- الأمن هو الذي يعطي الرخصة وليس الأوقاف

- الحكومة تسعى للقضاء على أي منبر إسلامي

- الهدف تحجيم ظهور أجيال جديدة تحفظ القرآن

 

تحقيق: مالك عبد الرحمن

دخل مسلسل التضييق على الإسلام حلقةً جديدةً بإصدار محافظ كفر الشيخ قرارًا بمنع تحفيظ القرآن في المنازل، إلا بعد الحصول على رخصة من وزارة الأوقاف أو إحدى الجمعيات الأهلية التابعة لوزارة التضامن الاجتماعي.

 

واعتبر كثيرون القرار إعلانًا جديدًا للحرب على الإسلام، ومحاولةً من الحكومة تخريج المجتمع من أي صبغة دينية؛ حيث يرى البعض أن ظهور أي صبغة دينية تصيب الحكومة بالذعر؛ نتيجة إحساسها أن الالتزام بالدين هو المهدد لبقاء الحكومة والنظام الحاكم.

 

وتباينت ردود الأفعال إثر هذا القرار ما بين الغضب والإحساس بالإهانة.

 

ويرى الصاوي أحمد الصاوي محفظ قرآن بإحدى دور التحفيظ بمحافظة المنوفية أن القرار ردُّ فعل للطفرة الكبيرة التي حدثت في المجتمع، وظهور جيل جديد من حفظة القرآن الكريم؛ ما سبَّبَ الذعر لدى الحكومة، ويضيف على الرغم من أنني أحمل رخصةً للتحفيظ إلا أن الموضوع يبدو وكأنه حربٌ على الإسلام، ويتحدث: المبدأ مرفوض في حدِّ ذاته؛ حيث لا مبرر من هذا القرار إلا أنهم يريدون التضييق على تحفيظ القرآن.

 

ويؤكد لستُ ضد الرخصة، وإنما يجب أن نضع لها ضوابط محددة، ويوضح أن المجتمع يجب أن يكون له أيضًا الحق في الحكم، فقد يثق الناس في محفظٍ على الرغم من أنه ليس أزهريًّا ولا يحمل رخصةً.

 

ويضيف: إذا علَّل المسئولون القرار بأنه سعيًا لتحفيظ أبنائنا القرآن بطريقة صحيحة فهذا أمر سهل علاجه، فحافظ القرآن يتعرض لكثيرٍ من المراحل بعد حفظه القرآن سواء في المدرسة أو المعاهد الدينية، والتي يمكنها أن تُقَوِّمَ أخطاء التحفيظ.

 

ويكشف عن قيام بعض الأهالي بحفظ القرآن لمتابعة أبنائهم والوقوف على مستواهم في الحفظ، الأمر الذي يُحْدِثُ في المجتمع طفرةً في عدد حفظة القرآن.

 

ويؤكد أن البعد المادي ليس أساسيًّا لديَّ في تحفيظ القرآن، على الرغم من أنني لا أعمل أي شيء سوى أني محفظٌ للقرآن، ويوضح أن أغلب الأطفال قد لا يدفعون الاشتراك الشهري؛ لأن محفظ القرآن صاحب رسالة قبل أي شيء.

 

ويتهم فرج أمين مدرس بأحد المعاهد الدينية بالمنوفية القرار بأنه باطلٌ شرعًا، ويتهم الحكومة بالسعي للقضاء على أي منبعٍ إسلامي في المجتمع؛ حيث إن القرار لا يعد الأول من نوعه، فمن قبل ألغت الحكومة الكتاتيب، وأغلقت المساجد بعد الصلوات، وألغت الجلسات الدينية بالمساجد، وجعلت تعيين الأئمة والخطباء من قِبل الأمن دون مراعاةٍ للكفاءة العلمية.

 

ويضيف أن الحكومة تسعى جاهدةً لتفريغ المجتمع من هويته الإسلامية، اعتقادًا منها بأن هذا هو السبيل للمحافظة على كرسي الحكم، ويكمل الحكومة تسعى لتهدئة الرأي العام الثائر حاليًّا بنزول هذه القرارات استجابةً لمجموعةٍ من الأصوات التي بدأت تنادي بالمواطنة، وإلغاء المادة الثانية من الدستور.

