المجتمع الإسلامي مجتمع عالمي متنوع.. العرب والمسلمون يشكلون أغلبه، ورغم ذلك يتميز بالتنوع العرقي والديني، والمذهبي، والجنسي، واللغوي، والحضاري، و.. إلخ.

 

هذا التنوع مصدر للثراء الحضاري، والسلام الاجتماعي، وقاعدة للنهضة، وليس مصدرًا للتأزم الحضاري الذي نعيشه، ولا السبب الحقيقي لتفجر بؤر الصراع في حدود عالمنا الإسلامي المنكوب.

 

إن أسباب الحروب، وحالات اللا سلام واللا أمن في العالم أجمع؛ بسبب الجوع، والفقر، والظلم، والاضطهاد، والاستبداد، والخوف من المستقبل، والطمع، بأن يحصل الإنسان على المزيد، والمزيد من الثروات، والأموال، والقوة.. بالإضافة إلى الأيادي التي تلعب في الخفاء لنشر الفتن، وتأجيج الصراعات.

 

إن الناظر لأحوال العرب قبل الإسلام وبعده ليتضح له بجلاء تأثير الإسلام في المجتمع، لقد نشأت في بلاد العرب فئة من كبار التجار العرب، وكانت تنمو نموًّا متسارعًا، وفي مكة تحديدًا، فقد ضم مجتمعها فئة قليلة تمتلك الثروات الطائلة: نقدية، وعينية، وأراضي واسعة، حصلت على أموالها عن طريق الاحتكار، والتجارة، والربا، وعن طريق استثمار الفقراء، والعبيد (أي الأغلبية الساحقة من الناس وقتئذٍ).

 

لما بعث محمد صلى الله عليه وسلم نبيًّا، ناصره الفقراء والمستضعفون، وفي مقدمتهم الهاشميون.. هال ذلك قريش فناصبوه العداء، وحاربوا أتباعه اقتصاديًّا وسياسيًّا، وألبوا عليهم القبائل العربية.. وقد تمكَّن المسلمون لاحقًا من الانتصار على ظالميهم، وفتحوا مكة، وانتشر الإسلام في شبه الجزيرة العربية، ودانت له قبائلها؛ ما جعل الأعداء يشهدون للنبي صلى الله عليه وسلم قبل الأصدقاء، فقد عبَّر الباحث والمبشر الإنجليزي "ت.و.آرنولد" عن أهمية الوحدة الاجتماعية التي شكلها الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال: إن تلك البلاد العربية التي لم تطع أميرًا واحدًا أبدًا من قبل، أصبحت وحدة اجتماعية فجأة، وسلمت نفسها لذلك الآمر المطلق، لقد خلق الرسول وحدة اجتماعية من القبائل المتعددة الصغيرة والكبيرة والمتشكلة من حوالي مائة جماعة اجتماعية صغيرة ومتنازعة فيما بينها دومًا.

 

بعد هجرة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم من مكة إلى يثرب آخى بين المهاجرين والأنصار، وأصلح ما بين الأوس والخزرج من عداء، وجعل مختلف الأعراق المقيمة في المدينة تتآلف فيما بينها عن طريق الاتفاقيات الاجتماعية، من أجل توفير الوحدة الاجتماعية والسلام الاجتماعي، ووضع الصحيفة "دستورًا" للتعامل بين أهل المدينة- كتبه الرسول عند وصوله بين فيه الحقوق والواجبات وجاء فيه: "هذا كتاب من محمد النبي (رسول الله) بين المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب ومن اتبعهم فلحق بهم وجاهد معهم؛ إنهم أمة واحدة من دون الناس على ربعتهم يتعاقلون بينهم وهم يفدون عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين".. وبعد أن حدد الحقوق والواجبات ختم الصحيفة بقوله: ".. وأن البر دون الإثم لا يكسب كاسب إلا على نفسه، وأن الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره. وأنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم، وأنه من خرج آمن ومن قعد آمن بالمدينة إلا من ظلم أو آثم، أن الله جار لمن بر واتقى، ومحمدد رسول الله". (بسيوني محمود شريف، الوثائق الدولية المعنية بحقوق الإنسان، المجلد الثاني، دار الشروق، القاهرة، 2003م).

