أرجِّح أن خطب الجمعة المقبلة ستتركز في مصر كما فعلت الجزائر على تحريم قتل النفس شنقًا أو حرقًا، وذلك بعد تعدد حالات إقدام مواطنين مقهورين على حرق أنفسهم في القاهرة والإسكندرية في استنساخٍ لمشهد مفجر الثورة التونسية محمد البوعزيزي، وهو المشهد الذي تكرر أيضًا في الجزائر وموريتانيا؛ ما يعني أن ارتدادات الثورة التونسية قد وصلت بالفعل إلى أماكن مختلفة.
ورغم وضوح الموقف الشرعي في تحريم قتل النفس، إلا أن مئات الخطب لن توقف مقهورًا من الإقدام على ذلك الفعل؛ لأنه حين يفعل ذلك فإنه يكون قد وصل إلى مرحلة اليأس التام وفقدان الوعي، ومن الواجب على السلطة أن تعرف وتزيل الأسباب التي أوصلت أناسًا للتضحية بأنفسهم وحرق أجسادهم.
لقد جرَّب الشعب المصري ألوانًا عديدة من الاحتجاجات منها الاعتصامات، والمظاهرات السلمية، والإضراب عن العمل، وحتى الإضراب عن الطعام، ولكن جميع تلك الأشكال لم تجدِ نفعًا مع نظام حوَّل الدولة إلى معسكر أمني كبير؛ حيث تنتشر سيارات الشرطة الصغيرة منها والكبيرة في كل مكان، ويظهر أمام كل متظاهر واحد ما يزيد عن مائة ضابط وجندي من قوات مكافحة الشغب وأمن الدولة.
لم تترك الدولة للمقهورين طريقًا آخر للتعبير عن مظالمهم، وحتى الشكل الاحتجاجي البسيط للعديد من الموظفين والعمال أمام مجلس الشعب لم تطقه الشرطة التي قامت بإجلاء المعتصمين بالقوة، وكأنها تزيل بعض القمامة من الشارع، رغم أن أولئك المحتجين لم يكن لهم أي علاقة بالشأن السياسي، بل تركزت كل مطالبهم على حقوق وظيفية بسيطة من الممكن تحقيقها بأقل جهد وأقل إمكانيات مادية، تُرى هل يهيم هؤلاء الموظفون المقهورون عشقًا في حكومةٍ تعاملت معهم بهذه القسوة؟!
منذ اندلعت الثورة التونسية وهناك محاولات مستميتة من ألسنة النظام ومفكريه للادعاء أن ما حدث في تونس غير قابل للتكرار في مصر، بدعوى أن الوضع في تونس يختلف جذريًّا عن مصر، ولا أدري في أي عالمٍ يعيش هؤلاء؟!، وهل يظنوننا نعاجًا بلا عقول تأكل ما يُلْقَى لها من برسيم دون تفكير؟! ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا (5)﴾ (الكهف)، فالوضع في تونس هو صورة من مثيله في مصر مع بعض الفروق غير الجوهرية يُحْسَب بعضها لصالح تونس وبعضها لصالح مصر، ولكن النتيجة هي تساوي الموقفين، كيف ذلك؟ دعوني أذكركم ببعض أوجه التشابه التي يعرفها الكثيرون، فالذكرى تنفع المؤمنين.
في تونس نظام جمهوري رئاسي لديه تعددية حزبية شكلية تستثني القوى الحقيقية، وهي الإسلاميون والشيوعيون وبعض الوطنيين، وهو ما يحدث في مصر أيضًا، وبينما زوَّرت مصر الانتخابات البرلمانية الأخيرة لتحرم المعارضة سواء الحقيقية أو الهامشية من التمثيل والذي كانت تُمَثِّل ما يزيد عن 25% في البرلمان، فإن تونس قصرت المنع على الأحزاب والقوى الحقيقية، ولكنها سمحت في برلمانها الأخير قبل الثورة بتمثيل الأحزاب الهامشية بنسبة حوالي 20%.
وكما حرمت تونس القوى الحيَّة من تأسيس أحزاب شرعية لها مثل "حركة النهضة" فإن مصر منعت أيضًا السماح بقيام حزبي الوسط والكرامة، وترفض أي حديث عن حزب مدني للإخوان المسلمين تحت أي مسمى، كما تدخلت السلطة كثيرًا من قبل- ولا تزال – لتفجير بعض الأحزاب من الداخل مثل حزب العمل الذي تم تجميده وإغلاق صحيفته "الشعب" منذ مايو عام 2000م، وحزب (الغد) الذي اختطفته من مؤسسه أيمن نور لتسلمه إلى أحد الموالين لها، ناهيك عن بثِّ الفتن في الأحزاب الأخرى، مثل: حزب (الوفد)، وحزب (الجبهة).. إلخ.
