- فكرة استهلاكية ترفع معدلات التضخم وتؤثر سلبًا على الاقتصاد

- البنوك والتجار ومصانع السلع المعمرة المستفيدون من المبادرة

- "حقق أحلامك" لتصبح كابوسًا يطارد الموظف بعد نفاد القرض

- فخ حكومي جديد نصبته وزارة المالية.. والأولى زيادة المرتبات

- إجراء تسكيني يستهدف تحقيق أغراض سياسية وتجميل الحكومة

 

تحقيق: يارا نجاتي

حذَّر خبراء الاقتصاد موظفي الجهاز الإداري للدولة من الوقوع في "فخ" المبادرة التي أطلقتها الحكومة المصرية ممثلة في وزارة المالية تحت مسمى (حقق أحلامك)، والتي تستهدف السماح لـ6,2 ملايين موظف حكومي بالحصول على قروض من البنوك مقابل قسط شهري 30% "أي ثلث المرتب".

 

ووصف الخبراء مشروع "حقق أحلامك" بالكابوس الذي سيلاحق الموظف بعد الحصول على القرض وصرفه في أموره الاستهلاكية، مؤكدين أن المستفيد الأول من هذا المشروع البنوك المقرضة، والتجار، وأصحاب مصانع السلع المعمرة.

 

واعتبروا أن المشروع لا يتعدى كونه إجراءً تسكينيًّا لتخفيف الأعباء الواقعة على الموظفين، والتي ستتضاعف بعد حصول الموظف على القرض، ويستهدف تحقيق أغراض سياسية؛ لتجميل وجه الحكومة والنظام الحاكم، مشيرين إلى أن القروض التي ستعطيها الحكومة للموظفين ليست سوى قروض استهلاكية، ستؤثر سلبًا على كل المستويات الاقتصادية؛ حيث ينتج عن زيادة الاستهلاك ارتفاع في الأسعار، يتبعها ارتفاع معدل التضخم، في الوقت الذي تعاني منه مصر من عجز كبير في الموازنة.

 

المستفيدون من المبادرة

يقول الدكتور حمدي عبد العظيم أستاذ الاقتصاد والرئيس السابق لأكاديمية السادات للعلوم الإدارية: إن القروض التي ستعطيها الحكومة للموظفين ليست سوى قروض استهلاكية، ذات تأثير سلبي على كلِّ المستويات الاقتصادية؛ حيث ينتج عن زيادة الاستهلاك ارتفاع في الأسعار، يتبعها ارتفاع معدل التضخم، في الوقت الذي تعاني منه مصر من عجز كبير في الموازنة.

 الصورة غير متاحة

 د. حمدي عبد العظيم

 

ويتابع: "بالنسبة للموظف نفسه، سيظهر تأثير السداد على حياته، فينخفض مستوى دخله، خاصةً أن المرتب الضعيف من الأساس سيقل، وتكون الأقساط عبئًا على مرتب ثابت لا يتغير، وعليه أن يتماشى مع ارتفاع الأسعار"، مضيفًا أن إضافة مبلغ تأميني إلى الجزء المقتطع من المرتب سيطيل من فترة السداد؛ ما يزيد العبء الذي سيتحمله المواطن.

 

ويؤكد أن التجار ومصانع السلع المعمرة، هي المستفيد الوحيد من تلك القروض؛ حيث سينشط الإقبال عليها، ويلحق بزيادة الطلب زيادة في المبيعات والأرباح، ويرى أن تلك المبادرة مجرد محاولة لإضفاء شعبية على الحكومة والحزب الوطني مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية؛ لتجميل صورة النظام بشعارات رنانة في ظاهرها كـ(حقق أحلامك).

 

فوائد خادعة

ويؤكد الدكتور عبد الرحمن عليان أستاذ الاقتصاد بكلية التجارة جامعة عين شمس أن السوق المصرية تحتاج إلى ضخِّ أموالٍ فيها لزيادة نسبة الإقبال على السلع غير الأساسية وتحريك السوق، فقامت وزارة المالية بضخِّها عن طريق إقراض الموظفين، بدلاً من رفع مرتبات موظفي الدولة لتتناسب مع ارتفاع الأسعار، قائلاً: إن الوزارة تحقق هدفين مزدوجين هما إسكات الأصوات الداعية لرفع المرتبات، إلى جانب التحكم في الموظفين بالقروض والفوائد المحصلة عليها.

 

ويضيف أن العنصر الفائز أيضًا من ذلك البرنامج البنوك، التي ستقوم بإقراض الموظفين؛ حيث ستُحَصِّل فوائد على أموال كانت معطلة لديها، ولا تتحرك في السوق، كما سيدخل لها فوائد دون القيام بأية عمليات استثمار، مشيرًا إلى أن الفوائد المعلن عنها حتى الآن والبالغ قيمتها 5,7% من قيمة القرض الإجمالي، هي فوائد خادعة وأرقامها خاطئة.