 

ثم فتح الله على محمد صلى الله عليه وسلم مكة، أطلق النبي صلى الله عليه وسلم سراح المشركين الذين عذبوا المسلمين من قبل، وأبدى تسامحًا عظيمًا تجاههم، فقد أصبح  الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة أمة تحقق العدالة بين الناس مثلما ورد في الآية ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (181)﴾ (الأعراف).

 

نظر الإسلام إلى الآخر

نظر الإسلام إلى الآخر منذ نشأته الأولى نظرة تكامل وتعاون، وقد وضع الإسلام قواعد واضحة للعائلة البشرية؛ فأعلن أن الناس جميعًا خلقوا من نفس واحدة؛ مما يعني وحدة الأصل الإنساني، فقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ منهكا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1)﴾ (النساء)، وكل الناس لهم الحق في العيش والكرامة دون استثناء أو تمييز، ودستور الإسلام في التعامل مع غير المسلمين يتلخص في قوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8)﴾ (الممتحنة)، فالآية واضحة في أن المسلمين عندما لا يريد الآخرون أن يؤمنوا بالإسلام، فعلى المسلمين صلتهم، والعدل معهم، ومعاملتهم المعاملة الطيبة، بناءً على مبدأ الاحترام المتبادل، والعلاقات الإنسانية والمصالح المشتركة.

 

وقد تعامل الفقه مع غير المسلم من خلال عقد الذمة، و"الذمة" كلمة معناها العهد والضمان والأمان، وإنما سموا بذلك؛ لأن لهم عهد الله وعهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وعهد جماعة المسلمين؛ فهذه الذمة تعطي أهلها "من غير المسلمين" ما يشبه في عصرنا "الجنسية السياسية" التي تعطيها الدولة لرعاياها، فيكتسبون بذلك حقوق المواطنين ويلتزمون بواجباتهم، ومن خصائص هذا العقد أنه عقد مؤبد، يتضمن إقرار غير المسلمين على دينهم، وتمتعهم بحماية الجماعة الإسلامية ورعايتها.

 

حقوق غير المسلم في المجتمع المسلم

الأساس في حقوق غير المسلم في المجتمع المسلم أنهم لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين؛ ولذلك كفل النظام التشريعي الإسلامي- وطبقه المسلمون عبر التاريخ- جميع حقوق المسلمين لغير المسلمين في المجتمع الإسلامي؛ حيث كفل له حقه في حرية الاعتقاد، وفي ممارسة الشعائر الدينية، وحقه في العمل وتكوين الثروات، وحقه في تولي المناصب العليا في الدولة الإسلامية، وحقه في الأمن، والرعاية الصحية، وحمايته من الاعتداء الخارجي، والاضطهاد الداخلي، وعصم دمه، وماله، وعرضه، وكفله ماديًّا عن العجز أو الفقر.

 

حق حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر الدينية

الإسلام لا يأمر الناس بالدخول فيه بالقوة أو بالسيف بل بالاقتناع؛ ولذلك كفل حق غير المسلم في المجتمع المسلم في أن يعتقد ما يعتقد، وأن يتعبد بما يتعبد، ما دام أنه لا يؤذي المسلمين ولا يظاهر عليهم، وأساس هذا الحق قوله تعالى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (البقرة: من الآية 256)، وقوله سبحانه: ﴿وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ (99)﴾َ (يونس)، وكذلك صان الإسلام لغير المسلمين معابدهم، ورعى حرمة شعائرهم، بل جعل القرآن من أسباب الإذن في القتال حماية حرية العبادة.

