أشرف حمدي

إن مشكلات البحث العلمي في الوطن العربي كثيرة، وفي الفترة الأخيرة زادت المعوقات التي جعلت الدول العربية والإسلامية متخلفة علميًّا وتكنولوجيًّا، مقارنةً بالدول الأخرى التي اهتمَّت بالبحث العلمي والتقدم التكنولوجي.
قبل أن نُلقي باللوم يمينًا ويسارًا، نرى أن الأمة بأسرها تتحمل وزر ما نحن عليه من حالة تقنية بئيسة، فقد تضخمت وترهلت مؤسسات الدولة المهنية بالنواحي التقنية والبحثية، وأصبح ما يضخ فيها من مال يكفي بالكاد رواتب بئيسة للعاملين، كما أن المشاريع البحثية التي تشرف عليها هذه الجهات تحيطها أسوار إدارية ومالية خانقة؛ أدَّت بكثيرٍ من الكفاءات ألا يقربوها.
وفي مصانع الدولة الضخمة، تضاءلت مراكز البحوث والتطوير إلى صورةٍ عبثية، وقد كان بعض هذه المصانع- في الستينيات وحتى الثمانينيات- يمتلئ بالنشاط البحثي اللازم لتطوير منتجاته، والتي لا يمكن الحصول على رخص إنتاج بشأنها، وكانت الحاجة إلى تطويرها مسألة تتعلق بالأمن القومي فإذا بنا نتوقف راضين أو مكرهين، والله أعلم!.
أما القطاع الخاص- على ضخامته- فإن مصانعه هي الأخرى لم تعترف بالبحث والتطوير كقضيةٍ مصيريةٍ للبقاء في عالم الصناعة، فقد دخل إلى عالم الصناعة أقوام يبحثون عن الكسب السريع الرخيص، وليسوا على طريق أهل الصناعة في العالم المتقدم أو النامي، أولئك الذين يتمتعون بالإنجاز الصناعي لبلادهم عن طريق الإنفاق المغامر في التطوير التكنولوجي.
الشاهد أن الأمة كلها مسئولة عن الحالة التقنية الحاضرة، وتحتاج إلى تبصرةٍ وذكرى، فهل يمكن للشعوب العربية والإسلامية أن تُسهم في بناء القدرات التكنولوجية للأمة؟
مقومات تمكننا من الفعل
تمتلك الأمة العربية والإسلامية المقومات اللازمة للقدرة التكنولوجية متمثلة في:
1- الموارد البشرية: سواء منها الأيدي العاملة المحترفة والماهرة بحرفتها أم الكفاءات العلمية القادرة على استيعاب المستويات التكنولوجية والعلمية المختلفة.
2- القدرة على الإبداع والخَلْق وحل المشكلات العلمية والتكنولوجية: مستغنية ومستقلة في ذلك عن غيرها، والأمثلة على ذلك عديدة لا حصرَ لها، ولعل الإبداع المصري التكنولوجي في حرب أكتوبر، أو الإبداع الباكستاني في امتلاك سلاح الردع النووي مثالان دالان على إمكانية الفعل حتى في ظلِّ الحصار والتضييق.
3- الموارد المالية: فالأمة العربية والإسلامية لا تفتقر أبدًا لعنصر المال سواء لدى الأفراد أم المؤسسات أم الحكومات، ولكن ما تفتقده هو ترشيد ذلك الإنفاق من خلال تحديد أولوياته، والقضاء على مظاهر الإهدار والسفه والفساد.
4- القدرة على الحشد المالي والبشري عند الحاجة: وهو ما يجسده التراث الطويل والمشرف للأوقاف، ودورها في تلبية احتياجات الأمة الإستراتيجية، في إطار ووضعية العمل في المجال المشترك بين الحكومات والمجتمعات.
كيف يكون بناء القدرات التكنولوجية؟
الأول: بناء تكنولوجيا ملائمة على جميع المستويات الدنيا والوسطى والعليا: والملاءمة هنا ذات شقين:
أ- الشق الأول: هو الملاءمة الاجتماعية الاقتصادية: بالمفهوم الذي أوحى به "غاندي" في مقاومته للاستعمار الإنجليزي لشبه القارة الهندية، والذي صاغه من بعده "إرنست شوماخر" في كتابه "كل صغير جميل أو Small is Beautiful"، والذي تتلاحم فيه المؤسسات الجامعية والبحثية والمهارات الحرفية الفطرية؛ لتخرج لنا تكنولوجيا صنعتها عقولنا وسواعدنا.
ب- الشق الثاني: هو الملاءمة البيئية؛ فالآثار التدميرية للتكنولوجيات والصناعات الحديثة لا تخفى على أحد، وهو ما يعجز العالَم الآن عن الوصول إلى إنفاق لحل إشكالياته.
الثاني: التنشئة العلمية: فبناء القدرات التكنولوجية يحتاج إلى وجود أجيال كاملة قادرة على تحمل أعباء البناء، أجيال لا تستسهل استيراد التقنيات، وهي تخدع نفسها بعنوان برَّاق يُسمِّي الأشياء بغير أسمائها "نقل التكنولوجيا" بدلاً من "نقل الآلات".
ويتحقق ذلك من خلال بناء جيل تتوافر فيه الصفات التالية:
أ- حب العلم والقدرة على استيعاب مستجداته.
ب- القدرة على حلِّ المشكلات العلمية والتكنولوجية.
ج- القدرة على الإبداع والاختراع العلمي والتكنولوجي.
