توشك الهوية الدينية أن تكون كلمة السر التي تحكم العلاقات بين الشعوب المختلفة، والتي تصنع عدسات الإبصار التي توجه الأنظار في رحلة إدراك الحياة والكون، والدخول في علاقات تعاونية وتشاركية أو في أخرى صراعية وعدائية.

 

ومن هنا فإن أي تهميش لهذا المنظور مهما بدت دعوات علمنة الدول، وادعاء مدنيتها المبالغ فيها في الثقافات السياسية للمدارس العلمية المختلفة في الحياة المعاصرة؛ سيعود مجللاً بالإخفاق.

 

وفي ظل الأحداث المتكررة في داخل كثير من البلدان من أزمات ترتفع عليها لافتات الطائفية، ومن مشاريع التقسيم والتفتيت التي تطال واقعًا يعمل لإنزاله على الأرض، كما في حالة السودان، أو يُخطط له تخطيطًا ظاهرًا على ما تتبدى علاماته في العراق، أو على ما تتخفى علاماته في مثال ما يُدبر لنموذج الدولة المصرية، أو الدولة المغربية؛ أقول: في ظل كل ذلك فإن التنبيه لأدبيات قراءة المشهد المسيحي/ الإسلامي والاحتمالات التي تحكم أو يمكن أن تحكم العلاقات بين هذين القطبين يصبح ضرورة وقت، وفريضة عصر، تحيلها قواعد وقوانين معقدة من العقل، والوجدان، والوطنية، والمعرفة معًا.

 

في هذا السياق فإن ملاحظة ندرة المتخصصين في الفحص العلمي للشأن الإسلامي/ المسيحي في العلوم السياسية في مصر والعالم العربي أمرٌ ينبغي أن نقف أمامه كثيرًا جدًّا، ويزداد الأمر خطرًا وخطورة إذا ما عرفنا أن عدد المختصين في العلوم السياسية عمومًا، وفي هذا الفرع الدقيق من العلوم السياسية والتاريخية والحضارية أكثر ندرة، إذا قرأناه في إطار ما يُسمى بالحركة الإسلامية على كثرة ما يبدو من تماس عملها، ووجودها، ومستقبلها بهذا الفرع العلمي من فروع العلوم السياسية.

 

ومن ثَمَّ فإن ظهور كتاب جديد في هذا المجال يعد حدثًا يجب التوقف أمامه، وتأمل مقولاته، وإسهامه.

 

والكتاب هو: (العلاقات الحضارية المسيحية الإسلامية بين احتمالات التعاون والصراع) لماريو أبستولوف، وهو الكتاب الذي صدرت ترجمته منذ أيام قليلة، قام عليها الدكتور مصطفى قاسم، وراجعها السيد يس عن المركز القومي للترجمة بالقاهرة، تحت رقم (1419).
ويستمد الكتاب أهميته الأساسية من عدة اعتبارات لا يمكن إغفالها، منها ما يلي:

أولاً: ندرة مثل هذه الدراسات في الثقافة العربية المعاصرة بشكل ظاهر.

 

ثانيًا: صدور هذه الدراسة في سياق موجع، تجري فيه عمليات تصعيد الاحتقان بين المسلمين والنصارى في مصر، وفي سياق لا يخفى فيه أن الدفع بهذا الملف في اتجاه التأزم يعد واحدًا من أركان إستراتيجية التعامل الصهيوني والأمريكي مع الشأن الداخلي المصري.

 

ثالثًا: صدور هذا الكتاب، وفي العالم الإسلامي والعربي مناطق يعاد تأهيلها بامتياز؛ لتكون بؤر صراع ملتهبة، وفق مفهوم (التخوم) الذي يتخذ أو يُرجى له أن يتخذ بعدًا صراعيًّا عدائيًّا بما يحقق للغرب أهدافه من إماتة الجسد العربي إلى الأبد.

 

رابعًا: صدور كتاب عن عقل غربي منشغل بشكل جمعي، وإن على مستوى النخب الحاكمة والموجِّهة بالشأن الإسلامي، بما خلفه وراءه تاريخيًّا عندما كان سيد العالم.

 

والكتاب يحاول أن يفحص هذه الاحتمالات بين التخوم المسيحية الإسلامية ومستقبل علاقاتهما معًا على امتداد ثمانية فصول هي:

 

1- مفهوم التخوم المسيحية/ الإسلامية، بما هي منطقة احتكاك.

2- تاريخ التخوم المسيحية/ الإسلامية.

3- الدولة القومية الحديثة والتخوم.

4- الجماعات المتناثرة والتخوم الوظيفية ما بعد الحديثة.

5- السياسة الطبيعية للتخوم.

6- التخوم المسيحية الإسلامية بما هي ظاهرة نفسية.

7- بعد الأمن الدولي في التخوم.

8- البعد الاقتصادي للتخوم.