 

ويوضح أن الحكومة تسعى للقضاء على أي مؤسسة دينية حتى الأزهر الذي يزعمون إنهم يسعون لجعله المنبر الإسلامي الرئيسي، فيؤكد أن الحكومة تحاربه حاليًّا؛ حيث تُطْلَق الشائعات حول وجود تيار سلفي متشدد داخل الأزهر يجب التخلص منه، ولكن على الرغم من كل هذا فإن محاولات الحكومة ستفشل كما فشلت مِن قَبْل، وستظل الفكرة الإسلامية قائمةً في المجتمع، وسيظل المجتمع محتفظًا بهويته الإسلامية ومعتزًّا بها.

 

ويرى محمد سعيد أمين محفظ قرآن بالقليوبية أن الأمر لم يتضح بعد، ولا يجب علينا التسرع في إصدار الحكم؛ حيث يرى أنه لا مانعَ من وجود التراخيص إلا أنه يشدد على ضرورة وضع ضوابط محددة لهذه التراخيص، ويرى أنه لا يستبعد فكرة المؤامرة على الإسلام، إلا أنه يُفضِّل دائمًا عدم التسرع في إصدار الأحكام، لكنه في ذات الوقت يطالب الحكومة بضرورة توفير الإمكانيات اللازمة للأزهر؛ حتى يكون منارةً للعلم ومنبر الدين الأساسي؛ حيث يصف الأزهر حاليًّا بالافتقار إلى كثيرٍ من الإمكانات، وأهمها نقص الكفاءات العلمية؛ الأمر الذي يترتب عليه تخريج أجيال من الأزهريين يعانون من ضعفٍ شديدٍ في الناحية العلمية، ويقول: لو أصبح القرارُ رسميًّا سأذهب إلى إصدار الرخصة، وإذا رفضت الجهات المسئولة إعطائي الرخصة سأتوقف عن التحفيظ منعًا للمشاكل.

 

ويؤكد أن أغلب المحفظين في قريتنا لا يحملون رخصةً، على الرغم من أنهم يتجاوزون 20 محفظًا إلا أنهم يعانون من ازدحامٍ شديدٍ وتكدسٍ في عدد الراغبين في حفظ القرآن؛ الأمر الذي يحدث في قريتهم طفرةً قويةً في حفظ القرآن.

 

ويرى الشيخ محمد صابر (محفظ القرآن من نفس المحافظة) أن الرخصة يتم استخراجها بسهولةٍ ما دام الراغب في استخراجها ليس لديه مشكلات مع أمن الدولة، ويؤكد المتحكم الحقيقي في استخراج الرخصة هو أمن الدولة وليست وزارة الأوقاف أو الأزهر، ويضيف إذا طلب مني أحد استخراج الرخصة سأفعل حيث لا مشكلةَ لديَّ مع الأمن، إلا أنه يرى أن فكرة المؤامرة لا يمكن استبعادها؛ نظرًا لكثيرٍ من الملابسات المحيطة بالقرار، إلا أنه لا يمانع من استخراج رخصة؛ حيث يرى فيها حفاظًا على صحة التحفيظ وجودته، ولكن دون وضع عواقب وعراقيل أمام استخراج الرخصة، وأن يكون استخراجها بناءً على الكفاءة والدقة في التحفيظ وليس بناءً على تعليمات الأمن.

 

ويرى محمد الخولي محافظ البحيرة أن المهم في الموضوع هو شخصية المحفظ ومدى ثقة الناس فيه ومدى سمعته في المجتمع، في ذات الوقت يؤكد أنه لا مانعَ من استخراج الرخصة لكن بشروطٍ موحدةٍ على الجميع، ويضيف عندما أبحث عن محفظ قرآن لأبنائي لن أبحث عن أزهري أو غير أزهري المهم أن يكون أهل ثقة ولديه خبرة في مجال التحفيظ.