 

ولما توسَّعت رقعة الدولة الإسلامية زمن النبي صلى الله عليه وسلم، كان هناك مجموعة كبيرة من القبائل المسيحية العربية، وبخاصة في نجران، فما كان منه صلى الله عليه وسلم، إلا أن أقام معهم المعاهدات التي تؤمن لهم حرية المعتقد، وممارسة الشعائر، وصون أماكن العبادة، إضافةً إلى ضمان حرية الفكر والتعلم، فلقد جاء في معاهدة النبي لأهل نجران: "ولنجران وحاشيتهم جوار الله، وذمة محمد النبي رسول الله على أنفسهم، وملّتهم، وأرضهم، وأموالهم، وغائبهم، وشاهدهم، وَبِيَعهم، وصلواتهم، لا يغيروا أسقفًا عن أسقفيته ولا راهبًا عن رهبانيته، ولا واقفًا عن وقفانيته". إلى أن قال: "وعلى ما في هذه الصحيفة جوار الله وذمة النبي أبدًا حتى يأتي الله بأمره إن نصحوا وأصلحوا". (الخراج لأبي يوسف، ص 78، 155، 159).

 

وعهد عمر بن الخطاب بعد- توليه الخلافة- إلى أهل إيلياء (بيت المقدس) عهدًا نص على حُريتهم الدينية، وحرمة معابدهم وشعائرهم: "هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان: أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم وسائر ملَّتهم، لا تُسكن كنائسهم، ولا تُهدم، ولا ينتقص منها، ولا من حيزها، ولا من صليبها، ولا من شيء من أموالهم، ولا يُكرهون على دينهم، ولا يُضار أحد منهم، ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود". (أوردها اليعقوبي في تاريخه ج 2، ص 46، كما أوردها ابن البطريق في التاريخ المجموع على التحقيق والتصديق 2، ص 147).

 

وعهد خالد بن الوليد لأهل عانات- على الفرات الأعلى القريب من سوريا وهي من المدن العراقية القديمة-: "ولهم أن يضربوا نواقيسهم في أي ساعةٍ شاءوا من ليل أو نهار، إلا في أوقات الصلاة، وأن يخرجوا الصلبان في أيام عيدهم". (الخراج لأبي يوسف ص 146).

 

حق بناء ما يكفيهم من الكنائس

وبُنِيت في مصر عدة كنائس في القرن الأول الهجري، مثل كنيسة "مار مرقص" بالإسكندرية ما بين عامي (39- 56هـ) كما بُنِيت أول كنيسة بالفسطاط في حارة الروم، في ولاية مَسْلمة بن مَخْلَد على مصر بين عامي (47- 68 هـ) كما سمح عبد العزيز بن مروان حين أنشأ مدينة "حلوان" ببناء كنيسة فيها، وسمح كذلك لبعض الأساقفة ببناء ديرين.

 

وهذا التسامح مع المخالفين في الدين، شهد به الغربيون أنفسهم.. يقول العلامة الفرنسي جوستاف لوبون: "رأينا من آي القرآن أن مسامحة محمد لليهود والنصارى كانت عظيمة إلى الغاية، وأنه لم يقل بمثلها مؤسسو الأديان التي ظهرت قبله كاليهودية والنصرانية على وجه الخصوص، وسنرى كيف سار خلفاؤه على سنته". (كتاب "حضارة العرب" لجوستاف لوبون صفحة 128).

 

وقد اعترف بذلك التسامح بعض علماء أوروبا الذين أمعنوا النظر في تاريخ العرب، يقول- على سبيل المثال- روبرتسن في كتابه "تاريخ شارلكن": "إن المسلمين وحدهم الذين جمعوا بين الغيرة لدينهم وروح التسامح نحو أتباع الأديان الأخرى، وأنهم مع امتشاقهم الحسام نشرًا لدينهم، تركوا مَن لم يرغبوا فيه أحرارًا في التمسك بتعاليمهم الدينية".

