شيء غريب.. أن يصرُّ بابا الفاتيكان على استمرار إشعال حريق الاحتقان الطائفي في مصر رغم هدوء الأحداث!.. المفترض في بابا روما أن تكون رسالته رسالة "السلام والمحبة"- كما يقول عن نفسه- وبالتالي السعي لتهدئة الأحداث الملتهبة، وإطفاء الحرائق المشتعلة.. لكن الرجل يأبى إلا أن يظلَّ الحريق مشتعلاً في مصر، فيصبُّ الزيت على النار بتصريحاتٍ جديدة تزيد من الشحن الطائفي، وتحرِّض على تفجر الأحداث مرةً أخرى، ففي خلال زيارته لنيجيريا- أكبر بلد إسلامي في إفريقيا- خرج البابا على العالم مساء 10 يناير الجاري بتحريض جديد على مصر، مدعيًا أن الحريات الدينية فيها وفي الشرق الأوسط في خطر، ومطالبًا مرةً أخرى بحماية المسيحيين، ضاربًا المثل بما جرى في الإسكندرية.
وقد بات مؤكدًا أن المسألة ليست إدانة حادث وقع هنا أو هناك، والتنديد بمَن دبروه ونفذوه، وإنما هي حملة مرتب لها جيدًّا يتقدمها بابا روما، ويشارك فيها بكلِّ فاعلية قادة الاتحاد الأوروبي الكبار، وكلها تصبُّ في تصوير مسيحيي الشرق الأوسط على أنهم في خطر داهم، وأنهم يتعرضون لحرب تطهير؛ ولذا وجب التحرك بسرعة لإنقاذهم والانتصار لحقوقهم، وذلك بالطريقة التي يقررها البابا ومعه سادة أوروبا.. بالتدخل العسكري، أو بالضغوط الاقتصادية، أو بالحصار، وكل ذلك تم التهديد به وسط حملة إعلامية ضخمة.
وقد تزامنت تحريضات البابا مع تهديدات لقادة الاتحاد الأوروبي في تكامل منظَّم للأدوار.. فالرئيس الفرنسي "ساركوزي" تحدث أكثر من مرة عن "مخطط تطهير ديني" يجري بحقِّ المسيحيين في الشرق الأوسط، واعتبر حادث الإسكندرية مثالاً على ذلك، بينما طالب وزراء أوروبيين بربط المساعدات الاقتصادية لمصر بما أسموه "إقرار حقوق الأقليات"، ودعت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان دولَ العالم إلى التصدي للتعصب المتزايد، كما أعلنت المستشارة الألمانية "أنجيلا ميركل" أن المسيحيين لا يعيشون باطمئنان في كل مكانٍ في العالم، وبعثَ وزير الخارجية الإيطالي "فرانكو فراتيني" إلى المفوضة الأوروبية العليا للسياسة الخارجية "كاثرين آشتون" برسالة شاركه فيها وزيرا خارجية فرنسا وبولندا؛ تطالب باتخاذ "إجراءات محددة" لمواجهة ملاحقة المسيحيين.
إن تلك الحملة الضارية التي تتهم مصر ودول الشرق الأوسط باضطهاد المسيحيين ليست- أبدًا- وليدة الانتصار لحقوق الإنسان، ولا هي وليدة قلوب رحيمة بالمضطهدين من البشر، وإنما هي فرصة مواتية للتدخل في شئون الدول الإسلامية لخلط الأوراق، وقلب الموازين على طريقة الحروب الصليبية القديمة، ولكي نفهم السر في إصرار بابا روما وقادة أوروبا على استمرار الاحتقان الطائفي في مصر والشرق الأوسط عمومًا: "يجب- كما تقول الدكتورة زينب عبد العزيز- مراجعة مقررات "سينودس أساقفة الشرق الأوسط" المنعقد في الفترة من 10 - 24 أكتوبر 2010م بالفاتيكان، وهو يمثل نموذجًا متكامل الأركان للتواطؤ بين مختلف الكنائس، من أجل إشعال الحرائق تحت زعامة الفاتيكان؛ لفرض عملية التدخل السافر رسميًّا في بلدان المنطقة بحجج كاذبة ومفتعلة لحماية المسيحيين بالشرق الأوسط".