 

ويبين أن تلك الفوائد ستصل إلى حوالي (12%) بعد إضافة نسبة مصروفات الإقراض، والأعباء البنكية، وغيرها من البنود الثابتة في أي قرض ترفع قيمة الفائدة النهائية المحصلة، موضحًا أن الأمر سيشكل عملية ضغط كبيرة على الموظف الذي سيضطر لتدبير أمور معيشته بـ70% فقط من المرتب المتدني الذي يحصل عليه، خاصةً أن القرض سيُصرف بطريقة غير سليمة على المصروفات المتجددة كـ(مصروفات المدارس، والدروس، وسلع الرفاهية) وليس على أصول ثابتة.

 

ويقول: إن الأولى بالحكومة زيادة المرتبات زيادة معتدلة كـ10% فقط، بدلاً من القرض والاستدانة وتحميل الموظف أعباءً زائدة، مستنكرًا عدم وضع حدٍّ أدنى لمستوى الدخول التي لها الحق في الاقتراض، حتى يتسنى لها العيش بباقي دخلها، مع عدم وجود دراسة لنمط المستهلكين المصريين للاستفادة منها بشكل سليم.

 

ويشير إلى أن النمو الاقتصادي الذي أشار إليه وزير المالية سيتحقق بعد ضخ القروض في الأسواق، لكنه سيكون على حساب الموظف، لصالح أصحاب رءوس الأموال، موضحًا أن القروض ستزيد الموظفين فقرًا، كما سيزيد رجال الأعمال وأصحاب المصانع أموالاً.

 

إنتاج لا استهلاك

ويصف الدكتور صلاح الدين فهمي أستاذ الاقتصاد بكلية التجارة جامعة الأزهر، برنامج (حقق أحلامك) بأنه فخٌّ كبيرٌ نصبته وزارة المالية لموظفي الحكومة، مبينًا أن الوزارة فكرت في إقراض الموظفين قروضًا استهلاكية، ستحقق متطلبات بسيطة، وعندما يحين وقت سداد الأموال تظهر المشكلة.

 

ويرى أن وزارة المالية في حال رغبت في تقديم مساعدة جادة للموظفين، كان عليها أن توجه تلك القروض لمشاريع تنموية يستفيد منها الموظف وتمكنه من تحقيق عائد إضافي يسدد من خلاله القرض مع فوائده، ويكون بمشاركة حكومية؛ بحيث يكون قرضًا إنتاجيًّا وليس استهلاكيًّا.

 

ويقول: إن المصيدة في ذلك البرنامج، أنه يقدم القرض دون الحصول على ضمانات، لذلك سيلهث إليه الكثير من الموظفين؛ نظرًا لحاجاتهم الشديدة للسيولة؛ لانخفاض مستوى دخولهم، في غفلة عن حجم الفوائد وطريقة السداد، مشيرًا إلى أن تلك الخطوة ستنعش الاقتصاد من الناحية الاستهلاكية؛ حيث سيزيد الطلب على السلع، وكنتيجة لذلك سترتفع الأسعار.

 

ويستنكر تصريحات وزير المالية بأن تلك الخطوة ستعمل على زيادة معدلات النمو الاقتصادي، قائلاً: إن ذلك النمو سيتحقق في العام أو العامين القادمين فقط نتيجة لزيادة الاستهلاك، وبعدها تبدأ مرحلة التأخر والانحدار الاقتصادي، مضيفًا أن الحكومة لم تراع التوازن بين البعدين الاجتماعي والاقتصادي.

 

ويتوقع أن تُسفر تلك الممارسات العشوائية بالمواطنين من قِبل الحكومة إلى أزمات اجتماعية، بعد تراكم الديون وارتفاع الأسعار، شبيهة بالأزمات الجارية الآن في تونس والجزائر.

 

دوامة مشاكل

وتوضح الدكتورة ثريا عبد الخالق أستاذ ورئيس قسم علم الاجتماع بكلية الآداب جامعة المنوفية أن ثقافة الاستهلاك موجودة في المجتمع المصري، ولكن الدعوة إلى مزيد من الاقتراض وتكريس ثقافة الاستدانة تؤثر على المجتمع بشكل كبير؛ حيث يرتفع معدل التوتر ويستمر لفترات طويلة مع الموظف المقترض.

 

وترى أن تلك الخطوة جاءت لتجميل وجه الحكومة أمام المواطنين، كإجراء تسكيني لتحقيق أغراض سياسية، عن طريق تخفيف الضغط على الموظف بشكلٍ مؤقت، كخطوات بديلة لمواجهة أزمات المواطنين وقضاء احتياجاتهم، برفع المرتبات وتحقيق التوازن والعدالة بين مستويات الدخول المتفاوتة في أجهزة الدولة، والقيام بمزيدٍ من الرقابة؛ لضبط الأسعار، ومحاربة الفساد.

 

وتقول: إن تزييف وعي المواطنين أصبح عادة الحكومة المصرية، فتقليل الدخل بنسبة 30% سيضاعف من المشاكل المحيطة بالفرد، مفصلةً أن المقترض سيظل في حالة من التوتر التي توصله إلى مشكلات تستمر معه طوال السنوات الست أو السبع القادمة، كما تدفعه لارتكاب جرائم متعددة؛ بسبب العجز عن تسديد الدين والوفاء بمتطلبات والتزامات أساسية، وتدفعه إلى السجن.