 

حق العمل وتولي المناصب

أعطى التشريع الإسلامي لغير المسلم حق العمل، والتكسب، وتكوين الثروة، فلم يحدد ملكيتهم ولا يمنعهم من مزاولة أي الأعمال شاءوا، وهذا ما يتضح في المنهج العملي الذي شاهده العالم بأسره.

 

فلغير المسلمين حرية العمل والكسب، بالتعاقد مع غيرهم، أو بالعمل لحساب أنفسهم، ومزاولة ما يختارون من المهن الحرة، ومباشرة ما يريدون من ألوان النشاط الاقتصادي، شأنهم في ذلك شأن المسلمين.. وكادت بعض المهن تكون مقصورةً عليهم كالصيرفة والصيدلة وغيرها.. واستمر ذلك إلى وقت قريب في كثير من بلاد الإسلام.. وقد جمعوا من وراء ذلك ثروات طائلة معفاة من الزكاة ومن كل ضريبة إلا الجزية، وهي ضريبة على الأشخاص القادرين على حمل السلاح، كما سيأتي، وهي مقدار جد زهيد.

 

قال آدم ميتز: "ولم يكن في التشريع الإسلامي ما يغلق دون أهل الذمة أي باب من أبواب الأعمال، وكانت قدمهم راسخة في الصنائع التي تدر الأرباح الوافرة، فكانوا صيارفة وتجارًا وأصحاب ضياع وأطباء، بل إن أهل الذمة نظموا أنفسهم؛ بحيث كان معظم الصيارفة الجهابذة في الشام مثلاً يهودًا.. على حين كان أكثر الأطباء والكتبة نصارى، وكان رئيس النصارى ببغداد طبيب الخليفة، وكان رؤساء اليهود وجهابذتهم عنده". (آدم ميتز في كتاب: الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري"- الجزء الأول ص 105).

 

تولِّي المناصب الكبرى

ولغير المسلمين الحق في تولِّي وظائف الدولة كالمسلمين، إلا ما غلب عليه الصبغة الدينية كالإمامة ورئاسة الدولة والقيادة في الجيش، والقضاء بين المسلمين، والولاية على الصدقات، ونحو ذلك؛ فالإمامة أو الخلافة رئاسة عامة في الدين والدنيا، خلافةً عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يجوز أن يخلف النبي في ذلك إلا مسلم، ولا يعقل أن ينفذ أحكام الإسلام ويرعاها إلا مسلم.. وقيادة الجيش ليست عملاً مدنيًّا صرفًا، بل هي عمل من أعمال العبادة في الإسلام، إذ الجهاد في قمة العبادات الإسلامية، والقضاء إنما هو حكم بالشريعة الإسلامية، ولا يطلب من غير المسلم أن يحكم بما لا يؤمن به، ومثل ذلك الولاية على الصدقات ونحوها من الوظائف الدينية.. واقتصار هذه المناصب على الأكثرية هو ما تجده في كل المجتمعات غير الإسلامية أيضًا، فما شهد التاريخ القديم أو الحديث بأن المسلم تولَّى رئاسة الدولة أو الحكومة أو القضاء في دول غير إسلامية، ولذلك فاعتبار هذا اضطهادًا مسلك بعيد عن الإنصاف.. وما عدا ذلك من وظائف الدولة، يجوز إسناده إلى أهل الذمة إذا تحققت فيهم الشروط التي لا بد منها من الكفاءة والأمانة والإخلاص للدولة.

