كعنقاء تهب من تحت الرماد- على عهدة الأساطير- هبَّ الشعب التونسي العظيم، فزلزل الأرض تحت أقدام الطغيان، وكريح صرصر عاتية في يوم نحس على الظلم والظالمين انتفضت تونس الخضراء، وراحت تملي الدرس لعالم مشدوه مبهور، يرفع يديه تحية إكبار وإجلال لدم الشهداء، ورجولة الرجال والنساء والأطفال!.
سيدة عربية من أرض تونس ألقت إلى العالم درسها على طريقة الصحابيات، قالت السيدة العظيمة: إن لها من الأبناء عدة، راح أحدهم شهيدًا، وما زال هناك من إخوته رصيد حاضر للشهادة! ونقابيون حقيقيون- لا مسوخ مشوهة باهتة منافقة صاغرة- دعوا إلى الإضراب، فتجاوب مع صدقهم مَن تجمَّعوا فسدُّوا الأفق، وشيوخ طاعنون في السن، ونساء وشباب وأطفال، راحوا يُعَرِّضُون أنفسهم للرصاص الحي، غير آبهين بالطغاة ورصاصهم، ولا غرابة في الأمر، فذلك شعب أبي القاسم الشابي، وتلك أرضه، وبها روحه ترفرف على الجموع عازفة:
إذا الشعب يومًا أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر
وتنشد:
ومن يتهيَّب صعود الجبال يعِش أبد الدهر بين الحفر!
ولا غرابة أن تأتي البطولة من أرض اقترنت في الوجدان العام- سيما المصري- ببطولات ممزوجة بروح الأسطورة وعذوبتها عن أبي زيد الهلالي سلامة، ومن عجيب تصاريف القدر أن تأتي الشرارة الأولى للانتفاضة المباركة حاملة اسم سيدي بوزيد، في إيماءة رمزية سحرية تربط البطولة في زمننا ببطولات الأزمنة الخوالي.
إن معركة العرب مع الاستعمار كانت حياةً أو موتًا، وعلى سبيل المثال كانت فرنسا تعتبر الجزائر مقاطعةً فرنسيةً لها مَن يمثلها في البرلمان الفرنسي، وكانت إيطاليا تعتبر ليبيا أرضًا إيطالية، وتحاول خلق تاريخ مزيّف لإثبات ذلك، وكان المسيطرون على شركة قناة السويس يعدون العدة لبقاء أبدي فيها، وتم انتزاع الحقوق المسلوبة بتضحيات الشهداء، لا بثقافة الاسترخاء والتثاؤب والدعوة إلى الصبر على جار السوء لكي يرحل أو تأتيه مصيبة تُجْبِرُه على الرحيل.
ولا شك أن الاستعمار الخارجي خرج وخلَّف استعمارًا أبشع بأيدي أبناء نفس الأوطان، حتى إن رئيسًا أمريكيًّا قال: "إن الحكام العرب هم وكلاء لأمريكا في حكم الشعب العربي"، ولهذا فلا بد من استعادة الروح ذاتها للتحرُّر من الاستعمار الداخلي الذي سار على أسوأ من نهج سلفه، فبدّدت الثروات، وانتشر اللصوص في الدوائر العليا، ويصدق القول القديم عن بقرة تأكل من مكان ويروح لبنها إلى مكان آخر، وكل ما في الأمر أن المكان الآخر لم يعُد "جيب" إنجلترا أو فرنسا، وإنما جيوب دوائر السلطة العليا، وتمامًا مثلما اعتبرت فرنسا الجزائر قطعة من أملاكها فإن القابضين على الرقاب العربية لا ينظرون للوطن إلا باعتباره ملكًا خالصًا لهم، مِن حقِّهم ما شاءوا من ثرواته، ومِن حقهم البقاء في الحكم إلى أن تقوم الساعة لو استطاعوا، ومِن حقِّهم أيضًا توريث حكمه للأنجال!.
إن للطغيان في أي أرض أسلحة نمطية هي قوات أمن بتخصصات، منها ما يسحل المواطنين، ومنها ما يتنصَّت حتى على غرف نومهم، ونحن نرى في مصر كيف تقف عربات الأمن ومِن حولها جنود بأردية سود تشيع في النفس انقباضًا، كأنهم نذير الموت الأسود لمن يحتج ولو كانت صرخاته جوعًا أو بطالةً أو يأسًا لحال وطن يهوي إلى الحضيض في كلِّ ميدان، ومن أسلحة الطغيان جهاز دعائي يبثُّ في وجدان الناس أكاذيب يومية عن رخاء وشيك، والأمر يتخذ أحيانًا صورًا تبعث على الموت ضحكًا، كمشروع توشكى، الذي وُلِدَ عملاقًا وانتهى عدمًا كأنه سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، وكعام ثمانين الذي أسماه السادات عام الرخاء؛ الذي جلس يومًا وراح يحكي قصة عجيبة كحكايات ألف ليلة، في إطار سياسة الإلهاء تلك؛ إذ قال: إنه جلس وحده يفكر في إصلاح الأحوال المالية والاقتصادية ومشروعات التنمية، واستبدَّ به اليأس لعدم وجود الموارد الكافية للتمويل، وفجأة وعلى حين غرة دخل عليه وزير البترول ليبشره (بفتح بترولي هائل)، وقال السادات بلغة مسرحية إنه رفع يديه للسماء بعد أن حُلَّتْ عقدته وقال: (أحمدك يا رب)! ومن أدوات الطغيان الأساسية إشاعة ثقافة الاسترخاء، وانتظار الحلول التي يحملها القدر السعيد دون مشقة أو عناء!.