لذلك فلا بد أن نبدأ بالرجال قبل المنشآت، وبالطبع، فنحن لا نعفي الدولة من مسئولياتها، فعليها عبء كبير في عمليات التطوير العلمي والتقني؛ إذْ ينبغي لها أولاً أن تضع خريطة للمهام التنموية المرجوة، وتضع لكل مهمة مشروعًا مبدئيًا أو قل "شتلة" مبدئية حتى يحتشد صالحو العلماء حولها، حتى إذا كبرت "الشتلة" سعت الدولة لتحميلها لأصحاب الأموال مشاركة لهم فيها بالتذليل العاقل للعقبات.
ووضع هذه الخريطة عملية صعبة، وليست عملاً تافهًا، بل هو من أعمال البحث العلمي الجادة، وطريقة الهند في هذا الأمر تحتاج إلى مراجعة ودراسة؛ إذ هي تتلخص في إنشاء مجموعة من المعاهد البحثية التطويرية متمحورة حول مجموعة من العلماء الثقات، ووضع كل الإمكانيات تحت أيديهم بعيدًا عن ظروف الهند العامة، والتي قد تكون أسوأ من ظروفنا في العالم العربي، أي أنهم هناك يبدءون بالعلماء ثم ينتهون بالمنشآت، عكس ما يحدث لدينا تمامًا؛ حيث نبدأ بالمنشآت ثم نبحث عن الرجال!.
لقد اشترينا في العشرين سنة الأخيرة كمًّا هائلاً من المعدات، وبنينا كمًّا هائلاً من المنشآت، ونسينا الرجال، فأصبح كل ما اشتريناه وما أنشأناه كسرابٍ بقيعة يحسبه الظمآن ماءً، حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا، ووجد الله عنده فوفَّاه حسابه، إنه التحالف الشيطاني بين جهلة الإدارة وفساد الأخلاق، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ولا بد لوضع أسس التنمية التكنولوجية إعطاء تصور متكامل عن الهيكل اللازم لبناء قاعدة علمية تقنية، من شأنها أن تبدع فرص الاحتشاد اللازمة لبدء أي عمل جاد، ونحن لا نبدأ من فراغ، ففي مصر- مثلاً- طاقات مبثوثة في جامعاتها ومراكزها البحثية والصناعية.
طاقات قادرة بإذن ربها أن تصوغ نقطة بدء قوية، وأن تكون البوتقة التي سنضع فيها كل إمكانياتنا المبعثرة وكل عون يأتينا من الداخل أو الخارج لتكوين هذه القاعدة العلمية والتقنية.
1- لكل تكنولوجيا عمل مصاحب؛ فالعلم والتكنولوجيا زوجان متكاملان، ولكنهما متمايزان، ومن ثَمَّ، ينبغي أن نستيقن من امتلاكنا للعلم المصاحب.
2- فلنبدأ ببناء المعامل البسيطة بأنفسنا، وكلما اعتمدنا على أجهزة بسيطة كان خيرًا لنا.
3- القياس روح التمدين، وهو روح العمل العلمي، والقدرة على القياس لا يمكن الحصول عليها من غير تدريبٍ على المعمل آناء الليل وأطراف النهار.
4- علينا أن نستنفد كل السبل لإدراك تقنية بعينها، ولا نتوجه إلى الخارج؛ إلا إذا أعيتنا السبل كلها في هذه الجزئية التي لا نستطيع إدراكها.
5- هناك بنية أساسية ينبغي توافرها في الأمة قبل أن تشرع في التوجه إلى تقنية متقدمة بعينها، ويمكن أن تكون هذه البنية متوافرة في الأمة، ولكنها موزعة في أماكن متفرقة؛ لذلك فالتخطيط المركزي شديد الأهمية في كل الأحوال.
6- ينبغي أن يتم اختيار المنظومة التي تقوم بالتخطيط بعنايةٍ شديدةٍ وبمعيارٍ ثابت "العلم والأمانة"؛ فالوهن سحابة ثقيلة في صدور الرجال.
7- يتطلب استنبات التكنولوجيا حجمًا معينًا حرجًا من الإمكانات المادية والبشرية، ويصبح من العبث أن نزعم أننا نفرنا إلى تكنولوجيا تحتاج إلى الملايين، وكل عدتنا بضعة آلاف، ومن الأهمية بمكان أن نطلب من البشر ما يطيقون، ومن العبث كذلك أن تضيق الدولة على شبابها العلماء وتقتر، بينما تبسط يدها في التعامل الخارجي الذي لم نجنِ منه إلا الحنظل، في الوقت الذي لا يجد فيه العلماء عند أصحاب القرار التقني ما يحملونهم عليه، فيتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنًا ألا يجدوا ما ينفقون.
وأخيرًا.. إن لم نهتم بحل المشكلات الخاصة بالبحث العلمي ونعمل جاهدين لنواكب النهضة العلمية والتقدم التكنولوجي، فسوف نكون تابعين لجميع الدول الأخرى منساقين وراءهم، وهذا هو الواقع الحالي؛ فهل من مبادرةٍ تقوم بها حكومة من الحكومات للتغلب على تلك المشاكل والمعوقات من أجل أجيال المستقبل للأمة العربية والإسلامية.
فعلى الحكومات العربية والإسلامية أن تتكاتف وتتعاون فيما بينها؛ حتى تعيد للأمة مجدها وعزتها، وتخرج من حال التبعية والإذلال، وتتخلص من الهيمنة الصهيو أمريكية، فأمامها مخاطر عظيمة وتحديات صعبة.
-------
* كيميائي