وتضيف الدكتورة زينب: "أثناء رحلة البابا إلى جزيرة قبرص (4 - 6/6/2009م)، قام بتقديم خطة عمل "السينودس" رسميًّا حتى يتدارسها الأساقفة، وقد علَّقت الصحافة الفرنسة آنذاك على خطة العمل هذه بأنها حرب صليبية".
أقول: إن الأمر الأكثر غرابةً أن البابا ترك كنيسته غارقة حتى أذنيها في أوحال الشذوذ التي يمارسها كبار القساوسة على اختلاف أعمارهم، وينشغل بالإصرار على إشعال الفتن في مصر والشرق الأوسط.. أليس الأولى به أن يتفرغ لحماية روَّاد كنيسته من الأطفال والنساء من "غول" الشذوذ الذي يداهمهم، والذي تناولته الصحافة والإعلام الغربي بتوسع كبير على امتداد السنوات الماضية؟
وطالما أن البابا وقادة أوروبا بهذه القلوب الرحيمة التي تذوب حبًّا في حقوق الإنسان وخاصةً حقوق الأقليات.. ألم يأتهم نبأ محرقة غزة، ونبأ المجزرة الدائرة منذ بدايات القرن الماضي بحقِّ الشعب الفلسطيني على أيدي الصهاينة؟!
ألم يأتهم نبأ المجزرة الكبرى التي راح ضحيتها عشرات الآلاف من المسلمين في البوسنة على أيدي الصرب الأرثوذكس، وعشرون ألفًا من ضحايا الاغتصاب الجماعي من الفتيات والنساء بل والرجال؟ (منظمة نساء ضحايا الحروب).
ألم يسمع البابا وقادة أوروبا تصريحات "خوسيه ماريا أثنار" رئيس وزراء إسبانيا السابق الذي أنشأ بعد تركه للحكومة مركزًا للدراسات، نشر العام الماضي وثيقة خطيرة في يومية "آبي ثي" اليمينية الإسبانية، يدعو فيها حلف "الناتو" إلى تجديد رؤيته الأمنية، واعتبار الحرب ضد الإسلام والمسلمين إحدى أولوياته الكبرى.
هل نسي الرئيس "ساركوزي" موقفه من حظر الحجاب في فرنسا، وموقف الحكومة الفرنسية المجحف بحقِّ المسلمين في مدينة ستراسبورج- شمالي فرنسا- التي لم تتحرك بكلمة إثر سلسلة الهجمات التي طالت مساجدهم وممتلكاتهم ومقابرهم خلال أبريل 2004م؟
إن أوروبا التي لم تستطع تحمّل اسم "محمد" و"أحمد"، فتجبر صاحبه في بلغاريا- مثلاً- على تغييره إلى اسمٍ آخر هي قمة في العنصرية، وأوروبا التي لا تتحمل ارتفاع مئذنة في سويسرا بضعة مترات لا ينبغي أن ترفع صوتها بادعاءات كاذبة عن مسيحيي الشرق، وأوروبا التي لا تتحمل رؤية فتاة محجبة في فرنسا لا يحق لها أن تخرج على العالم العربي وتتبجح بمزاعم انتهاك حقوق الأقليات في الشرق، وأوروبا التي تشهد شوارعها وقوانينها عشرات الحالات من الاعتداءات بحقِّ المسلمين.. يجب أن تراجع نفسها؛ لتكون قدوةً في حماية الأقليات، ومنحهم حقوقهم.
----------------------------
(*) كاتب مصري- مدير تحرير مجلة المجتمع الكويتية