصالح في هذه المنطقة، مثل أمريكا والصين، وهناك جنوب إفريقيا ونيجيريا وأوغندا، ولذلك فليس من المنطق أن نحصر المؤامرة في الصهاينة، خاصةً أن مصالح القوى الدولية والإقليمة تتقاطع وتتضاد مع بعضها بعضًا في منطقة بها مقومات وموارد وفرص كبيرة.

 

الصهاينة وغيرهم

 الصورة غير متاحة
* ومًن غير الصهاينة تتهمه في تشكيل جيش الحركة الشعبية وتدريبه؟

** هناك عدة دول أخرى أسهمت في تكوين ودعم وتسليح هذا الجيش أكثر من الصهاينة أنفسهم، ومن بينهم للأسف دول عربية، وهذا هو ما أشرت إليه؛ بأنه الصراع على النفوذ إقليميًّا ودوليًّا؛ لأنه- كما قلت- فإن تركيبة السودان كانت قابلةً لذلك فهناك دولة من مكونَين مختلفين، ولذا تم استثمار الرغبة الجنوبية للانفصال محليًّا ودوليًّا وإقليميًّا.

 

والدليل على ذلك أن هذه الحركة الشعبية الانفصالية استُقبلت في كل العواصم العربية، وحصلت على الدعم المالي والتقني والعسكري، وحصلت على كميات هائلة من الأسلحة والذخيرة، وأعتقد أن هذا الدور كان أخطر مما قام به الصهاينة ويقومون به حاليًّا، ويكفي أن هناك دولةً عربيةً تقوم منذ عام بتوسعة ميناء نيروبي في كينيا؛ حتى يكون متنفسًا للدولة الوليدة المحبوسة بعيدًا عن الشمال.

 

إدارة الجنوب

* وماذا تتوقع للجنوب في ظل عدم وجود بنية سياسية تدير دولة؟ وهل يصدِّر مشكلاته للشمال؟

** إن كنت تقصد حربًا بين الشمال والجنوب فإن ما يحدث لا يبرر عودة الحرب مرةً أخرى، ولكن الجنوب لا توجد به أي أحزاب ولم يعهد أبدًا أية تجربة للتعايش المشترك، فالجنوب مجموعة شعوب غير متناغمة، وفي حال الانفصال فإنه سيكون دولة مغلقة ليس له منفذ مباشر على العالم الخارجي، والجيش الشعبي ليس جيشًا منظمًا، وإنما مجموعة ميليشيا قبلية غير مدرَّبة، والأمية في الجنوب تفوق الـ85%، فهذه حقائق معروفة.

 

وهذا الواقع ليس جديدًا، وإنما هو قائم قبل الانفصال وسيظل بعده، ولكن الجديد أن هذا الواقع يريد أن يكون مجموعة مستقلة تدير دولة، وبالمناسبة الجنوب به من الموارد ما يكفيه، لكن كيف تدار هذه الموارد؟ وكيف يمكن تحقيق الاستقرار الذي هو شرط لاستغلال الموارد؟

 

ولكني في النهاية أعتقد أن الجنوب وهو غير مستقر أفضل من جنوب يحمِّل الشمال مسئولية عدم استقراره، وجنوب مستقل غير متطور أفضل من جنوب يحمِّل الشمال مسئولية عدم تطوره، وجنوب مستقل معاق في عدة نواحٍ أفضل من أن يحمِّل المجتمع الدولي والشمال مسئولية إعاقته، وحتى إن قامت صراعات داخلية في الجنوب فهي أفضل من أن تكون مع الشمال، وخاصةً أن المجتمع الدولي سوف يتحمَّل مسئوليته في الجنوب بدلاً من أن يتحمَّلها الشمال وحده، ونحن مستعدون للتعاون معه.

 

* ألا يُعدُّ ذلك تقليلاً من الأزمات التي يُتوقَّع أن تشعل المنطقة وليس السودان وحده؟

** إطلاقًا.. ليس الأمر على سبيل التقليل، ولكني أقدم وجهة نظر يراها البعض عكس التيار، ولكنها وجهة نظر سيكون لها مكان على أرض الواقع، أما الأزمات المتوقعة فهي كثيرة وندعو الله ألا تحدث.

