الكثير كتب عن ثورة تونس الخضراء وستستمر الكتابة تحليلاً وتأييدًا ونقدًا بدوافع عديدة تحكم كاتبيها بإيديولوجياتهم أو أهوائهم، وليس أدل من الكُتَّاب التونسيين الذين اختلفت توجهاتهم برحيل الرئيس بن علي بين عشيةٍ وضحاها.
ولا شك أن الحدث يستحق أن تؤلف فيه مؤلفات وتناقشه رسائل علمية؛ إذْ أنه بمثابة فاتح للشهية لكل العالم العربي والغربي على السواء، ودرس قاسٍ يلزم الاستفادة منه، وخصوصًا الأنظمة التي لا تضع الشعوب في حساباتها وتعتمد على كلٍّ من الإرادة الخارجية والمؤسستين العسكرية والأمنية في حكمها.
والزاوية التي أريد أن أكتب فيها هي عنوان مقالي فليس مفتاح شرارة اسمًا لبلية الميكانيكي أو من أسماء أطفال الشوارع كما نسمع، كما أن الثورة التي حدثت كانت مفاجأةً وسريعةً وغير متوقعة، وبدا عنصر الجرأة فيها ثقافة أثمرت ما لم يتوقعه أحد.
فلا يظن أحدٌ أن إقدام شاب تونسي يحمل مؤهلاً عاليًّا على الانتحار هو السبب في كل المظاهرات التي انتهت بهروب الرئيس من البلاد، وإلا فالكثير من حالات الانتحار حدثت من قبل في تونس ومن بعد في غيرها من العالم النامي وآخرها مصر، وأحداث أخرى أشد وقعت ولم تتحرك الجموع الغفيرة وتقوم الثورات الشعبية وتنتفض لتغير واقعًا سياسيًّا يعيشه العالم العربي.
إذن هناك في الأمر شيء ما أو أكثر يجب دراسته واعتباره، مع اتفاقنا أن حادثة الانتحار نفسها كانت الشرارة الأولى للثورة التونسية، لكنها بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، فالشعوب تتحمل وتصبر كثيرًا لما يُحاك لها في نفس الوقت الذي تبقى فيه الأحداث متراكمةً ومخزونةً في الذاكرة ولا تنساها أبدًا.
نعم.. إن للشعوب حقوقًا تتمثل في حرياتها وكرامتها وهوياتها ثم يأتي بعدها ضرورات حياتها من عملٍ لا بطالة، وأمن لا خوف يضمن لها حياة كريمة تتمثل في تناسب مستوى الدخل الشهري مع متطلبات الحياة وما توفره الدولة من مرافق عامة على أن يقوم كل ذلك على مبادئ العدل والمساواة بين الجميع كما حددها الدستور، والترتيب مقصود فسلب الحرية والكرامة والهوية يقيم الثورات ولا يُقعدها حتى حدوث التغيير السياسي الذي يعيد الحقوق، أما ثورات الجياع فتنتهي بالفتات وتعديل القرارات، وهذا ما كان يظنه الرئيس التونسي في تصريحاته الأخيرة قبل رحيله ولم تفلح معه بعكس ثورة الخبز المصرية في يناير 1977م التي انتهت بقرارات عودة الأسعار لما كانت عليها وبعد الهدوء وصفها الرئيس الراحل السادات بانتفاضة الحرامية.
ما أقصده هو أن الضغط أو مس أيٍّ من الحرية والكرامة والهوية يفضي إلى ثورة، وأنها مفاتيح للشرارة، أما الشرارة نفسها فقد تكون حادثة انتحار أو تعذيب أو غلاء أسعار أو..
* إن تزوير الانتخابات التي أقرَّها الدستور وخداع الشعوب بنزاهتها والاستخفاف بعقولها "مفتاح للشرارة".
* إن استمرار قانون الطوارئ ثلاثة عقود وما صاحبه من اعتقالات ومحاكم عسكرية واستثنائية "مفتاح شرارة".
* إن التهاون في محاسبة المفسدين والمحتكرين والظالمين والمستبدين من المنتسبين للنظام "مفتاح شرارة".
