د. محمد منصور
إن ما حدث في تونس البلد الإسلامي العربي، هو بداية تحقيق آمال التغيير نحو الخير بإذن الله، في كلِّ الدول الإسلامية والعربية.. فكما قيل: "أحلام اليوم حقائق الغد".

إن الشعوب حينما تستيقظ من غفلتها ونسيانها، بالاعتبار والتفكر في الأحداث حولها، وتستعيد كامل قوة عقولها، تتعاظم قواها، ويصغر حينئذٍ وتلقائيًّا أمامها الباطل وينزوي وينقرض ويتلاشى ويزهق.. ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (81)﴾ (الإسراء).
إنها حين تستيقظ، تبدأ في العودة بفطرتها، والتي "بَرْمَجها" خالقها عليها، لمصدر قوتها وسعادتها.. لربها ولدينها.
إنها حين تستيقظ، تبدأ في التربية على أخلاقها الحسنة، والتي قد تكون أغفلتها قليلاً أو كثيرًا من قبل، فتتعامَل فيما بينها بكلِّ خُلقٍ حَسَن مُسْعِد بما لا يُبقِي مجالاً لظلم أو تسلط أو خداع أو غيره من الأخلاق السيئة الشرِّيَّة المُتعِسَة لها، ويكون هذا هو البناء الصلب المُتماسِك لجبهتها الداخلية.
إنها حين تستيقظ وتترَبَّى، تبدأ في الاهتمام بتخصّصاتها في كلِّ مجالات حياتها، العلمية والعملية والمهنية والاجتماعية والسياسية والإعلامية والعسكرية وغيرها، لتؤهّل متخصّصين أخلاقيّين وطنيّين ذوي أيادي نظيفة يمكنهم إدارة وسياسة كل شئونها على أعلى مستوى من الإتقان والإحسان.. ليسعد الجميع.
إنها حين تستيقظ، تبدأ في نصح وإرشاد كل مُفسِد بالحسنى، ثم إحلاله واستبداله سلميًّا، ومع الوقت بكلِّ مُصلِح إن لم يستجب للنصيحة الودودة المتكررة، حتى تتسِع مساحات نور الإصلاح والمصلحين، وتضيق تلقائيًّا وتنعدم مساحات ظلام الفساد والمُفسِدين (برجاء أيضًا مراجعة مقالة: "التغيير بالإحلال، لا بالقوة والعنف" لمزيد من التفصيل والتوضيح).
إنها حين تستيقظ، تُحْسِن ترتيب أولوياتها، فحُرّيتها وكرامتها قبل طعامها وشرابها، إذ ما قيمة الطعام والشراب لمسجون أسير؟! إنه يسمن ليموت في سجنه!! بينما لو كان حرًّا طليقًا لأتى بكلِّ خير يريد!
إنها حين تستيقظ تتعاون على كلِّ خير، وتلفظ كل شرّ.
إنها حين تستيقظ تحبّ الحق والخير وتدافع عنه، بل وتحبّ الاستشهاد في سبيله؛ لأنّ الشهادة حينئذ ستعني الحياة، الحياة السعيدة الكريمة العزيزة؛ لأنها إحدى الحُسنيين، فإمَّا عادَ عليها إقدامها على حفظ الحق والخير بتحقيق النصر وحفظه، والنعيم والسعادة بآثاره الدنيوية، وإمَّا عادَ عليها هذا الإقدام بحياة أخروية أسعد وأخلد بجوار ربها.
إنها حين تستيقظ، حين تترَبَّى وتتخصّص وترقى وتقوى، حينها ستتمكن من إحسان إدارة وسياسة بلدها، وسيشترك الجميع في إدارتها وسياستها على اختلاف دياناتهم وثقافاتهم وبيئاتهم؛ لأنَّ الكلَّ مواطنون أصحاب حقٍّ في وطنهم، على ألا َّتُقدِّم لإدارته وسياسته إلا المُتخصّص صاحب الخُلق.
إنها حين تستيقظ وتزدهر وتسعد، بالتربية والتخصّص، ستُحْسِن عرض نموذجها دوليًّا للآخرين، ستُحْسِن علاقاتها الدولية، وستُحْسِن عرض الأخلاق، أي ستُحْسِن عرض الإسلام الذي يشملها كلها وبه اكتملت كل الأديان قبله، وسيزداد عدد المُحبِّين، وسيقلّ عدد المُعارضين، وسيتحوّل الأعداء إلى مُحايدين أو حتى مُسانِدين.. وسينتشر الخير، وستعُمّ السعادة البشرية والأرض كلها.
حقًّا، إنَّ استيقاظ الشعوب هو الحل.. الحل لِمَا تمرّ به الأمة الإسلامية والعربية من ظروف ضعف وهوان تُعتبَر استثنائية.. إنَّ ما حدث في تونس هو أكبر دليل على ذلك.
إنه آية ٌمن آيات الله تعالى، أن يحدث نصر الشعب الأعزل على المُستبدّ بهم، ونصر المظلوم ظاهر الضعف على ظالمه الذي يبدو قويًّا، لكنها القوة الهشَّة! في بلد اشتُهرَ بأنه سجن كبير، ومسئوله هو سجَّانه وجلاده.
فإذا بالأسد يتأرنب! وإذا بالذين قاموا بتربيته مِن قبْل يتخلوّن عنه ويخذلونه ويلفظونه! وإذا بالهزيل المريض ظاهريًّا يشفى ويقوى وينتفض! ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5)﴾ (القصص).
لكنه نصر الله لمن يريده ويعمل له تربية وتخصّصا ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126)﴾ ( آل عمران)، ﴿يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5)﴾ (الروم)، (برجاء أيضًا مراجعة مقالة: "تعريف النصر" لمزيد من التفصيل والتوضيح).
في أيام معدودة! وبأسباب محدودة! بارَكها وزادها خالق الأرض والبشر، العادل الكريم، الذي لا يرضى بالظلم المُتعِس لخلقه، حينما لا يرضونه هم! فيُعينهم ويُوفقهم وينصرهم ويُسعدهم ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7)﴾ (محمد).
وسيحدث بإذن الله ما حدَث لكل شعب يستيقظ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: من الآية 11)... لأنه وَعْد الله الأكيد الذي لا يُخلف وعده وموعده ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (31)﴾ (الرعد).