محمود الرمحي

 

هناك نوع من الرجال استطاعوا أن يحفروا أسماءهم في قلوب كل من التقاهم ميزتهم، ويميزهم طيب ملقاهم، وحسن استقبالهم، وتواضعهم في التعامل مع من يعرفون وترفعهم عن سفاسف الأمور، ووفاؤهم لمن يلتقون به ويعرفونه. في كل الميادين تلقاهم، وفي كل المناسبات تراهم وكأنهم أصحاب تلك المناسبة لا ينتظرون من يذكرهم بل على العكس هم من يذكرون الآخرين بمناسبات الأحباب.

 

الحديث عنهم ليس من باب صفِّ الكلام، وتذكير الناس بهم وبفعالهم وإبقائهم حاضرين رغم محاولات المحتل لتغيبيهم؛ بل هو من باب الوفاء لهم والتحدث عن هذه النماذج التي يجب أن تكرر في وقت أصبحت به مثل هذه النوعيات عملة نادرة، ومعدنًا ثمينًا.

 

وهنا أنا أتحدث عن الأسير محمود الرمحي ليس كنائب في المجلس التشريعي، ولا كونه أمين سر هذا المجلس، وإن كان عمله تحت هذا الإطار تكليفًا جاء له بالكثير من المعاناة والسجون والاعتقالات؛ فأصبح التكليف سببًا في السجن والأسر والبعد عن الأهل والأحباب.

 

الدكتور الإنسان محمود الرمحي صاحب استقبال طيب، وابتسامة رقيقة يغمرك بحسن ملقاه ورزانة تفكيره، جريء في وقت أصبح الجبن والخوف والخور سيد الموقف.

 

الدكتور الإنسان محمود الرمحي حظي ويحظى بين أوساط الشباب من مختلف المناطق بقبول مميز ومكانة متقدمة، وهذه ميزة لا يتمتع بها كثر، ويفتقدها كثيرون فهو علم أن الشرعية تأتي ليس من الأصوات التي حصل عليها فقط؛ بل من حب الآخرين له ولجوئهم إليه.

 

الإنسان الدكتور محمود الرمحي رجل وفيِّ- هكذا تصفه ويصفه الأسرى المعتقلون في سجون الاحتلال وعائلاتهم- فهو وبعد خروجه من الأسر بعد اعتقال دام أربعة أعوام بعد فوزه بانتخابات المجلس التشريعي ذهب وزار أغلب عائلات من التقاهم، وهو لا يترك مناسبة أو عيدًا إلا ويكون حاضرًا مع هذه العائلات يشاركها الفرحة ويتقاسم معهم البسمة التي كان يجب أن يكون من يقاسمها ابنهم الأسير الغائب.

 

لا يخشى في الله لومة لائم- هكذا يطيب لمن عرفه أن يطلق عليه- جريء قوي حينما تقتضي الضرورة ذلك، مثقف واسع الاطلاع، سياسي محنك كما هو طبيب بارع تشهد له ساحات الإعلام والفضائيات بالحضور المميز والكلام المتقن والحجة المقنعة والاتزان والرصانة.

 

الأسير القابع اليوم في سجن عوفر العسكري، والذي لم يمض على خروجه منه سوى فترة بسيطة يلتف من حوله الأسرى من كل الاتجاهات يحدثهم، ويسمع لهم فهو مستمع جيد نشهد له بذلك.

 

في سجنه يقوم على خدمة نفسه بنفسه لا يكتفي بذلك بل يقوم بخدمة الآخرين، وتحضير الطعام لهم، ويساعد في أعمال التنظيف يرفض أن يتم إعفاؤه من جلي الصحون، فيمازح الشباب ويقول لهم: أريد أن أتدرب على الجلي حتى أساعد أم محمد.

 

أم محمد الجانب الآخر المضيء من حياة هذا الرجل، وكما قيل فيما مضى خلف كل عظيم امرأة عظيمة، وهي مقولة حقيقية أشهد بها فمع اختطاف النواب في منتصف 2006م كانت أم محمد الأكثر نشاطًا، كانت تعتصم أمام مقر المجلس التشريعي، وكانت تتحدث للإعلام.

 

تحدثت لها قبل أيام وكانت قوات الاحتلال اعتقلت نجلها الأكبر محمد، وهو الطالب الغض الذي لم يكتمل نمو شعر لحيته بعد، طالب في العام الأول في جامعة النجاح، سألتها عن حالهم، فقالت لي: اعتقل محمد وأسأل الله له الثبات وهذا نصيبنا وحالنا، وقالت: لم يمض على اعتقال أبيه سوى تسعة وأربعين يومًا، وقالت: هذه ضريبة الثبات على المواقف وإني استودعت محمدًا وأبيه إلى ربه.

 

لم أقل لها أي كلمة صبر أو تصبير، فلقد سمعت منها ما يصبرني أنا ويثبت لي أن نساء فلسطين لسن كباقي النساء، فالزوجة التي اعتقل زوجها قبل العيد الكبير بأيام وتم تحويله للاعتقال الإداري ومن ثمَّ اعتقل ابنه وتم إخضاعه- وحتى ساعات كتابة هذا المقال- لتحقيق قاسٍ في أحد أعتى وأقسى مراكز التحقيق؛ بدت قوية متماسكة فخورة بزوجها وابنها.

 

على هامش المقال والحديث عن أبي محمد وأم محمد كنت قد تمنيت على الله وأنا أتحدث مع أم محمد أن يخرج محمد وأبوه، ويلتئم شمل الأسرة الكريمة التي تدفع ضريبة صبرها وثباتها وتمسكها بمواقفها، وأن أتشرف بزيارتهم وقد قلت لها لن أسمح أن تمر هذه المناسبة من دون غداء، فوعدتني بطعام شهي أكلة مقلوبة، فقلت لها إن كان الأمر كذلك سأبدأ بالتجهيز من الآن لهذه الوجبة فطعامكم شهي يؤكل، وأنتم أهل الكرم.

 

طبعًا لم يكن هذا المقال من أجل هذه الأكلة التي لم تأتِ، وأسأل الله أن تأتي في القريب العاجل، وأن لا يطيل الله بقاء أبي محمد في الأسر؛ لأن بقاءه يعني أن لا نأكل في بيت أبي محمد.

 

لقد كان هذا المقال تعبيرًا عن ولجات قلب وصرخة حق في زمن أصبح فيه الصدح بالحق ينبئ بالأحزان، وهي محاولة للتقرب ممن أضحى الاقتراب منهم تهمة عليها يحاسب الإنسان، وهي محاولة أيضًا أن أضيف إلى جانب اسمه اللامع اسمي الصغير، وهي رغبة جامحة تجتاحني للكتابة عن العظام أصحاب القامات السامقة ليس للتقرب منهم في الدنيا بل لإظهار عظمتهم وتقزيم الآخرين الذين يخشون الصاعدين.

 

لك سيدي وأخي دكتور محمود الرمحي تحية وحب واحترام، وإلى أن يفرج الله كربك ويفك أسرك أنت وولدك ننتظرك، ولن ننسى فعالك وصولاتك وجولاتك وهذا أقل ما يمكن أن يكتبه مثلي عن أمثالك.

--------------

* كاتب وباحث مختص في شئون الأسرى الفلسطينيين