أخي الحبيب وصهري الكريم الدكتور أسامة.. حقًا لقد جاء الحكم عليك في قضية التنظيم الدولي صادمًا وغيرَ متوقع، فلا تحزن.. واصبر فإن الصبر عند الصدمة الأولى، ويكفيك براءتك عند رب العالمين بإذن الله، ويكفيك أنك تبيتُ وما ظلمتَ أحدًا من الناس، وما اتهمتَ أحدًا بباطل، وما اقتطعتَ بيمينك مالاً أو حقاًّ لأحدٍ بغير وجه حق، يكفيك أنك تبيتُ في محبسك وفي مرضك مظلومًا ترجو رحمةَ ربك، وتنتظر فرجه القريب دائمًا، وليس ظالمًا يترقب الناس به سوء العاقبة، قلْ لي بربِّك: إذا أنعم الله تعالى عليك بسكينة النفس وصلاح البال وهداية القلب والرضا بما قدَّر والرجاء الدائم في عفوه وفرجه فبكم يُشترى هذا؟ وإذا وجدتَ هذه النعم وفقدتَ كلَّ شيء فلستَ والله إلا من الرابحين..

 

أخي أسامة.. والله إني لأشفق على مَن ظلموك من إخوتنا في أمن الدولة، وفي النيابة، وفي القضاء أكثر مما أشفق عليك من هذا الحكم القاسي العجيب، فإن الظلم إن لم يتبْ عنه صاحبه له وخيم العواقب في الدنيا والآخرة، فمنهم من استسهل رمي البريء بما يرونه من تهم، واستسهل الحبس وتمديد الحبس لمن ليس في إطلاق سراحه أي إضرار بالتحقيقات، إن كان هناك ثمة تحقيقات، واستسهل شهادة الزور وهي من الكبائر، واستسهل اعتماد الظنون والشبهات والإعراض عن الدلائل البيِّنات، واستسهل إهدار حكم الإفراج من قُضَاتِنا الأجلاء، وبرَّر كلَّ هذا بالحفاظ على أمن الدولة، ولو أنصفوا لعلموا أن العدل هو مفتاح الأمن "عدلتَ فأمنتَ فنمتَ يا عمر".

 

إن الظلم ظلمات يوم القيامة، والظلم في أي بنيان هو عربون على زواله، والعدل أنوارٌ يوم القيامة، فالمقسطون على منابرَ من نور، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا.

 

إنني كنت أود أن أفتخر بالحكم الصادر من قضاء مصر الشامخ العادل، وأن أشتم منه رائحة العدل التي تزيل وتخفف بعض آثار المظالم التي تعرضتَ لها أنت وأسرتك أكثر من عشرين شهرًا، ولكنني بعد صدور الحكم أخذتُ أسأل نفسي: هل وراءه إملاءات فوقية؟ أم وراءه ترضية لأحد؟ أم انتقام من أحد؟ أم وراءه طرد للمستثمرين العرب من مصر؟ أم وراءه انحياز كامل لطرف على حساب طرف؟ أم هناك معايير للعدل لا نعرفها؟ كلها أسئلة تثور في النفس، ولا أكاد أعرف إجابتها على وجه اليقين.

 

إنني أذكر يوم جئتَ ضيفًا علينا في القضية التي عرفت بالتنظيم الدولي، بعد دخولنا بأكثر من شهر، وكان البعض منا في أيِّ مزاحٍ معك يقول لك مداعبًا يا دكتور أسامة أنت ضيفٌ علينا سرعان ما تخرج وتتركنا، فقدر الله تعالى- وهو سبحانه غالبٌ على أمره ونسأله العافية دائمًا- أن نخرجَ نحن وتبقي أنت لمزيدٍ من الأجر، ولفرج قريب بإذن الله.

 

وقد سمعتُ أن هناك بابًا من الأمل في التماسٍ يقدمه المحامون للسيد رئيس الجمهورية، فهو كبير العائلة الذي يتدخل في بعض الأحيان؛ لتصحيح أخطاء حدثت أو استدراك مظالم وقعت، فهذا سبب نطرقه إن شاء الله.