* إن مسخ الهوية المتمثل في المحاولات العلمانية (كإلغاء الدين الرسمي للدولة، إلغاء اللغة العربية كلغةٍ رسمية، تعديلات قانون الأحوال الشخصية، إلغاء الحجاب مقابل السفور، التشديد على دور العبادة من خلال تعيين خطبائها وغلقها وتوحيد الآذان وغيرها، التضييق على مشيخة الأزهر ورجال الدين، إبعاد الشباب من الوظائف العامة والمهمة رغم كفاءاتهم لأسباب أخرى كالتزامهم المتدين أو لأنهم ليسوا في وضعٍ اجتماعي معين حسبًا ونسبًا أو لإفساح مكانٍ للمحسوبية وأصحاب الولاء، ومحاولات وزير التعليم بتغيير أسماء المدارس التي تحمل اسمًا إسلاميًّا.. إلخ) من خلال تعديلات في الدستور أو قرارات وقوانين يسنها النظام وتقرها مجالس انتخابية مزورة أيًّا مما سبق "مفتاح شرارة".
وعلينا ألا ننسى ما فعله كمال أتاتورك في تركيا- أول بلد إسلامي يفصل الدين عن الدولة- على مدار 80 عامًا مضت وما أرادوه من إبعاد شعب عن هويته باسم العلمانية فتوحشوا وارتكبوا بحماقتهم ما لا يمكن السكوت عليه، فهل نجحت العلمانية في هذا البلد أم أنها في طريقها إلى التحلل والانهيار؟!.
وانظر إلى مثال آخر في إيران وما فعله شاه إيران من فساد ومسخ للهوية حتى كان اندلاع الثورة الشعبية فيها بشرارة الإسراف الفج في احتفالات الكافيار والطاووس المشوي.
إن ما فعله بورقيبه وأكمله بن علي في حق الشعب التونسي يكشف بوضوحٍ عن البعد التراكمي على مدار السنين لانتهاك الحقوق الشعبية التي تمس الحرية والكرامة ومسخ الهوية من شعائر وشرائع حتى كانت اللحظة الفارقة والقشة القاصمة في تغيير سياسي أطاح بالرئيس بن علي ومن بعده نظامه.
ما سبق يخبرنا بأن صبر الشعوب مع البعد التراكمي يُولِّد ثقافةً جديدةً تثبت قوة الشعوب وقدرتها على التغيير وإن طال الزمن ألا وهي ثقافة الجرأة التي تطلب الموت ولا تخف منه بل يزيدها اشتعالاً وانتشارًا حتى تنال مطالبها العادلة، كما رأينا في تونس الشقيقة فالذي يقدم على حرق نفسه يعاني عذابًا وأوجاعًا يفوق آلام الحرق وفراق الموت وإن اختلفنا معه.
وهنا الحديث له مراميه على المنطقة العربية بأكملها، ونخص وطننا الحبيب مصر، وما سبق يلقي بظلاله على الأوضاع المصرية شعبًا ونظامًا.. ماذا نحن وهم فاعلون؟!
لا شك أن النظام خلال عهده الطويل مارس بدهاء أساليب مختلفة مع شعبه فجمع بين الجذب والشد، والمنح والمنع والعصا والجزرة، والخداع والمناورة، فأطال بذلك توقيت انطلاق الشرارة، لكن الآن ومع كل من التغيرات العالمية المتمثلة في "تعدد الأقطاب وبزوغ قوى اقتصادية مهمة والتطور التقني والمعلوماتي والإعلامي الهائل والأزمة المالية العالمية والآثار السلبية للعولمة.. إلخ".
والأوضاع الإقليمية المتمثلة في "القضية الفلسطينية والعراق ولبنان وتقسيم السودان ومشكلة مياه دول حوض النيل وثورة تونس.. إلخ".
والظروف المحلية والتي على رأسها قرب انتخابات الرئاسة وكبر سن الرئيس وطول فترة ولايته السابقة، وزيادة معدلات البطالة والعنوسة، وغلاء الأسعار، بدا الأمر صعبًا للغاية في أن يبقى الحال على ما هو عليه، ولم تعد تجدي المسكنات فالأعطاب كثيرة، والآلام لم تعد تنفعها المسكنات، ولا بد من إصلاحٍ شاملٍ وفوقي إن لم يكن إحلال وتغيير جذري، وكيف يكون ذلك لضمان عدم الفوضى أو الانهيار لا قدر الله؟!.
إن الوقت المتبقي للنظام المصري لوقف أي احتجاج يعقبه انتفاضة هو العمل بجد وسرعة نحو الإصلاح الحقيقي قبل الدخول في مرحلة الغرغرة التي لا ينفع معها تصريحات أو تغيير وزارات، والأمر جد خطير في تحقيق مطالب التغيير المتفق عليها بين القوى السياسية المختلفة خلال الفترة القادمة، وقبل بداية الترشح الرئاسي القادم، وإلا سيقع ما لا يُحمد عقباه.. فاللهم جنبنا ما يضر بمصر وشعبها من مخاطر وأزمات.