يتغنى بعضٌ من المصريين، وخصوصًا مَنْ هم في مواقع المسئولية والوظائف القيادية بأن كل القرارات والقوانين والتشريعات والاحتياطات، ومن أجل مصر أم الدنيا وللمصلحة العليا للوطن ولحماية الأمن القومي لمصر، حتى الحزب الوطني صاغ لنفسه شعارات كـ"الفكر الجديد"، و"من أجلك أنت"، وأخيرًا "علشان تطمن على مستقبل أولادك".
وكأنهم بهذا أخرسوا الألسنة وكمموا الأفواه، ولا يجوز لأحدٍ بعد ذلك الحديث عن أي شيء ناقدًا أو متحفظًا أو متظاهرًا، وإلا كان يعمل ضد مصلحة مصر بل وخطرًا على أمن مصر، وواقع الأمر أنهم أهانوا مصر وحطُّوا من قدر مصر ومكانتها وتجرءوا وتبجحوا عليها.
والذي أود الحديث عنه أن مصر لا تكون أبدًا ولا بأي حالٍ قبل الإنسان المصري كإنسان فهو ابن مصر، وهو الذي يصنع مصر ويرفع من قدرها ويعلي من شأنها، فالمصري أولاً.. فهل هذا ما يحدث الآن؟!.
ما أعنيه هو الحقوق والواجبات المتبادلة بين كل مواطن والدولة التي ينتمي إليها، وأضرب لذلك مثلاً بالدستور المصري الذي ينظم العلاقة بين الطرفين إنه قام على تحقيق مبادئ ثلاثة (الحرية، العدالة، المساواة)، فأين ذلك على أرض الواقع.. وهل يستطيع أي مواطن أيًّا كانت عقيدته أو انتماؤه، غنيًا أم فقيرًا أن يجزم بتحقيق ولو قدر يسير من هذه المبادئ؟!.
إن تزوير الانتخابات مثلاً من قِبل النظام- والجميع يشهد بذلك بما فيهم رئيس الدولة- هي ضرب للدستور في مبادئه الثلاثة مجتمعةً عرض الحائط، واستخفاف بالإنسان المصري ينزع منه الانتماء لمصر ويفقده الثقة والصدق في من يحكمه، وينأى به بعيدًا عن الإيجابية والعمل بإتقان لمصلحة مصر.
إن الممارسات القمعية وتكذيب الحقائق في حقِّ الإنسان المصري- كالتظاهر مثلاً في يناير عام 1977م من أجل الخبز، وضد غلاء الأسعار اتهمه رأس الدولة وقتها الراحل السادات بما سماه "انتفاضة الحرامية"- جعلته ممتعضًا وناقمًا وشامتًا في مؤسسات النظام وأزماته، مثل فرحة بعضهم بحريق مجلس الشورى في أغسطس عام 2008م.
فكيف نطلب منه أداء الواجب واحترام الدستور وتنفيذ القانون، والمثل الأعلى متمثلاً في نظام الدولة لا يؤدي الواجب وينتهك الدستور ويهدر أحكام القضاء؟!.
كيف نطلب من الإنسان المصري ألا يسرق أو ينهب، ويطالعنا الإعلام كل يوم بفضائح يرتكبها رجال النظام؛ من سرقة ونهب لثروات وبنوك وأراضي مصر الوطن؟!.
كيف نطلب من الإنسان المصري أن يتضامن ويتعاون مع رجال الشرطة في خدمة الوطن وحالات تعذيبه حتى الموت في أقسام الشرطة وأمن الدولة تتزايد، ونزع أي اعتراف من أي متهم مصري تتم بكل الوسائل التي يعاقب عليها القانون وتتنافى مع أبسط حقوق الإنسان؟!.
وهذه بعض أسماء الشهداء التي ستظل شاهدةً على ظلم مرتكبيها وتهاون النظام معهم، والتي سلَّط الإعلام عليها الأضواء، وما خفي كان أعظم: (كمال السنانيري في 8 نوفمبر 1981م وعمره 63 سنة، عبد الحارث مدني المحامي في 5 مايو 1994م وعمره 26 سنة، مسعد قطب في 3 نوفمبر وعمره 43 سنة، خالد سعيد في 7 يونيو 2010م وعمره 28 سنة، سيد بلال في 6 يناير 2011م وعمره 32 سنة)، وكثير كثير لم يذكرهم الإعلام.
أي حديثٍ أو تصريح أو تقرير تطالعنا به الصحف وشاشات التلفاز عن "التنمية والتطوير وحقوق الإنسان والرخاء"؛ بلا معنى وفاقد للمصداقية- أيًّا كان المسئول المتحدث- لتنافيه الواقع وكونه منزوع الحقيقة، ويكفينا النتائج التي أحرزوها "مواطن مطحون مقهور معلول مظلوم محبوس محدود أو معدوم الدخل".
إلى متى الاستخفاف بالعقول والضحك على الذقون.. نعلم أن لكل خطة أو موازنة أهدافًا، ولكل هدف مستهدفات، ولكل مستهدف معيار إنجاز ومظهر نجاح، بالله عليكم في أي وزارة أو مجال تفوقتم، وأي من الأهداف حققتم، وكل التصنيفات العالمية والمعايير الدولية والتقارير المحايدة تفضح كذبكم وتعري خداعكم وتنعتكم بالفشل والهزيمة، ولو أنصفتكم لقالت أكثر ما قال مالك في الخمر.