 

وقد بلغ التسامح بالمسلمين أن صرح فقهاء كبار- مثل الماوردي في "الأحكام السلطانية" بجواز تقليد غير المسلم "وزارة التنفيذ".. ووزير التنفيذ هو الذي يبلغ أوامر الإمام ويقوم بتنفيذها ويمضي ما يصدر عنه من أحكام، وقد كان سرجون كاتبًا لمعاوية بن أبي سفيان وصاحب أمره، كما أصبح سرجون هذا من أهم مستشاري يزيد بن معاوية، وقد تولى الوزارة في زمن العباسيين بعض النصارى أكثر من مرة، منهم عيسى بن نسطورس سنة 380هـ، كما استُنيب منشا اليهودي بالشام.. وقد بلغ تسامح المسلمين في هذا الأمر أحيانًا إلى حد المبالغة والجور على حقوق المسلمين؛ مما جعل المسلمين في بعض العصور يشكون من تسلط اليهود والنصارى عليهم بغير حق. (وثيقة تسامح الإسلام مع غير المسلمين، مصدرها: دار الإفتاء المصرية بتاريخ: 20/8/2005م).

 

وقد قال المؤرخ الغربي آدم ميتز: "من الأمور التي نعجب لها كثرة عدد العمال (الولاة وكبار الموظفين) والمتصرفين غير المسلمين في الدولة الإسلامية، فكأن النصارى هم الذين يحكمون المسلمين في بلاد الإسلام والشكوى من تحكيم أهل الذمة في أشعار المسلمين شكوى قديمة" (آدم ميتز في كتابه "الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري- الجزء الأول ص 105).

 

في هذا المعنى يقول أحد الشعراء المصريين في يهود عصره الذين اضطهدوا المسلمين وسيطروا على الحكام:

يهود هذا الزمان قد بلغوا           غاية آمالهم وقد ملكوا

العز فيهم والمال عندهم             ومنهم المستشار والملكُ

يا أهل مصر قد نصحت لكم          تهوَّدوا، قد تهود الفلكُ

حق الأمن والحماية

إن المجتمع الإسلامي مجتمع الأمن والسلام، ولذلك فإن مَن يعيش بين المسلمين لا بد أن ينعم بالأمان والسلام، وقد قرر الإسلام حماية غير المسلمين من الظلم، فحمى أموالهم ودماءهم وأعراضهم، وحماهم من نوائب الزمن، لتحقيق الأمن والسلام المنشود، وحماهم من الاعتداء الخارجي؛ فيجب لهم ما يجب للمسلمين، وعلى حاكم المسلمين، بما له من سُلطة شرعية، وما لديه من قوة عسكرية، أن يُوفِّر لهم هذه الحماية، كما نص على ذلك الفقهاء بقولهم: "يجب على الإمام حفظ أهل الذمة ومنع مَن يؤذيهم، وفك أسرهم، ودفع مَن قصدهم بأذى إن لم يكونوا بدار حرب، بل كانوا بدارنا، ولو كانوا منفردين ببلد". (مطالب أولي النهى 2/602)، وعلل ذلك بأنهم: "جرت عليهم أحكام الإسلام وتأبد عقدهم، فلزمه ذلك كما يلزمه للمسلمين" (ابن القيم "أحكام أهل الذمة" 1/24).

 

أما من ناحية حماية غير المسلم من الاضطهاد الداخلي، فقد كثرت الأحاديث الخاصة بتحذير المسلمين من ظلم غير المسلم أو انتقاصه أو أذيته، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "من ظلم معاهدًا أو انتقصه حقًّا، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس منه، فأنا حجيجه يوم القيامة". (رواه أبو داود بسند حسن).

 

وفي عهد النبي صلى الله عليه وسلم لأهل نجران أنه قال: "لا يؤخذ منهم رجل بظلمِ آخر" (رواه أبو يوسف في الخراج ص 72- 73).. كما صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من قتل نفسًا معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عامًا" (رواه البخاري في صحيحه- 3166).

 

وكان عليٌّ بن أبي طالب- رضي الله- يقول: "إنما بذلوا الجزية لتكون أموالهم كأموالنا، ودماؤهم كدمائنا" (المغني ج- 8 ص 445، البدائع ج7- ص 111 نقلاً عن أحكام الذميين والمستأمنين ص 89).. حتى إن كثيرًا من فقهاء الإسلام المعتد بهم في الشريعة، قد أقروا بأن المسلم يقتل إذا قتل غير المسلم المعاهد، فقد قال مالك والليث: "إذا قتل المسلم الذمي غيلة يُقتل به" (نيل الأوطار ج7- ص 154).. وهو الذي فعله أبَان بن عثمان حين كان أميرًا على المدينة، وقتل رجل مسلم رجلاً من القبط، قتله غيلة، فقتله به، وأبَان معدود من فقهاء المدينة.

