مات أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز فوجدوا في خزانته كيسًا من القمح- حبة القمح كنواة البلح- وقد كتب على الكيس (هذا القمح نبت في زمن العدل).
تذكرت هذه القصة عندما رأيت ثورات الجياع تتوالى في عالمنا العربي في تونس والجزائر، والثورة الصامتة في أرض الكنانة التي كانت تطعم الإمبراطورية الرومانية بالقمح المصري.
والعجيب أن تعاني الشعوب العربية من الفقر والجوع وهي تعوم على أنهار الخير، ولا تفسير لذلك سوى أن سبب هذه المجاعات والأحزان هو (غياب العدل).
ففي زمن العدل زاد معدل إنتاج الفدان دون زراعة أراضٍ جديدة، وفاض المال في بيت مال المسلمين، حتى إنه لم يجد مَن يأخذه.
أما في عصرنا ودولنا العربية فنجد العكس والفرق واضحًا.
لقد انتقلنا من زمن العدل إلى زمن الجور.
فحكام اليوم خرجوا بجيوشهم لا ليحرروا أرضًا أو ينقذوا عرضًا بل ليقتلوا شعوبهم، كما الحال في تونس والجزائر.
وهذا أكبر دليل على أنهم لا ينتمون إلى هذه الشعوب فلو أحبوها ما ذبحوها.
إنهم من جلدتنا.
ويحملون أسماءنا.
ويفعلون فينا فعل أعدائنا.
نصيبهم من الطاعة والسكون.
ونصيبنا منهم الجوع والسجون.
رحم الله أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز الذي قال فيه الشاعر:
وتبني المجد يا عمر بن ليلى وتذكر في رعيتك المعادا
وتدعو الله مجتهدًا ليرضى وتكفي الممحل السنة الجمادا
لقد قام عمر بن ليلى بنت عاصم بن عمر بن الخطاب الليل يصلي من أجل رعيته
في أول خلافته:
(رأى موكبًا فخيمًا من الجياد المطهمة يتوسطها فرس زُيِّنت كالعروس ليمتطي الخليفة ظهرها البَذِخ، فأمر بها إلى بيت مال المسلمين، ثم لما وصل إلى السرادق فإذا هو فتنة ولا كإيوان كسرى فأمر بضمه لبيت المال، ودعا بحصير ففرشه على الأرض ثم جلس فوقه، ثم جِيء بالأردية المزركشة والطيلسانات الفاخرة التي هي ثياب الخليفة، فأمر بها إلى بيت المال، ثم تعرض عليه الجواري ليختار منهن وصيفات قصر، فيسألهن عنها ولِمَن كانت وما بلدها فيردها إلى أرضها وذويها.
وقد شهد له أهل الفضل بالفضل فقال عنه الذهبي أيضًا:
قد كان حسن الخَلْق والخُلُق، كامل العقل، حسن السمت، جيد السياسة، حريصًا على العدل بكلِّ ممكن، وافر العلم، فقيه النفس، ظاهر الذكاء والفهم، أوّاهًا منيبًا، قانتًا لله حنيفًا، زاهدًا مع الخلافة، ناطقًا بالحق مع قلة المعين، وكثرة الأمراء الظَّلمة الذين ملُّوه وكرهوا مماقتته لهم ونقصه أعطياتهم، وأخذه كثيرًا مما في أيديهم مما أخذوه بغير حقٍ، فما زالوا به حتى سقوه السم، فحصلت له الشهادة والسعادة، وعُدَّ عند أهل العلم من الخلفاء الراشدين، والعلماء العاملين.
وقال مالك بن دينار: الناس يقولون مالك زاهد! إنما الزاهد عمر بن عبد العزيز الذي أتته الدنيا فتركها.
* وقال مكحول: لو حلفت لصدقت ما رأيت أزهد ولا أخوف لله من عمر بن عبد العزيز.
* وقال الإمام أحمد: لا أدري قول أحد من التابعين حجة إلا قول عمر بن عبد العزيز.
* وقال ميمون بن مهران: كانت العلماء عند عمر بن عبد العزيز تلامذة.
* وقال مجاهد: أتينا عمر نُعَلِّمُه فما برحنا حتى تعلمنا منه.
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ما صليت وراء إمام أشبه بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الفتى، يعني عمر بن عبد العزيز رحمه الله، وكان واليًا على المدينة.
هذه بعض بركات العدل للحاكم والمحكوم، وما نراه اليوم من غياب البركة وتضاؤل حبة القمح حتى كادت لا ترى بالعين المجردة ما هو إلا نتاج الجور والظلم والفساد الذي سكن أنظمتنا الحاكمة حتى النخاع.
فارحلوا عنَّا حتى تنزل البركة.