ولنا مع ثقافة الاسترخاء وقفة؛ باعتبارها بابًا هائلاً لبثِّ الخنوع في الناس، ولقد كان أسوأ ما في الأمر هو امتدادها إلى الدين ليكون مُعِينًا للطغاة على إلهاء الناس أو إسكاتهم؛ إما بدعوى الصبر وإحصاء فضائله، بينما ليس المطلوب صبرًا بل خنوعًا، وإما بدعوى طاعة ولي الأمر، وهي قاعدة رهينة بتوافر شروط لا تقوم بدونها، بل إن أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر.
وقد رأينا من بعض المنتسبين للعلم الديني العجب العجاب، كمن يفتي بإهدار دم المعارضين، ورأينا كيف يدعو بعضهم إلى توريث السلطة باعتباره حقًّا شرعيًّا لولي الأمر، ولكنَّ للأمر بعدًا آخر، هو استنساخ دين استرخائي يُمَنِّي الناس الأماني، ويبشر بالجنة للصامتين القاعدين العاجزين، فحقيقة الإسلام أنه ثورة على عبادة البشر للبشر، وكان ما أسخط سادة قريش في الحقيقة ليس الإيمان بالله وبرسوله، وإنما ما حمله الإسلام من أن الناس سواسية، وأن كلهم لآدم، وأن أكرمهم عند ربهم أتقاهم.
لكن أصحاب السلطة وأصحاب الهوى يلوون عنق الحقائق اعتسافًا؛ وصولاً إلى ما يؤدي إلى جعل الإسلام سندًا للطغاة والطغيان، والشاهد أنك تجد فضائيات تبث على مدار الساعة دينًا منزوع الروح، تسمع إغراقًا في روايات ضعيفة تدغدغ مشاعر السامع، وتدعوه إلى التثاءب اللذيذ، والرغبة في النوم، وكأنه يسمع حكايات الجدات عن (أمنا الغولة أو الشاطر حسن)، بينما الإسلام نهوض ووثوب، وفداء وعزة، وأنفة ورفعة، وليس تثاؤبًا ولا نومًا كسولاً.
ونعود إلى العظيمة تونس- بارك الله شعبها العربي الأبيَّ- وهي تلقي إلينا الحكمة البليغة، فلا شيء في الدنيا له قيمة يعطَى مجانًا، وليس هناك مَن يدافع عن حريتك إلا أنت، ولا مَن يدافع عن كرامتك إلا أنت، ولا مَن يدافع عن ثرواتك المنهوبة إلا أنت، وأن خير معين للطغيان، محكوم صامت، يموت كمدًا، أو يفرغ شحنة غضبه في جاره فيقتله لخلاف على لعب الأطفال في الشارع، أو يجلس أمام الشاشة منصتًا للحكمة البليغة من شيوخ السلطان الملوِّحين بجنة رضوان لكلِّ الجبناء الأذلاء الخانعين مهيضي الجناح!.
لم يتحرر شعب على مدار التاريخ بمنطق الصبر الذي لا نهاية له؛ ذلاًّ وخنوعًا وانتظارًا لما تأتي به المقادير، ولقد نهضت كل الشعوب عندما امتلكت إرادتها ولم تتنازل عن حريتها وحقوقها، ولقد ثار الإنجليز منذ نحو تسعة قرون، ووضعوا كوابح للسلطة ما زالت ساريةً لليوم منذ أيام العهد الأعظم (الماجنا كارتا)، وثار الفرنسيون على جلاَّديهم، وحطَّموا أسوار الباستيل، وأعدموا الطغاة، ونهضت فرنسا وسادت.
لقد أطيح بوزير العصا في تونس إرضاءً للثوار، وجيء برجل أكاديمي معروف عنه الميل للحوار بالكلمة لا بطلقات الرصاص، وفي طرفة عين أُخلي سبيل مَن اعتقلوا، ولو صدرت لهم أحكام قضائية في ظلِّ المهادنات والتسلح بالصبر الطويل لجرى الالتفاف حولها إلى أن يموتوا في السجون.
وارتفعت مطالب المعارضة التونسية فراحت تملي ما كان بالأمس القريب خيالاً، من ذلك مطالبتها برحيل حاكم تونس بعد انتهاء مدة الرئاسة الحالية، وملاحقة الفاسدين بالمحاكمة!
إننا نحيي تونس شعبًا وأرضًا وتاريخًا، ونشد على يد شعبها العربي الأبي، ونحيي دم الشهداء بناة الممالك، نحيي محمد البوعزيزي، ومحمد العماري، وكل مَن قدَّم روحه فداء لوطن عزيز، نحيي أهلنا في مدنين، والقيروان، وصفاقس، وسيدي بوزيد، وسليانة، وبن قردان، وكل بقعة في أرض تونس، راجين أن يصحو الشعب العربي لاسترداد حقوقه المسلوبة، وثرواته المنهوبة، وكرامته التي فرَّط فيها الطغاة، وإن غدًا لناظره قريب.
--------------
* رئيس محكمة الاستئناف.