 

ولكن الالتماس الأكبر والرجاء الأعظم والحبل الموصول الذي لا ينقطع أبدًا هو الرجاء في رحمة ربك العفو الكريم، والذي نسأله سبحانه أن يجعل لك مما أنت فيه فرجًا ومخرجًا، وأن يهدي القائمين على الأمر في مصر للرجوع إلى العدل الذي يحفظ بلادنا من كل سوء.. إنه سبحانه ولي ذلك والقادر عليه، هذا وإليك بعض أبيات كتبتها قبيل صدور الحكم، ورغم أنني لستُ شاعرًا إلا أن المعاناة ربما أخرجت من خاطري هذه الأبيات:

 

**

أخي أسامة لا تحزن وكن رجلاً          في كلِّ حال من الأحوال تقضيها

لكم عهِدتُك في الأحداث معتصمًا          بالله تبدو رَضِيَّ النفس هانيها

وتكتمُ الحزن كي نلقاك مبتسمًا          لتسعدَ الأهل والأحزانَ تُخفيها

تراكُم الظلم أدمي القلبَ أتعبه          فأشفق القلب من ظلمٍ بواديها

فداو جُرحَك بالقرآن تصحبه          فكم عهدتُك للآيات تاليها

آيات ربك تذكيرٌ وتزكية          تثبت النفس تؤنسها وتهديها

آيات ربك للمكروب فرجته          وتبقي للنفس حصنا من أعاديها

كم فرَّج الله بعد العسر شدتَنا          وأعقب اليسرَ والتفريج تاليها

كم فرّج الله بعد الضيق من كُرَبٍ          ويكشف البأس فانجابت دياجيها

وكم رخاءٍ لنا من بعد شدتنا          وحسنِ عاقبةٍ تأتي تُجلّيها

بل كم مزايا لنا أثناء شدَّتِنا          مِن لطف ربك قد بانت معانيها

قد ينعم الله بالبلوى وإن عظُمت        ويجعل الخير مغمورًا لنا فيها

الحمد لله في سرٍّ وفي علن         قد أسبغ النُعمى لسنا سنحصيها

جراحُ قلبك بالتسليم عالجْها          إن الرضا والتقي دومًا يداويها

سكينةُ النفس للمظلوم تُسعدُه          وتملأ النفس رضوانًا يُواسيها

 

*

كم مرة كنت ألقى الأخت باكيةً          تشكو لربِّ السما ظلمًا لراعيها

ويملأ الوجدَ حزنٌ غامرٌ وأسى          ويملأ العين دمعٌ في مآقيها

وكل يومٍ مضي يأتي لها أملٌ          في كشف كربتنا أوفكِّ عانيها

تزين البيت لاستقبال عائلها          من بعد إفراجٍ أتي من حُكم قاضيها

فيفرح الأهل والأولاد في حذرٍ          هل تلك فرحتنا ظهرت بواديها

فيُصدم الأهل والأولاد إذا علموا          أن الطوارئ حتمًا سوف تلغيها

قضاة مصر هنا كانوا لنا سندًا          أحكام عدل لنا قد عزَّ قاضيها

تكرَّرَ الأمر بالإفراج يعقبه          ظلمُ الطوارئ يأتي من أفاعيها

وآفة العدل أن يبقي القرار به          رهنًا لأهواءٍ للأمن يُمليها

فسيطر الأمن فوق العدل منتفشًا          تغَوَّل الأمن في شتي نواحيها

العدل يسبقُ إن كنا سنصلحها          والعدل يسبقُ إن كنا سنعليها

لما عدلت أمنت الآن يا عمر          فنمت نوم قرير العين هانيها

فالعدل مفتاح للأمن يبسطه          بين الخلائق قاصيها ودانيها

 

*

عشرون شهرًا مضت في ظلم أسرتنا          أين المروءة هل قد غاب راعيها

والمال قد حبسوا والحرُّ قد حبسوا          حتى الصرافة حازوا كل ما فيها

أهل المروءة قد غابوا وما حضروا          وسيَّر الأمر في الأوطان باغيها

أتلك مصر التي ما زلنا نأملها          وطنًا عزيزًا وركن العدل حاميها

أتلك مصر التي عشنا بها زمنا          فخرًا وعزًّا لنا نسمو بها تيها

أمصر تلك التي قد كنا نعرفها          أمنا لساكنها أملا لآتيها

أيُحبس الحرُّ فيها دونما سبب          والغرُّ عاث غرورًا في أراضيها

 