ومن المهم جدًّا أن يقرر في مفتتح هذه القراءة أن كل مؤلف غربي، وإن لم يرد ولم يقصد؛ مسكون بمجموعة من المقولات التحيزية التي تسربت إلى وعيه العدائي للثقافة الإسلامية، بقدرٍ ما، نفذ إليه عبر برامج التعليم، والدعاية والتشكيل الفني، وسياق الثقافة الغربية التي تتحدث منذ فترة ليست بالقصيرة من منصة الخصومة مع الشرق، على أقل تقدير، ومع استعمال التعبير اللطيف هذا.

 

الحقائق المتعاضدة لا تغيب!

منذ اللحظة الأولى لقراءة هذا الكتاب، ومع صفحات المقدمة يلح على القارئ خاطر يتحول مع مرور الوقت إلى حقيقة ظاهرة، ملخصه أن حقيقة ما بين الفكرتين المسيحية والإسلامية واضحة تمامًا للفحص العلمي، صحيح أنه في كثير من الأحيان تظهر، وقد نال من نضارة ملامحها شبهات علقت بها مع مسيرة الزمن في الغرب المعادي، لكنك تلمح بما لا تخطئه عين ملامحها الصافية القديمة والأصيلة من خلال تراكمات التشويه، وسوف أكتفي في هذه الفقرة عند مجموعة من النصوص الصغيرة، ألتقطها من مفتتح هذا الكتاب، تبرهن على هذه الحقائق المتعاضدة التي لا يمكن تغييبها، وإن أمكن مع كثير من الضغط والإلحاح هز ملامحها الأصيلة المستقرة في النظر العلمي؛ بسبب من إستراتيجيات كثيرة ممتدة العمر في الغرب غير المتسامح على أقل تقدير.

 

وفيما يلي التقاط لهذه النصوص أو العبارات المبرهنة على ما أقرره في هذا السياق، ولا سيما أن عددًا من علامات الخطر بدت تطل برأسها في عدد من البلدان العربية التي يتجاوز فيها المسلمون بما هم أغلبية متجذرة في التراب الوطني مع المسيحيين الذين ظلوا لفترة طويلة جدًّا جزءًا من النسيج الوطني لهذه المجتمعات كما هو الحال في مصر مثلاً:

 

يقول ماريو أبوستلوف: "إن أسطورة المواجهة المسيحية الإسلامية يفتريها حزبان متناقضان بجلاء: القابعون في الغرب، وفي منطقة الاحتكاك الذين يسعون إلى تحويل العالم الإسلامي إلى عدد جديد بعد نهاية الحرب الباردة على جانب وعلى الجانب الآخر أولئك القابعون في الدولة الإسلامية الذين يرفعون راية المواجهة مع الشعوب غير الإسلامية، وعلى الأخص الشعوب الغربية، وهم أفراد وجماعات لا تعنيهم إلا مصالحهم المادية المحدودة؛ سواء أكانت تتمثل في الحصول على القوة أم الحفاظ عليها".

 

ويقول أيضًا: ثمة أسئلة عديدة لم يجب عنها، تتعلق بالتعبيرات المعاصرة، يرتبط بهرم القيم الذي يوجه سياسة الغرب إزاء الحركات والنظم السياسية الإسلامية، وإزاء المسيحيين بوجه عام، ويمكن النظر إلى دعم العرب للنظم العلمانية في دول مثل مصر على أنه ببساطة تفضيل براجماتي لتحجيم النزعة الإسلامية.

 

ويقول: إن أصحاب المشاريع الطائفية غالبًا ما يبتزون جمهورهم، مستخدمين في ذلك المخاوف الجماعية من الآخر.

 

هذه النصوص الثلاثة التي التقطتها من هذا الكتاب المهم تبرهن على أن ثمة ضلوعًا من قوى الغرب نحو تأجيج الفتنة الطائفية في الداخل المصري والعربي والإسلامي لأغراض خادمة لتوجهاتهم، كما أن ثمة قوى داخلية تعزِّز قوى الفتنة لأغراض ابتزاز ظاهرة.

 

اعترافات لا يصح إغفالها

وفي سياق آخر فرطت من الكتاب مجموعة من العبارات الدالة على حقيقة ظاهرة لطبيعة الإسلام وطبيعة انتشاره، وطبيعة تمتعه بالقوة الذاتية الكافية في تشيعاته وأخلاقه، صحيح أن عددًا من هذه الحقائق الموضوعية شابها أحيانًا ما يحاول أن ينال من مقرها أو بضاعتها بعض احترازات أفسرها بأنها بقايا رواسب ثقافية يتعرض المثقف والدارس الغربي بطبيعة ما يتعرض له عبر تاريخه التعليمي الطويل من تشويه الحقائق الإسلامية.

 

يقول أبستولوف: "اتبع انتشار الإسلام نمطية أساسية من ناحية أكد الإسلام نفسه، كدين عالمي من خلال صراع سياسي وإقليمي امتد لقرون ضد سلفه في التوحيد: المسيحية، ومن ناحية أخرى انتشر الإسلام على طول طريق النهضة القديم وسواحل المحيط الهندي، وطرق القوافل الصحراوية على مدى قرون في التجارة على الحضارات البعيدة، وبهذه الطريق اخترق الإسلام بشكل سلمي نسبيًّا قلب الصين وإندونيسيا وإفريقيا.