إن الإنسان المصري الذي بنى الأهرامات منذ القِدم وأسس الحضارة لآلاف السنين، هو نفسه الذي شيَّد عمارات تنهار في أولى سنوات عمرها، وأتى بالكوريين ليشيدوا له فنادق الفورسيزون، والفرنسيين لمترو الأنفاق، والإنجليز للقناطر الخيرية.
الإنسان المصري الذي حارب وانتصر على أعدائه طوال التاريخ، وصولاً لانتصار أكتوبر 1973م هو الذي خضع لعدوه، ورضخ لاتفاقية كامب ديفيد، وباع له الغاز بأبخس الأثمان، وبنى له الجدار العازل، بل وخرج منه الجاسوس المصري الذي يعمل ضد وطنه، ولم نسمع عن كشف جاسوس صهيوني يعمل ضد وطنه.
الإنسان المصري الذي كان أول سلة غذاء للعالم وبالذات في القمح منذ سيدنا يوسف عليه السلام، هو نفسه الذي يستورد أربعة أخماس غذائه ولا يمكنه الاكتفاء ذاتيًّا، ونحن في 2010م.
الإنسان المصري الذي داين العالم في منتصف القرن العشرين، وكان دولة دائنة لدول أخرى هو الآن الذي تجاوزت مديونياته الداخلية والخارجية تريليون جنيه.
الإنسان المصري الذي عرف القراءة والكتابة منذ خمسة آلاف عام هو نفسه الذي تصل نسبة أميته إلى نصف تعداد السكان تقريبًا.
الكثير عن تغير أحوال الإنسان المصري حتى في قدرته كشعبٍ على التغيير نال ترتيبًا متأخرًا، وهو 151 من إجمالي شعوب العالم في مقابل الشعب الماليزي- مثلاً- الذي حصل على الترتيب الحادي عشر، فالأمر يحتاج إلى انتفاضةٍ مصرية تبدأ من داخل الإنسان المصري أولاً، ولا يكفي اللوم على مَن يحكموننا، ولو كانوا بالفعل هم العلة في ما أحلَّ بمصر؛ لأنه كما تكونوا يولَّى عليكم، ومن أعمالكم سُلِّط عليكم، وصدق الله العظيم ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: من الآية 11).
نعم إنَّ غيابَ الضمير المصري مسئولية نظام تعاقب علينا، وأورثنا الكثير بفساده المالي والإداري من أجل مصالحه (كالمحسوبية، الاستغلال الوظيفي، الرشوة، الثروة مع السلطة من أجل الكسب السريع).
ومع ذلك لا نتجاهل أنفسنا.. فبأيدينا زوَّرنا الانتخابات، وسمحنا بالغش في الامتحانات، والتبديل في أوراق إجابات طلاب لحساب طلاب آخرين، وإمكانية الحصول على دبلومة التربية من خلال شراء نموذج الإجابة بخمسين جنيه فقط لا غير.. إلخ.
فلا نلومن إلا أنفسنا، ولن ينفعنا الصمت والرضى بما يُكال لنا كل يوم وكل ساعة، والأمر جد خطير، ويحتاج إلى نفض غبار النوم عنا، وإصلاح أنفسنا ومَن نرعاهم، والتخلص مما رانَ على قلوبنا من خوفٍ وجبنٍ ورضى بذل العيش وحرمان من أبسط حقوق الإنسان الذي كرَّمه ربه، فالإلحاح في طلب الحقوق وانتزاعها بكل الوسائل التي كفلها الدستور، أيًّا كانت التضحيات تقتل الشيطان الأخرس في النفس الساكتة عن الحق.
هيا بنا إلى البناء، وإن استغرق وقتًا فلا يأس مع الحياة، ولا يفيد لعن الظلام فقم وأوقد شمعة، وليسأل كل منا نفسه هل أخذ بالأسباب جميعها، إن كان عاطلاً لا يعمل تعلَّم أية صنعة ولا يرضخ للحال الذي وضعنا فيه النظام، فالهدف أن يكون قادرًا على الكسب ولا ينتظر الوظيفة المناسبة، وإنما يعمل حتى تأتي الوظيفة المناسبة.
إن كان طالبًا طلب المعالي، فجدّ واجتهد وأتقن وأحسن، وبحث عمن يتدرب عنده حتى يصقل معلوماته النظرية، ولا يضيع وقته فيما لا ينفع، والله حسيبه.
إن كان أبًا جعل من بيته جنة السعادة التي يرضى عنها ربه وأحسن تربية أبنائه على القيم والسلوكيات الحميدة التي تعيد لنا الإنسان المصري الأصيل المؤمن المحب لوطنه، فكلكم راعٍ ومسئول عن رعيته.
هيا بنا نُرِي من أنفسنا قوةً على الباطل، وإصرارًا على المطالبة بالحقوق، فلا يضيع حق وراءه مطالب، ولا بديل عن الإصلاح والتغيير للأفضل طالما كان فينا ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (المائدة: من الآية 2).
---------