من خلال مطالعتي للدستور التونسي تبين أن تونس هي من صدَّرَت لنا نص المادة 76 من الدستور، والتي سمحت بتعددية ترشيح شكلية لانتخابات رئاسة الجمهورية؛ حيث يقضي الدستور التونسي بضرورة حصول المرشح على تفويض من عدد من النواب، وهو ما حدث في مصر أيضًا، كما أن الدستور التونسي وضع أحكامًا استثنائيةً منذ انتخابات الرئاسة في 1999م تسمح بترشيح رؤساء الأحزاب الممثلة في البرلمان بعضو أو أكثر، وهو بذلك قد سبق مصر بثماني سنوات في فتح الترشح الشكلي لرئاسة الجمهورية، مع استمرار حرمان المنافسين الحقيقيين منها.
وقبل تصدير المادة 76 كانت تونس هي من صدَّر لمصر ولغيرها من البلدان العربية نظرية تجفيف المنابع للإسلاميين، بما يعنيه ذلك من ملاحقة أي مظهر للتدين، وتشديد القيود على المساجد واللقاءات الدينية والبرامج الدينية والمناهج الدينية.. إلخ، ومطاردة الإسلاميين في أعمالهم وأرزاقهم ودراستهم.. إلخ، وقد كشفت وثيقة رسمية تمَّ العثور عليها عقب الثورة أن وزارة الداخلية وجَّهت تعليمات محددة لمسئوليها بملاحقة المترددين على المساجد، ومرتديات الحجاب الذي كان نظام بن علي يصفه بالزي الطائفي.
لا ننكر أن تونس أقسى من مصر فيما يتعلق بحرية التعبير عن الرأي من خلال وسائل الإعلام التقليدية (الصحف والإذاعات) والحديثة المتمثلة في الإنترنت والفضائيات، والتي فرضت عليها قيودًا تزيد في درجتها عما هو مفروض في مصر، وإن كانت مصر أيضًا قد سعت مؤخرًا للحاق بها عبر إغلاق بعض القنوات الإسلامية، وتشديد القيود على الفضائيات الإخبارية والصحف بما فيها المستقلة، التي صارت تتلقى يوميًّا توجيهات سياسية وأمنية بنشر موضوعات وعدم نشر موضوعات أخرى، وظهر ذلك جليًّا في متابعة أحداث الثورة التونسية، ومن قبلها في نشر وثائق "ويكيليكس"، والسعي الحالي داخل أروقة الحزب الوطني لحجب بعض مواقع الإنترنت (للعلم هناك قيود مشددة في مصر على حرية إصدار الصحف حتى الآن بهدف حرمان القوى الإسلامية من إصدار صحف).
وفيما يخصُّ التنظيمات النقابية المهنية والعمالية هناك محاصرة دائمة لها في مصر وفي تونس، ففي تونس تمَّ التدخل لإحداث انشقاقات وهمية في العديد من النقابات لتعترف الحكومة بالشق الموالي لها وتلاحق الشق المعارض، وفي مصر جَمَّدت الحكومة غالبية النقابات المهنية منذ أصدرت لها قانونًا موحدًا في سنة 1995م وحرمت أعضاءها من ممارسة حقوقهم في اختيار ممثليهم منذ ذلك التاريخ، وفرضت الحراسة على بعض النقابات- ولا تزال- مثل المهندسين، أما فيما يخص التنظيم العمالي ففي مصر هناك هيمنة حكومية تامة على اتحاد العمال فيما تمتع الاتحاد التونسي للشغل ببعض الاستقلالية عن الحكومة، حتى إنه أيَّد الاحتجاجات بدءًا من يوم 8 يناير، وحمَّل نظام بن علي المسئولية وهو لا يزال في سدة الحكم.
إذا تركنا السياسة إلى الاقتصاد، فإن الأرقام والبيانات- وهي مشكوك في صحتها في كلا الدولتين- تميل لصالح تونس من حيث معدلات النمو، ومستوى الدخل الفردي، لكن ذلك كان يعني ضمنًا أن مصر هي المؤهلة أكثر للاضطرابات.
كل ما ذكرناه ليس دعوةً للثورة بأي حال، بل هو تحذير منها، حماية لوطننا وثرواتنا، والشيء المؤكد أن الخلاف الرئيسي بين مصر وتونس هو أن مصر دولةٌ كبيرةٌ مكانًا وسكانًا، وهي تشبه الإسفنجة الكبيرة القادرة على امتصاص الكثير من التوترات والاضطرابات، ولكن "للصبر حدود".