 

وذهب الشعبي والنخعي وابن أبي ليلى وعثمان البتي وأبو حنيفة وأصحابه إلى أن المسلم يُقتل بغير المسلم المعاهد مطلقًا، لعموم النصوص الموجبة للقصاص من الكتاب والسنة، ولاستوائهما في عصمة الدم المؤبدة، ولما روي أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قتل مسلمًا بمعاهد.. وقال: "أنا أكرم من وفَّى بذمته"، وما روي: "أن عليًّا أُتي برجل من المسلمين قتل رجلاً من أهل الذمة، فقامت عليه البيِّنة، فأمر بقتله، فجاء أخوه فقال: إني قد عفوت، قال: فلعلهم هددوك وفرقوك، قال: لا، ولكن قتله لا يرد علَيَّ أخي، وعوَّضوا لي ورضيتُ. قال: أنت أعلم؛ من كانت له ذمتنا فدمه كدمنا، وديته كديتنا" (أخرجه الطبراني والبيهقي)، (السنن الكبرى ج- 8 ص 34)، وقد صحَّ عن عمر بن عبد العزيز: "أنه كتب إلى بعض أمرائه في مسلم قتل ذميًّا، فأمره أن يدفعه إلى وليه: فإن شاء قتله، وإن شاء عفا عنه.. فدُفِعَ إليه فضرب عنقه" (المصنف لعبد الرزاق ج- 10 ص 101، 102).

 

وهذا هو المذهب الذي اعتمدته الخلافة العثمانية ونفذته في أقاليمها المختلفة منذ عدة قرون.

 

وفقهاء المسلمين من جميع المذاهب الاجتهادية صرَّحوا وأكدوا بأن على المسلمين دفع الظلم عن غير المسلمين والمحافظة عليهم؛ لأن المسلمين حين أعطوهم العهد قد التزموا بدفع الظلم عنهم، وهم صاروا به من أهل دار الإسلام، بل صرَّح بعضهم بأن ظلم غير المسلم أشد من ظلم المسلم، وهو مبني على أن الذمي في دار الإسلام أضعف شوكة عادة، وظلم القوي للضعيف أعظم في الإثم، فدماؤهم وأنفسهم معصومة باتفاق المسلمين، وقتلهم حرام بالإجماع، ولهذا أجمع فقهاء الإسلام على أن قتل الذمي كبيرة من كبائر المحرمات لهذا الوعيد الذي جاء في الأحاديث.

 

ومن أشهر نماذج حماية غير المسلم من أي أذى قصة القبطي مع عمرو بن العاص والي مصر؛ حيث ضرب ابن عمرو ابن القبطي بالسوط، وقال له: أنا ابن الأكرمين! فما كان من القبطي إلا أن ذهب إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في المدينة وشكا إليه، فاستدعى الخليفة عمرو بن العاص وابنه، وأعطى السوط لابن القبطي، وقال له: اضرب ابن الأكرمين، فلما انتهى من ضربه التفت إليه عمر وقال له: أدرها على صلعة عمرو فإنما ضربك بسلطانه، فقال القبطي: إنما ضربتُ مَن ضربني.. ثم التفت عمر إلى عمرو وقال كلمته الشهيرة: "يا عمرو، متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا"؟ أخرجها ابن عبد الحكم في "فتوح مصر وأخبارها" صـ 290.