 

الصراعات الجنوبية

* ما هذه الأزمات على وجه التحديد؟

** هناك توقعات أمنية وسياسية بحدوث حروب داخلية على أكثر تقدير بعد عام أو أقل من الانفصال، وكما قال الرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر- وسبقه في ذلك العديد من الدراسات الدولية المختصة- فإن هذه الحروب قادمة لا محالة بعد أن يفيق الجنوبيون مما يعتبرونه استقلالاً، وهناك صراع متوقَّع بين القبائل الكبري وقبيلة الدينكا التي تحتكر معظم المناصب في الجنوب، وفي حال حدوث ذلك فإن الحرب لن تقف داخل حدود الجنوب المترامي الأطراف، وإنما سوف تمتد إلى منطقة البحيرات العظمى والقرن الإفريقى، وشمالاً نحو السودان ومصر، فهذه كلها أمور متوقَّعة في حال تخلِّي المجتمع الغربي عن الجنوب، أما إذا لم يتخلَّ عنه فإنني أعتقد أن الأمور سوف تختلف وتسير نحو محاولة التعايش السلمي.

 

* ما أشرت إليه يؤكد أن الحركة الشعبية لن تستطيع أن تمسك بزمام الأمور وحدها في جنوب السودان، وهو ما يمثل أزمة في حد ذاته!.

** من المؤكد أن الحركة الشعبية لن تكون هي القوة الوحيدة في الجنوب، فالحركة الشعبية كانت تدير الجنوب بموجب اتفاقية السلام الشامل، ولكن بعد الانفصال انتهت الاتفاقية وسيكون من حقِّ كلّ مكون من مكونات الجنوب أن يسعى ليكون له دور في السلطة وفي الثروة أيضًا، ولذلك أعتقد أن السحر في هذه الحالة سوف ينقلب على الساحر، وإذا كانت الشراكة وتوزيع الثروة والسلطة هي القاعدة التي انطلقت منها الحركة الشعبية في صراعها مع الشمال، فإن هذه القاعدة سوف تكون هي المنطلق لبقية الأحزاب والمكونات داخل الدولة نفسها، ولكن النتائج في ظني لن تكون مطمئنة.

 

* لماذا لن تكون النتائج مطمئنة؟

** الجنوب به مكونات مختلفة جدًّا ومتباينة سوف يسعى كل منها ليكون له نصيب في السلطة والثروة؛ لذا فإن الحركة الشعبية لن يكون بمقدورها أن تدير الجنوب منفردةً، ولا ينبغي لها أن تفكر في ذلك، وعليها أن تقبل أن الجنوب الآن ملك كل الجنوبيين، وعلى الآخرين أن يجدوا أنفسهم داخل نطاق السلطة والثروة أيضًا، وهذا هو التحدي الذي سيقابلهم.

 

ونظريًّا الحركة الشعبية تتحدث الآن عن اجتماع سياسي لكل القوى الوطنية وتشكيل حكومة مشتركة من كلّ القوى السياسية وصياغة دستور جديد وإجراء انتخابات؛ فهذا كله نظري، ولكنَّ التحدي هو إرساء ذلك على أرض الواقع؛ لأن الممارسة أصلاً صعبة وليست سهلةً فهناك ثقافات راسخة لدى القبائل الجنوبية، وبعضها يدَّعي أن له حقًّا إلهيًّا في حكم الآخرين، ولن يقبل بحكومة أو سيطرة الآخرين عليه.

 

أوغندا وكينيا

 الصورة غير متاحة
* تحدثت عن اللاعبين الدوليين والإقليميين، ولكن لم تتحدث عن الأطماع الأوغندية في الجنوب ومخطط السيطرة عليه لإقامة دولة البحيرات العظمى على أرض أوغندا والجنوب مجتمعين.. فهل ذلك لا يمثل تهديدًا للشمال في المستقبل؟

** أنت تعلم أن سكان أوغندا حوالي 33 مليونًا في مساحة أرض وإمكانيات محدودة، بينما سكان الجنوب لا يتعدون 10 ملايين، إلى جانب الأرض والموارد الطبيعية الكبيرة، ولذلك فإن أوغندا تريد الجنوب ليكون متنفسًا لها، وهذا التفكير ليس قاصرًا على أوغندا، بل يريد ذلك أيضًا كينيا، برغم أنها لا تشكو من مشكلة مساحة ولا موارد، ولكنها تريد الحصول على جنوب السودان كهدف استعماري.