*

تلك الصرافة ما حادت وما انحرفت          عن الشريعة يومًا في مراميها

يدًا بيد بلا غشٍّ قد التزمت          سمت الأمانة كان مُؤصَّلا فيها

وكم بيوتٍ هنا من خيرها فُتحت          كم راغبٍ في حلالٍ كان يأتيها

فجاء ظلم اتهامِ الدار بعثرها          فبعثر الله من بالظلم يؤذيها

لها البراءة من بنكٍ يراقبُها          أعطي الشهادة بالإحسان مُعطيها

لكنَّ أهل العلا في الأمن قد ظلموا          أخفوْا شهادته عن عين قاضيها

جهاتُ أمنٍ هنا في مصر عاليةٌ          قد أدمن الظلمَ والتزويرَ راعيها

سال اللعاب لتحويلٍ أتى بلدي          يُعمِّر الأرض تثميرًا ويبنيها

فشدَّد الأمن حول المال قبضته          وقالوا يقصد للإرهاب تمويها

وقالوا هيا إلى التنظيم دوليٍّ          ضموه فيه دليلاً واضحًا فيها

فدعّم الأمن بالتلفيق حجته          ليزعم الصدق إن يذهب لقاضيها

ينوي ويقصد للإرهاب تدعيمًا          ونحن نعرف للنيات ناويها

ماذا عليهم إذن لو أنهم صبروا          حتى تَصرَّف في الأموال راعيها

فيقطعوا الظن بالتحقيق إن صدقوا          يا بئس ما نسجوا ظلمًا وتشويها

وهل وجدتم دليلاً غير نيته          بئس الظنون دليلاً عند قاضيها

ينوي ويقصد هل صارت لنا تهما          يا قاضي العدل زدنا الآن تنويها

الله وحده رب العرش مطلع          على النوايا إذا ما العبد يخفيها

سبحان ربي على النيات مطلع          فمجدوا الله إجلالاً وتنزيها

 

*

أتيتَ ضيفًا على التنظيم مندهشًا          أيَّ اتهاماتٍ قد كنت جانيها؟!!

وكنت تفرح للأحباب إذ خرجوا          وتبقى وحدك للأحزان تزجيها

وجدت نفسك في زنزانة بعُدت          تستقبل الضيف بعد الضيف يأتيها

وكل وفدٍ أتي يأتي له أجلٌ          لكن حبستك طالت لياليها

كلٌّ تجرَّع كأسَ الظلم يرشفه          وعندك الكأس قد مُلئت إلى فيها

وتبقي وحدك أيامًا بلا عددٍ          تناجي ربك ربّ اكشف دياجيها

وكل وفد أتى يأتي له قصص          إذا أتيناك بعض الحين ترويها

قصص من الظلم قد زادت مرارتها          مرارة الظلم كم حُرٍّ يقاسيها

 

*

لم يشْكُ قلبك من حبسٍ تمرُّ به          ولا شهورٍ بخلف السور تقضيها

وما جزعت من المحكوم أو قيدٍ          لكن حزنتَ لظلمٍ في أراضيها

تراكُمُ الظلم أدمي القلب أتعبه          فأشفق القلب مِن ظلمٍ بواديها

لا يعرف الظلم إلا من يكابده          ولا الطوارئ إلا من يعانيها

كم من مظالمَ في بلدي قد ارتُكبت          باسم الطوارئ والسلطان يحميها

 

*

قرأت نصَّ اتهامك لم أجد عملا          أو تهمة حدثت إذ أنت جانيها

سوي اعتزامك أن تستثمر المال          في قطعة الأرض تحييها وتبنيها

لم ترسل المال من قرضٍ تهربه          بل جاءك المال في بلدي ينميها

ما تم ظلمك من فرد ومن شخص          قد جاء ظلمٌ من الهيئات عاليها

فصار قلبك للأحزان مخزنَها          فما تحمَّل ظلما ساريًا فيها

 

*

وقدَّر الله للنوْبات ندركها          من لطف ربك باري النفس شافيها

وجاء حمزة لم تشهد ولادته         والآن يزحف فوق الأرض يطويها

جاءت حبيبة قد تاقت لرؤيتكم          فترجع البنت ما نالت أمانيها

ويأتي يوسف يرجع مثل ما رجعت          وللرعاية أحكامٌ نراعيها

 

*

تلك البلاد التي بالظلم قد هبطت          لا شيء غير العدل فيها سيعليها

تلك البلاد التي بالزور قد فسدت          لا شيء إلا اجتناب الزور يحييها

يا قاضي العدل إن العقد منفرط          أدرك بعدلك ظلما في نواحيها

هل تصدر العدل في الأحكام نعرفه          أم هل ستتلو من الأحكام قاسيها

الظلم ظلم له في الخزي عاقبة          أما العدالة أنوار لراعيها

 

*

فرج قريب أخي قد حان موعده          بإذن ربك هادي النفس كافيها

وليك الله أعلنها وفي ثقةٍ          فرحمة الله تقرب عند راجيها

فحسبنا الله رب العرش غايتنا          نعم الوكيل لكل الناس يهديها

يا رب فرِّجْ بنا ما حلَّ من كرَبٍ          واكتب لمصر السلامة من أعاديها

واهد القضاة لعدلٍ لا يعطله          ظلمٌ تغوَّل في شتي نواحيها

واهد البلاد لشرعٍ أنت مُنزله          فيه السعادة في أسمى معانيها

لا يصلح النفس إلا شرع خالقها          سبحان ربي هو الرحمن باريها

ثم الصلاة على المختار ما بقيت          ركبٌ تسير على أنغام حاديها