 

لقد الناس شعروا بكرامتهم وإنسانيتهم في ظل الإسلام، حتى إن لطمة يُلطَمها أحدهم بغير حق، يستنكرها ويستقبحها.. إن شعور الفرد بحقه وكرامته في كنف الدولة الإسلامية جعل المظلوم يركب المشاق، ويتجشم وعثاء السفر الطويل من مصر إلى المدينة المنوَّرة، واثقًا بأن حقه لن يضيع، وأن شكاته ستجد أذنًا صاغية.

 

عصمة غير المسلم في ماله وملكه:

وقد اتفق المسلمون في جميع المذاهب، وفي جميع الأقطار، ومختلف العصور، على أن غير المسلمين لهم حق الملكية الخاصة وأموالهم معصومة، وهم في حماية المجتمع المسلم بجميع مؤسساته، والتاريخ الإسلامي من لدن محمد صلى الله عليه وسلم، وحتى آخر "الخلافة العثمانية"، خير شاهد على أن الإسلام كفل حق عصمة أموال غير المسلمين في المجتمعات الإسلامية، فلقد جاء في معاهدة النبي لأهل نجران: "ولنجران وحاشيتهم جوار الله، وذمة محمد النبي رسول الله على أنفسهم، وملتهم، وأرضهم، وأموالهم، وغائبهم، وشاهدهم، وبِيَعهم، وصلواتهم".. إلى أن قال: "وكل ما تحت أيديهم من قليلٍ أو كثيرٍ (الطبقات الكبرى لابن سعد الجزء الأول ص 287، دار صادر للطباعة).

 

وفي عهد عمر إلى أبي عبيدة بن الجراح- رضي الله عنهما- أن: "امنع المسلمين من ظلمهم والإضرار بهم، وأكل أموالهم إلا بحلها"، رواه البلاذري في فتوح البلدان (144).

 

وعلى هذا استقر عمل المسلمين طوال العصور، فمَن سرق مال ذمي قُطعت يده، ومَن غصبه عُزِّر، وأعيد المال إلى صاحبه، ومَن استدان من ذمي فعليه أن يقضي دينه، فإن مطله وهو غني حبسه الحاكم حتى يؤدي ما عليه، شأنه في ذلك شأن المسلم ولا فرق.

 

وبلغ من رعاية الإسلام لحرمة أموالهم وممتلكاتهم أنه يحترم ما يعدونه- حسب دينهم- مالاً وإن لم يكن مالاً في نظر المسلمين، فالخمر والخنزير لا يعتبران عند المسلمين مالاً مُتقَوَّمًا، ولا يجوز للمسلم أن يمتلك هذين الشيئين لا لنفسه ولا ليبيعهما للغير، أما الخمر والخنزير إذا ملكهما غير المسلم، فهما مالان عنده، بل من أنفس الأموال، كما قال فقهاء الحنفية، فمن أتلفهما على الذمي غُرِّمَ قيمتهما، وبهذا يسن الإسلام أعدل القوانين في التعامل مع الآخر، ولم يكن هذا أمرًا نظريًّا لم يطبق على أرض الواقع، كما هي أغلب المواثيق الدولية التي تنادي بحقوق الإنسان ولا تطبق.

 

حق غير المسلم بحماية عرضه وسيرته:

لم يهتم تشريع سماوي ولا أرضي بحفظ الأعراض كما اهتمَّ شرعنا الحنيف.. يقول الفقيه الأصولي المالكي شهاب الدين القرافي "فمَن اعتدى عليهم- أي غير المسلمين- ولو بكلمة سوء أو غيبة، فقد ضيَّع ذمة الله، وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم، وذمة دين الإسلام".

 

فالإسلام يعتبر أن أذى غير المسلم ولو بكلمة كأذى المسلم تمامًا، بل قد يكون أشد، وهذا ما قرره الإسلام في فقهه النظري وتطبيقه العملي، كما يقرر هذا أيضًا العلامة ابن عابدين من فقهاء الحنفية هذا بقوله: "لأنه بعقد الذمة وجب له ما لنا، فإذا حرمت غيبة المسلم حرمت غيبته، بل قالوا: إن ظلم الذمي أشد" (الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه ج- 3 ص 244- 246 ط. استانبول).