 

ولذلك فإنني أؤكد لك أنه أيًّا كان النظام الذي سيقوم في الجنوب فإنه سيكتشف بعد فترة وجيزة جدًّا أنه لا قبلة له ولا وجهة له غير الشمال، وحتى مع المحاولات التي نشهدها الآن لعمل تجمعات إقليمية وإدراج الجنوب فيها فإن الواقع سيثبت أن الشمال هو المنفذ الوحيد للجنوب، وارتباطه المصطنع بأوغندا وكينيا لا يضاهي أبدًا حقيقة ارتباطه بالشمال، وفي تقديري فإنه إذا أصرَّت أوغندا على استغلال الجنوب وتوظيف ما فيه من موارد وفرص لصالح مواطنيها؛ فإن هذا سينقلب عليها، فالجنوب ليس جسدًا ميتًا أمام أطماع وإرادات الآخرين، وإن ظن ساسة أوغندا أنه يمكن استغلال الجنوب لصالحهم فإن هذا سينقلب عليهم.

 

الحوافز الدولية

* الرئيس البشير أكد أكثر من مرة أن الإدارة الأمريكية وعدت وعودًا كثيرة قبل توقيع معاهدة السلام، ولكن لم تنفذها، والآن هناك وعود أخرى بعد الاستفتاء وقبول نتيجة الانفصال، منها نزع السودان من قائمة الإرهاب، واعتبار ما يحدث في دارفور شأنًا داخليًّا، وغلق ملف محاكمة الرئيس البشير أمام المحاكمة الجنائية الدولية، وبوصفك أحد مسئولي الاتصال مع الإدارة الأمريكية هل تعتقد أن هذه الوعود سيتم تنفيذها؟

هناك حقيقتان الأولى أن الإدارة الأمريكيا وأوروبا ظلَّت تكيل علينا كلّ العقوبات، وجرَّبت الحصار الاقتصادي والحصار العسكري وأخيرًا وليس آخر المحكمة الجنائية، وكانت كلّ هذه الوسائل لإضرام الصراع داخل السودان، بل إن أمريكا احتضنت الحركة الشعبية وكلّ المعارضين ومارست نفوذها على اللاعبين الإقليميين لمحاصرة النظام في السودان والإطاحة به، ولكنها فشلت في ذلك كله، والحقيقة الثانية هي أن الإدارة الأمريكية وأوروبا ادركوا ما أشرت إليه بأنهم سيكونون مسئولين بالدرجة الأولى عن استقرار دولة الجنوب التي ستُقام، بينما تأتي مسئولية الجنوبيين في الدرجة الثانية ومسئولية الشمال في الدرجة الأخيرة، ولذا فإن هاتين الحقيقتين تقتضيان إعادة النظر في قضية معاقبة الشمال لأن الشمال سوف يكون مثل غيره من اللاعبين يمكن أن يسهم سلبًا وإيجابًا في موضوع استقرار الجنوب، ثم إن الغرب يدرك أنه قد اشتط جدًّا في تعامله مع الخرطوم ولا يوجد تبرير موضوعي لذلك، ولذا فإن الوقت الحالي فرصة لتصحيح الموقف الأمريكي والغربي وتغيير معاملته مع الخرطوم.

 

* لكن هذه نظرة متفائلة جدًّا نحن نريد نظرة موضوعية.. انطلاقًا من كلام الرئيس البشير؟

لا ليست هذه ليست نظرة متفائلة، فالغرب يحتاج ذلك، هو يحتاج لتصحيح موقفه من الخرطوم، ويحتاج إلى مساعدة الشمال لتحقيق الاستقرار في الجنوب أما أن يختار هذا أو لا يختار فهذا متروك له.

 

* في توقعك ماذا سيختار؟!

في توقعي أنه سيمضي بعض الخطوات للأمام لكنه ربما يتباطأ في ذلك، وسيفي ببعض ما وعد به ولكن هل يمتلك الجرأة ليمشي كل الشوط وأن يقيم علاقة سوية مع الخرطوم، فأنا أشك في ذلك، وإن فعل فسيكون هذا في مصلحة الأمن والسلم والاستقرار والتنمية الدوليين وإن لم يفعل فهذا خياره.