 

وأحب ألا تعير لفظ (نسبيًّا) الذي جاء تعليقًا على الشكل السلمي لانتشار الإسلام، وذلك أن الانتشار السلمي للإسلام كان سلميًّا بامتياز!.

 

ومن جهة أخرى يقرر أبستولوف أن الموجة الثانية لانتشار الإسلام كانت أكثر سلاسة ونعومة، بسبب من التأثير الثقافي والتعاون التجاري.

 

وهذه النقطة هي الأمر الذي يحمل تبعاته اليوم على الحركات الإسلامية، باعتبارها حركات دعوية وثقافية تعتمد على أصول إسلامية واضحة المعالم، وهو بعض ما يفسر الهجوم عليها بغية محاصرة تأثرها؛ لأن الغرب والسياسة الثقافية العلمانية تدرك القدرة الثقافية على نشر الإسلام، وتحويل الأنظمة السلوكية والمعرفية إلى البشر.

 

ويشير أبستولوف مرة أخرى إلى معايير تميز الإسلام وعدم ذوبانه، فيقرر أن ثمة عاملين أساسيين لخصهما في:

1- فطرية الدين وفتوته.

2- دفعه الروحي ونظامه القانوني.

يقول: "جاء الاندفاع الإسلامي في القرن السابع؛ ليكسر دائرة الوجود الهامشي المفرغة للعرب عند نقطة التقاء مناطق القوى البيزنطية والإثيوبية، والفارسية، ورهان ما نجح المسلمون المدفوعون بدينهم الفتي الفطري".

 

ويقول: "إن الدفع الروحي الإسلامي ونظامه القانوني المركب حصَّن الجماعة الإسلامية من الذوبان في الحضارة المسيحية".

 

ولم يقف الأمر عند حدود هذه الملامح التي رصدها ماريو أبستولوف في سياق تفسيره للمد الإسلامي الذي شهدته الجغرافيا على امتداد تاريخ طويل، وإنما يجمع إليها مجموعة أخرى من العلامات المائزة من مثل:

 

التوحيد الإسلامي يسهم في تأسيس التسامح

ويعترف أبستولوف بأن ما تم من تحول لعدد من المسيحيين إلى الإسلام لم يكن بسبب سياسات متعمدة لتحويل هؤلاء دينهم.

 

الطريق.. شراكة لا صراع

ويمكن استخلاص أن نوع التخوم الحضارية هي التي يسعى الإسلام لتكوينها واستثمارها عن طريق شراكة مع أصحاب الأديان الأخرى عن طريق تغذية تلبية الحاجات الطبيعية والثقافية ودعم أوجه الاتصال المؤسسي على القيم.

 

وهذه النقطة الأخيرة من الممكن أن تسهم بشكل ممتاز في دعم العيش المشترك، ولا سيما أنها باختيارها نجحت في تأسيس مجتمعات اكتسبت صفة العالمية في أوقات مختلفة.

 

وفي هذا السياق يلح الكتاب على أن الإخفاقات المتوالية في العالم العربي والإسلامي في إدارة التخوم المسيحية/ الإسلامية يرجع السبب الرئيسي في وقوعه إلى الأنظمة السياسية الحاكمة التي يسميها الكتاب بالمؤسسة السياسية، وهو بعض ما يسهم في تصعيد الأساس بعدم الأمن.

 

ويشير إلى أمر مهم جدًّا طالما لامسه الإسلاميون في الداخل المصري والعربي، وهو أن الإصلاح السياسي هو الذي سيحسن الأمر الفردي لكثير من الجماهير، وهو ما سوف ينعكس على أجواء الاحتقان بالامتصاص، ويشدد على ضرورة محاربة الانحيازات في صنع القرار أو في وعي الجماهير.

 

ويشير إلى أن استبعاد المرجعية الدينية سيؤثر سلبًا على أجواء التهدئة، ذلك أنه يقول بتعبيره أن التاريخ يشهد أن الإمبراطوريات عبر التاريخ لها دائمًا شرعية دينية محددة، وهو بعض ما ينبغي تصديره للرد على الداعين إلى التطرف في تبني العلمانية، لدرجة تدعو إلى حذف النص على الإسلام من الدستور.

 

هذا كتاب يسهم بما يقدمه من حقائق في الفهم الصحيح؛ للتعامل مع الدول التي يتاخم فيها الإسلام المسيحية، وربما أسهم في دعم توجهات الدعاة إلى الإصلاح السياسي على أساس إسلامي، بما أن المرجعية الإسلامية هي المرجعية الشرعية الوحيدة على امتداد التاريخ.

 

الأصوات الداعية إلى التئام الجراح كثيرة لكن هناك من يسرق مباضع الجراحين!

---------------

* كلية الآداب- جامعة المنوفية