 

الاعتناء بغير المسلم خاصة عند العجز وكبر السن:

إن احتياجات المرء تزيد عند عجزه وشيخوخته وفقره، ويكون الإنسان في حاجةٍ إلى رعاية وكفالة اجتماعية من مجتمعه الذي يعيش فيه، والإسلام يقوم بمسئوليته تجاه رعيته ويضرب أروع الأمثلة في التكافل الاجتماعي، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلكم راع ومسئول عن رعيته، فالإمام راع، وهو مسئول عن رعيته، والرجل في أهله راع، وهو مسئول عن رعيته، والمرأة في بيت زوجها راعية، وهي مسئولة عن رعيتها، والخادم في مال سيده راع، وهو مسئول عن رعيته" (رواه البخاري (853، 2416، 2419، 2600، 4892، 4904، 6719))، (مسلم (1829)).

 

ولقد عاش المسلمون الأوائل سنة نبيهم واقعًا، فكما كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قرآنًا يمشي على الأرض، وكان صحابته سنةً تمشي على الأرض- رضوان الله عليهم- أجمعين.. ففي عقد الذمة الذي كتبه خالد بن الوليد لأهل الحيرة بالعراق، وكانوا من النصارى: "وجعلت لهم أيما شيخ ضعف عن العمل، أو أصابته آفة من الآفات، أو كان غنيًّا فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه، طرحت جزيته وعِيل من بيت مال المسلمين هو وعياله"، كان هذا في عهد أبي بكر الصِّدِّيق، وبحضرة عددٍ كبيرٍ من الصحابة، وقد كتب خالد به إلى أبي بكر الصِّدِّيق ولم ينكر عليه أحد، ومثل هذا يُعَد إجماعًا.

 

ورأى عمر بن الخطاب شيخًا يهوديًّا يسأل الناس، فسأله عن ذلك، فعرف أن الشيخوخة والحاجة ألجأتاه إلى ذلك، فأخذه وذهب به إلى خازن بيت مال المسلمين، وأمره أن يفرض له ولأمثاله من بيت المال ما يكفيهم ويصلح شأنهم، وقال: "ما أنصفناه إذ أخذنا منه الجزية شابًا، ثم نخذله عند الهرم" رواه أبو يوسف في "الخراج" ص 126.

 

وعند مقدمه رضي الله عنهِ "الجابية" من أرض دمشق، "مَرَّ في طريقه بقومٍ مجذومين من النصارى، فأمر أن يعطوا من الصدقات، وأن يجرى عليهم القوت، أي تتولى الدولة القيام بطعامهم ومؤونتهم بصفة منتظمة". (البلاذري في فتوح البلدان ص 177 ط . بيروت).

 

وبهذا تقرر السلام الاجتماعي في الإسلام، باعتباره "مبدأً عامًّا" يشمل أبناء المجتمع جميعًا، مسلمين وغير مسلمين، ولا يجوز أن يبقى في المجتمع المسلم إنسان محروم من الطعام أو الكسوة أو المأوى أو العلاج، فإن دفع الضرر عنه واجب ديني، مسلمًا كان أو غير مسلم.

----------------

المصادر:

1- بسيوني محمود شريف، الوثائق الدولية المعنية بحقوق الإنسان، المجلد الثاني، دار الشروق، القاهرة، 2003.

http://www.huquqalinsan.com/index.php?blog=1&cat=40&page=1&disp=posts&paged=2


2- وثيقة تسامح الإسلام مع غير المسلمين، مصدرها: دار الإفتاء المصرية بتاريخ 20/8/2005م.

 

3- يوسف القرضاوي "دكتور" "غير المسلمين في المجتمع الإسلامي"

http://65.17.223.147/site/topics/static.asp?cu_no=2&lng=0&template_id=93&temp_type=42&parent_id=12