 

 الصورة غير متاحة
   ** لماذا تشكُّ في أنه لن يفعل ذلك؟

لأن هناك الآن عدة أدوات تختلط في صناعة القرار الدولي، فالقرار لم يعد بيد الإدارة التي تحكم سواء في أمريكا أو أي دولة أخرى وإنما هناك مؤثر قوي الآن للقضايا الناشطة على المسرح الدولي، والتي يقال عليها مراكز التأثير أو المجموعات الدولية الاقتصادية أصحاب المصالح، وهذه المجموعات الآن أصبحت تمتد من أقصي الشرق في أوروبا إلى أقصى الغرب في أمريكا، وهذه المجموعات أيضًا توظف هشاشة القوى الإقليمية لصالحها, وقدرنا أن نعيش في منطقة هشَّه ليس بها قوى مستقلة تمتلك إرادتها مطلقًا بالكامل، وتكتفي بمواردها لسد احتياجات شعبها، وإنما نحن في منطقه تعتمد على الإمداد الغربي والموارد الغربية، وهذا يجعلها مناطق ضعف، بالإضافة إلى وجود تيارات على المستوى الدولي بها كثير من التطرف، فهل تعترف هذه التيارات بهزيمتها أمام الخرطوم وتترك الخرطوم في حاله وتغلق هذا الملف، ولذلك أنا أشك في ذلك؛ لأنها لا تمتلك الشجاعة لتعترف بذلك، وستحاول وضع العقبات أمام الخرطوم عن طريق لاعبين آخرين وليس عن طريق الجنوب.

 

* معنى ذلك أن الجنوب لن يكون نهاية الأزمات بالنسبة للشمال حتى فى حال الانفصال؟

نعم فهذه القوى تريد سودان شماليًّا مستقلاً، ولكنه ليس قويًّا، كما أنها لا تريده منهارًا، تريد أن يكون له القدرة على توظيف موارده, مسهمًا ومؤثرًا في المسرح الإقليمي، ولكن لمصالحهم فقط.

 

* هل تقصد أن السودان إذا لم يلعب لمصلحتهم فإن الأزمات به لن تنقطع؟

كما قلت فإنه يجب على الآخرين أن يدركوا أنهم أخطئوا في معاقبة الشمال، وبالتأكيد فإن هذه الجولات لا نهاية لها وهذه هي طبيعة الصراع في العالم، وستظل كل دولة تسعى لزيادة وتسمين فرصها وتمديد  نفوذها ولكني أعتقد أن حالة الجنوب كانت خاصًّة؛ لطبيعة الخلاف بين الشمال والجنوب من جهة ولأن الجنوب اختار الانفصال من جهة أخرى، كما أن الاختلاف الجوهري بين الجنوب والشمال، ليس موجودًا في السودان إلا في هذا المكان، بينما الوضع في دارفور وبلاد النوبة مختلف بشكلٍ كبيرٍ، وليس معنى ذلك أنهم لن يحاولوا جرَّ السودان لأزمات جديدة ولكني لا أتوقع لهم النجاح.

 

أبيي والمياه

** هناك تصريحات متبادلة بين الشمال والجنوب بأن أبيي سوف تكون شرارة الحرب بين الجانبين في حال الانفصال، وكذلك مياه النيل التي يمكن أن تجر مصر إلى نفس المصير؟

موضوع أبيي كذبة كبرى ولعهد قريب ظلَّت وسائل الإعلام تزيِّف كذبًّا عن أبيي أنها المنطقة الغنية بالنفط وهذا يخالف الواقع، وصحيح أن أبيي بها آبار للنفط لكنه سينضب خلال من 3 إلى 4 سنوات، فهذه المنطقة يمكن أن تنشب بها صراعات ولكنها ستكون صراعات محلية فقط ولن تكون سببًا في حرب بين الشمال والجنوب إطلاقًا؛ لانه لا أحد يمتلك مصلحة في ذلك يمكن أن ينشأ حولها صراع.

 

أما قضية المياه فلا أعتقد أن تظهر بها أية أزمة لا في القريب ولا البعيد، خاصة أن 45% من الأمطار التي تشكل نهر النيل تسقط في الجنوب، والجنوب لا يفعل بها شيئًا وتمضي في مسارها الطبيعي داخل نهر النيل؛ لذلك فمن غير المتوقع حدوث أزمة مياه قريبًا، ولكن عندما تنشأ حاجيات حقيقية للمياه فالاتفاقات وحدها لن تعصم ذلك، بمعنى أن الواقع وحاجة الناس للمياه هو الذي يقسم المياه وليس الاتفاقيات، والآن لا توجد حاجة ملحة ولا في القريب، ولكن عندما تبرز حاجة ملحة إليها فإن هذا هو الذي سيحدد طريقة توزيع المياه.