 

ويضيف: على الحكومة أن تتيح المجال أكثر من ذلك لتحفيظ القرآن؛ حيث إننا نعيش في مجتمع إسلامي فلا يجب علينا أن نفقد هويتنا، وأؤكد بذل قصارى جهدي لتحفيظ أبنائي القرآن حتى يفعلوا ما لم أستطع فعله، ويرفض قرار محافظ كفر الشيخ، ويؤكد أن القرار جاء عامًّا دون تفسير؛ حيث يجب أن يكون هناك مؤسسات تعوض ذلك القرار، فإذا لم يتمكن المحفظون من استخراج الرخص يجب على الراغبين في حفظ القرآن إيجاد مكان بديل يحفظون فيه القرآن.

 

ويتحدث محمد حسن مدرس بإحدى مدارس محافظة الغربية أنه لا يتخيل هذا القرار يصدر في دولة إسلامية، ويصف القرار بأنه جريمة شرعية، ويقول لا أملك إلا أن أقول: حسبي الله ونعم الوكيل.

 

ويتساءل: لا أجد مبررًا لهذا القرار سوى أنه تعبير عن حلقة من حلقات التضييق على الإسلام، ومحاولة لطمس الهوية لإسلامية.

 

ويضيف: أقوم حاليًّا بحفظ القرآن مع ابنتي على يد محفظها الذي يأتي لها في المنزل؛ حيث يعينني على حفظ القرآن مع ابنتي، الأمر الذي جعله يقترب من حفظ نصف القرآن في أقل من سنة، ويقول: لن يجعلني هذا القرار أتخلى عن الخطة التي وضعتها لابنتي أن تنتهي من حفظ القرآن مع نهاية هذا العام.

 

ويرى رأفت حداد الأزهري من محافظة القاهرة أن القرار ضربة لاستقرار المجتمع، وسعي لزعزعة الأمن فيه؛ حيث إن مصدر هذا القرار لا يتخيل ماذا يمكن أن يحدث إذا تم منع هؤلاء المحفظين من تحفيظ القرآن، خاصةً أن أغلب المنع يكون بناءً على تعليمات أمن الدولة.

 

وترى عواطف محمد السيد (ربة منزل) من محافظة أسوان أنها لا تريد في حياتها أكثر من أن يحفظ أبناؤها الثلاثة القرآن، تنفيذًا لوصية والدهم، وتقول: يحفظ أبنائي عند الشيخ سيد الذي يُحَفِّظُ القرآن في قريتنا منذ أكثر من 20 عامًا، ولم نسأله يومًا هل معك رخصة أم لا؟

 

فقد حفظ القرآن على يديه الكثيرون من أهل قريتنا وبعض القرى المجاورة، وتقول: لا أفهم في السياسة لكنني لا أعلم لماذا هذا القرار، فنحن اعتدنا أن نحفظ القرآن في الكتاتيب والمساجد أو في المنازل ولم نسمع من قبل عن أية مشاكل حدثت نتيجة تحفيظ لقرآن من قِبَل مشايخ لا يحملون رخصةً للتحفيظ.

 

ويرى عبد الله عبد الصبور أحد حافظي القرآن (محافظة قنا) أنه لم يسأل أستاذه يومًا عن رخصة تحفيظ القرآن؟ ويؤكد ختمتُ القرآن وأنا في الصف الثالث الإعدادي، ودخلت العديد من مسابقات حفظ القرآن الكريم على مستوى المحافظة والجمهورية، ولم يعلق أحدٌ في هذه المسابقات على التجويد أو الحفظ على الرغم من أن أستاذي لا يحمل رخصةً للتحفيظ.

 

ويضيف لو قدَّر الله لي الإنجاب سأجعل أبنائي يحفظون القرآن عند نفس الأستاذ، لأنني أثق فيه وفي علمه، ولن ألقي بالاً بما يُثار عن رخصة التحفيظ وخلافه، ويصف الأمر بأنه ليس أكثر من قرارات إدارية كثيرة تتخذها الحكومة، ويصف تنفيذ هذا الخبر أنه أمر مستحيل، وإذا نفذته الحكومة فعليها أن تتحمل العواقب الوخيمة على هذا القرار الذي يسبب الكثير من التوتر والقلق في صفوف المجتمع.

 

ويضيف سيد عبد العظيم فلاح من محافظة بني سويف أن أبناءه يحفظون القرآن في كُتَّاب أحد المشايخ في قريتهم، وأنه سعيد بمستوى أبنائه؛ حيث وصلت ابنته الكبيرة فاطمة إلى الجزء 20 وهي في المرحلة الإعدادية، ووصل ابنه أحمد إلى الجزء 11 وهو في نهاية المرحلة الابتدائية، ويطالب المسئولين بالتراجع عن هذا القرار، ويصفه بالحرام شرعًا، فحفظ القرآن هو الغاية التي يتمناها لأولاده، ويدعو الله- عزَّ وجلَّ- أن يتم أبناؤه حفظ القرآن، وأن يمنَّ على كل أبناء المسلمين حفظ القرآن، ويصف القرآن أنه أغلى شيء في الحياة، ويجب أن تُسهِّل الدولة على الناس حفظ القرآن بدلاً من محاولات تعطيله.

 

ويؤكد تمنيتُ لو أني أستطيع القراءة والكتابة حتى أحفظ القرآن، أنا وبعض أبنائي، إلا أنني أدعو الله لهم بالتوفيق، وكذلك أدعو الله لشيخهم الذي يساعدهم في تحقيق أمنيتي كذلك فهو يساعدني في حفظ بعض السور القصيرة لأُصَلِّي بها.

 

ويصف الدكتور عطية الفياض، أستاذ الفقه المقارن بكلية الشريعة جامعة الأزهر، القرار بأنه دربٌ من دروب الانحراف من جانب السلطة التي تسعى جاهدةً للتضييق على الإسلام، غير أنه يؤكد أن الحكومة يجب أن تعرف مهما فعلت فسيظل الإسلام والقرآن في الصدور، ويضيف أن ولي الأمر هو المسئول عن تحديد مَن يحفظ أبناءه القرآن، وهو الأعلم بإمكانات المحفظ وصاحب الحق في الحكم عليه، مؤكدًا أنه ليس من حقِّ أي أحدٍ أن يمنع من اختيار مَن يدخل بيتي ويحفظ أبنائي القرآن، ويؤكد القرار لن ينفذ، وإنما هو نوعٌ من أنواع التهدئة في ظلِّ جو عام مضطرب حاليًّا.

 

ويضيف: كل مسئول يسعى حاليًّا أن يثبت أنه كفء بمكانه دون مراعاةٍ لمشاعر الجماهير، ويضيف لستُ ضد وجود هيئة تُشرف على اختيار المحفظين إلا أنه يود وضع ضوابط محددة لهذه اللجنة، وألا يتدخل الأمن في اختياراتها، ويصف القرار بأنه حقٌّ يُراد به باطل، فهو من ظاهره يبدو وكأنه محاولةٌ للحفاظِ على القرآن إلا أن الغرضَ منه الخناق والتضييق.

 

ويطالب المسئولين بأن يلتفتوا إلى مسئولياتهم، وأن يُركِّزوا في مهامهم ويراعوا مشاكل المجتمع والمواطن، وأن يبتعدوا عما هم ليسوا أهلاً له، ويضيف أنه على المسئولين أن يقرءوا التاريخ جيدًا، وأن يعرفوا أنهم لن يستطيعوا القضاء على الإسلام؛ لأنه هويتنا، وأن يتعلموا مما حدث في الاتحاد السوفيتي سابقًا الذي حارب الإسلام طويلاً و"بترسانة"، ولم يجنِ شيئًا سوى الفشل، ويؤكد أن المجتمع هو صاحب الحق في إعطاء الرخصة، وهو صاحب الحكم الأساسي على المحفظ.

 

ويتساءل: هل سيتفرغ ضباط الأمن لتتبع مَن يدخلون بيوتنا ويمنعوهم أم كيف سيكون تطبيق القرار؟، ويكمل أن ما تقوم به الحكومة لن يؤتي ثماره، فكلما ضاقت اتسعت، ويشير إلى وجود عدد من الأسر غير الملتزمة إلا أنها تسعى لتحفيظ أبنائها القرآن الكريم.